واقع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية خلال عام 2025 تقرير حقوقي تحليلي موسّع صادر عن: المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) 2025


واقع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية خلال عام 2025 تقرير حقوقي تحليلي موسّع صادر عن: المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) 2025

الملخص التنفيذي

يوثّق هذا التقرير واقع الأسرى الفلسطينيين في السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية خلال عام 2025، بوصفه عامًا استثنائيًا شهد تحوّلًا نوعيًا وخطيرًا في طبيعة منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، التي لم تعد تقتصر على أنماط الاعتقال التعسفي والانتهاكات التقليدية، بل تطورت إلى نظام متكامل من القمع المُمَأسس، تُستخدم فيه أدوات التشريع، والأمن، والقضاء، والإعلام، لإدامة سياسة الإبادة البطيئة بحق الأسرى الفلسطينيين.

ويُظهر التقرير، بالاستناد إلى معطيات هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وتقارير مؤسسات الأسرى، وشهادات حية، وأدلة بصرية موثقة، أن عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال حتى نهاية عام 2025 تجاوز 9300  أسير/ة، لا يشملون آلاف معتقلي المعسكرات العسكرية، ولا سيما من قطاع غزة، حيث ما تزال المعلومات محجوبة جزئيًا بفعل سياسة الإخفاء القسري.

ويكشف التقرير أن ما جرى خلال عام 2025 لا يمكن توصيفه كـ “تجاوزات” أو “إجراءات أمنية مشددة”، بل يندرج ضمن نمط واسع ومنهجي من الجرائم الدولية، شمل:

  • التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج،
  • التجويع المتعمد،
  • الإهمال الطبي القاتل،
  • العنف الجنسي والاغتصاب،
  • الإخفاء القسري،
  • إعادة الاعتقال الانتقامي للمحررين،
  • الإبعاد القسري،
  • والتحريض العلني على الإعدام ومحاولة تقنينه تشريعيًا.

ويخلص التقرير إلى أن منظومة الاحتجاز الإسرائيلية خلال عام 2025 شكّلت امتدادًا مباشرًا لجريمة الإبادة الجماعية الجارية بحق الشعب الفلسطيني، وأن استمرار الصمت الدولي إزاء هذه الوقائع يرقى إلى تواطؤ فعلي يهدد حياة آلاف الأسرى.

المقدمة العامة: عام تحوّلت فيه السجون إلى جبهة إبادة

شكّل عام 2025 أحد أخطر الأعوام على واقع الأسرى الفلسطينيين منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي، ليس فقط من حيث عدد المعتقلين أو قسوة الانتهاكات، بل من حيث التحول البنيوي في فلسفة إدارة السجون.

ففي أعقاب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، انتقلت منظومة الاحتجاز الإسرائيلية من كونها أداة قمع تقليدية، إلى جبهة مركزية من جبهات الحرب، تُمارَس فيها سياسات القتل البطيء، وكسر الإرادة، والتصفية الجسدية والنفسية، تحت غطاء قانوني وسياسي معلن.

لم تعد الانتهاكات تُرتكب في الظل، بل باتت:

  • موثّقة بالصور والتسريبات المصوّرة،
  • مقرونة بتصريحات رسمية تحريضية،
  • ومدعومة بتشريعات أُقرّت أو طُرحت داخل الكنيست.

وبذلك، تحوّل ملف الأسرى خلال عام 2025 من قضية حقوق إنسان إلى ملف جرائم دولية مستمرة، تستوجب المساءلة لا الإدانة الشكلية.

 

 

 

 

 

 

 

 

أولًا: الإطار الإحصائي العام – أرقام تكشف حجم الجريمة

حتى نهاية عام 2025، ووفق المعطيات المرجعية الصادرة عن هيئة شؤون الأسرى والمحررين، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال أكثر من 9300 أسير/ة، في رقم يُعد من أعلى الأرقام المسجّلة تاريخيًا.

وتوزّعت هذه الأعداد على النحو الآتي:

  • 3350   معتقلًا إداريًا، محتجزين دون تهمة أو محاكمة.
  • 1220   معتقلًا يصنّفهم الاحتلال ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين"، معظمهم من قطاع غزة.
  • نحو 350 طفلًا محتجزين داخل السجون.
  •  49 أسيرة حتى نهاية العام.
  • 42  صحفيًا معتقلًا، بينهم 40 اعتُقلوا بعد بدء الإبادة.
  • آلاف الأسرى المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة.
  •  32 أسيرًا شهيدًا خلال عام 2025 وحده.
  • 94  جثمانًا محتجزًا، بينهم 83 منذ بدء الإبادة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل آلاف المعتقلين المحتجزين في المعسكرات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، ولا سيما في قطاع غزة، حيث تُمارَس سياسة الإخفاء القسري بصورة ممنهجة.

 

 

 

ثانيًا: الاعتقال الإداري – سجن مفتوح بلا زمن

واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2025 توسيع استخدام الاعتقال الإداري بوصفه إحدى أكثر أدوات القمع السياسي خطورةً واتساعًا، في سياق منظومة احتجاز تعسفي ممنهجة تستهدف الفلسطينيين على أساس الهوية والانتماء الوطني، لا على أساس أفعال مجرّمة أو إجراءات قضائية عادلة.

 

ويبلغ إجمالي عدد المعتقلين الذين تحتجزهم "إسرائيل" دون «تهم» أو «محاكمات»، وتواصل اعتقالهم بشكل تعسفي، ما نسبته 49% من إجمالي أعداد الأسرى المحتجزين في السجون المركزية. فمن بين أكثر من 9300 أسير في السجون، تحتجز سلطات الاحتلال 3350 معتقلاً إداريًا،

ومع وصولهم إلى نحو (3350) معتقلًا، بلغ هذا النمط من الاحتجاز أعلى مستوياته التاريخية على الإطلاق، متجاوزًا الأرقام التي سُجّلت خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي ذروة الحملات العسكرية السابقة. ولم يعد الاعتقال الإداري يُستخدم كإجراء استثنائي ومؤقت كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل تحوّل فعليًا إلى نظام احتجاز دائم بلا سقف زمني، قائم على أوامر اعتقال قابلة للتجديد المتكرر، قد تمتد لأشهر وسنوات دون توجيه تهمة أو إجراء محاكمة.

 

تعتمد هذه السياسة على ما تُسمّيه سلطات الاحتلال "ملفات سرية"، يُحرم المعتقل الإداري ومحاموه من الاطلاع عليها أو الطعن في مضمونها، ما يجعل إجراءات الاعتقال خالية من أي ضمانات للمحاكمة العادلة، ويحوّل القاضي العسكري إلى أداة تصديق شكلي على قرارات أمنية مسبقة، لا جهة رقابة مستقلة.

وخلال عام 2025، اتّسع نطاق تطبيق الاعتقال الإداري ليشمل فئات محمية بشكل خاص بموجب القانون الدولي، من بينها:

  • أسرى محررون أُعيد اعتقالهم دون مبررات قانونية جديدة،
  • أطفال قاصرون حُرموا من حقهم في الحماية الخاصة،
  • نساء، بعضهن أمهات ومعيلات لأسر،
  • مرضى وكبار سن يعانون من أمراض مزمنة أو أوضاع صحية حرجة.

لم يعد الهدف من الاعتقال الإداري مقتصرًا على منع فعل محدد، بل بات يُستخدم كأداة للردع الجماعي، وكسر الإرادة، ومعاقبة المجتمع الفلسطيني بأكمله، عبر إبقاء المعتقل في حالة انتظار دائم، وانعدام يقين مطلق بشأن المصير الزمني للاحتجاز، وهو ما يُشكّل بحد ذاته نمطًا من العقوبة النفسية القاسية.

التكييف القانوني

يشكّل الاعتقال الإداري بهذه الصيغة الواسعة والمفتوحة انتهاكًا جسيمًا ومباشرًا لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما:

  • المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر الاعتقال التعسفي وتكفل حق كل فرد في معرفة أسباب توقيفه والطعن فيه أمام جهة قضائية مختصة،
  • المادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تقيّد اللجوء إلى الاعتقال الإداري بشروط استثنائية صارمة، وبحدود زمنية واضحة، وتحت رقابة قضائية حقيقية.

وعند استخدام الاعتقال الإداري على نطاق واسع وبصورة ممنهجة، كما هو موثّق خلال عام 2025، وبما يستهدف فئات مدنية محمية، ويقترن بحرمان كامل من الضمانات القانونية، فإن هذه السياسة ترقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية وفقًا للمادة (7) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها شكلًا من أشكال السجن أو الحرمان الشديد من الحرية البدنية، في إطار هجوم واسع النطاق وممنهج موجّه ضد سكان مدنيين.

 

 

 

 

 

ثالثًا: التحقيق والتعذيب – حيث يبدأ الانتهاك

تبدأ معاناة الأسرى الفلسطينيين فعليًا منذ اللحظة الأولى للاعتقال، حيث تتحوّل مراكز التحقيق التابعة للاحتلال الإسرائيلي إلى فضاءات مغلقة تُمارَس فيها أنماط منهجية من التعذيب الجسدي والنفسي، بوصفها أداة أساسية لانتزاع الاعترافات، وكسر الإرادة، وإخضاع المعتقل قبل نقله إلى مرحلة الاحتجاز الطويل.

وخلال عام 2025، وثّقت الشهادات الحية والتقارير الحقوقية تصعيدًا خطيرًا في أساليب التحقيق، سواء من حيث حدة الممارسات أو مدتها أو اتساع الفئات المستهدفة، بما في ذلك الأطفال، والنساء، والمرضى، وكبار السن، وأسرى غزة الذين خضعوا لتحقيقات قاسية في ظروف استثنائية وغير إنسانية.

وشملت أنماط التعذيب وسوء المعاملة التي مورست خلال فترات التحقيق، على نحو متكرر وممنهج:

  • الضرب المبرح باستخدام الأيدي والأرجل والأدوات الصلبة، بما يخلّف إصابات واضحة وأضرارًا طويلة الأمد،
  • الشبح لفترات طويلة في أوضاع مؤلمة، مع تكبيل الأطراف خلف الظهر أو إلى الكرسي، بما يسبّب آلامًا حادة واضطرابات عصبية،
  • الحرمان من النوم لأيام متواصلة، عبر الإبقاء على المعتقل في أوضاع غير مريحة، أو تعريضه للضجيج المتعمّد والاستجواب المتكرر،
  • التهديدات ذات الطابع الجنسي، بما في ذلك التهديد بالاعتداء أو الإيذاء الجنسي، أو المساس بأفراد الأسرة،
  • الإهانات اللفظية والحاطة بالكرامة، التي تستهدف الهوية الوطنية والدينية والإنسانية للمعتقل،
  • العزل الانفرادي المطوّل خلال التحقيق، في ظروف نفسية قاسية تهدف إلى تفكيك القدرة على الصمود.

ولا يمكن النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها تجاوزات فردية أو أخطاء معزولة، بل هي جزء من سياسة تحقيق رسمية تستند إلى تعليمات داخلية وأطر قانونية إسرائيلية تتيح استخدام ما يُسمّى بـ"الضغط الجسدي المعتدل" أو "الضرورة الأمنية"، وهي تسميات تُستخدم لتبييض التعذيب وإضفاء غطاء قانوني زائف عليه.

وتُمارَس هذه الانتهاكات في ظل غياب شبه كامل للرقابة القضائية الفعّالة، حيث تُرفض شكاوى التعذيب بشكل منهجي، وتُغلق الملفات دون تحقيق جدي، فيما يواصل الجهاز القضائي الإسرائيلي، بما في ذلك المحاكم العسكرية والمحكمة العليا، لعب دور الغطاء الشرعي الذي يسمح باستمرار التعذيب دون مساءلة، عبر تبنّي خطاب “الأمن” و”الخطر الداهم” كذريعة دائمة.

 

يقول الأسير المحرر سامي خليلي (41 عامًا) من نابلس، الذي أمضى أكثر من 22 عامًا في سجون الاحتلال، إن ما تعرّض له بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 كان مختلفًا في شدّته وقسوته عمّا عرفه سابقًا. يصف سامي جلسات تحقيق طويلة رافقها ضرب مبرح متواصل، وتكبيل مؤلم لساعات طويلة، وحرمان تام من النوم، إضافة إلى إهانات متعمّدة وإذلال نفسي ممنهج. ويؤكد أن المحققين كانوا يتعمّدون إبقاءه في حالة إنهاك دائم، معتبرين ذلك جزءًا من “إجراءات التحقيق”.

أما الأسير المحرر حازم سالم محمد السموني (46 عامًا)، الذي اعتُقل على حاجز صلاح الدين في قطاع غزة، فيروي أن التحقيق لم يكن مجرد استجواب، بل سلسلة متواصلة من الإذلال والتعذيب. يصف كيف أُبقي مقيّدًا في أوضاع مؤلمة، وتعرّض للضرب أثناء التحقيق، مع تهديدات مباشرة تطال حياته وحياة أفراد عائلته. ويؤكد أن العزل والانقطاع التام عن العالم الخارجي كانا جزءًا أساسيًا من الضغط النفسي الذي فُرض عليه منذ الساعات الأولى لاعتقاله.

يقول الأسير المحرر أحمد صلاح المصري (أبو أنس) من مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، الذي اعتُقل في 19 تشرين الأول/أكتوبر 2023 من داخل مدرسة الخريفة، إن التحقيق بدأ منذ لحظة إخراجه من المدرسة المحاصَرة. يصف كيف جرى تكبيله وتعصيب عينيه، ونقله إلى موقع عسكري مؤقت، حيث خضع لتحقيق قاسٍ تخللته الضربات المتكررة، والإجبار على الجلوس لساعات طويلة في أوضاع مؤلمة، مع تهديدات مباشرة بالقتل. يؤكد أحمد أن المحققين كانوا يتعاملون معه باعتباره “عدوًا” لا إنسانًا، وأن التحقيق لم يكن بحثًا عن معلومات، بل أداة انتقام وكسر نفسي.

أما الأسير المحرر إياد سالم أبو عصر، الموظف الجامعي من مدينة حمد، فيروي أن اعتقاله في 4 آذار/مارس 2024 أعقبه تحقيق اتّسم بالقسوة المفرطة. يصف كيف أُجبر على الوقوف لفترات طويلة وهو مكبّل، وتعرّض للضرب والإهانات، مع عزله الكامل عن العالم الخارجي. ويؤكد أن المحققين ركّزوا على تحطيمه نفسيًا، عبر تهديده بأسرته وأطفاله، وإبقائه في حالة إنهاك دائم، دون السماح له بالنوم أو الراحة.

وتكشف شهادات أسرى غزة الذين نُقلوا إلى معسكرات ومواقع احتجاز مؤقتة، ولا سيما معسكر سديه تيمان، عن مستوى غير مسبوق من التعذيب خلال التحقيق، شمل التعري القسري، والضرب الجماعي، والتكبيل لفترات طويلة، والحرمان من النوم والطعام، واستخدام الإهانات ذات الطابع الجنسي والعرقي. وقد أكّد عدد من الأسرى أن التحقيق جرى في بيئات عسكرية مغلقة، خارج أي رقابة قضائية فعلية، وبإشراف مباشر من وحدات الجيش وجهاز "الشاباك".

تعكس هذه الشهادات أن التحقيق مع أسرى غزة بعد 7 أكتوبر لم يكن إجراءً أمنيًا، بل جزءًا من سياسة عقابية جماعية، تُستخدم فيها أدوات التعذيب لانتزاع الاعترافات، أو لمعاقبة المعتقل على انتمائه الجغرافي والوطني، في انتهاك صارخ لكل القواعد القانونية.

 

وفي شهادات الأطفال، تتجلّى خطورة هذه الممارسات بشكل أكثر فداحة. يقول الأسير أحمد جرابعة من جنين، الذي اعتُقل ونُقل إلى سجن مجدو، إن التحقيق رافقه عنف جسدي ونفسي شديدان، وحرمان من النوم والطعام، ما أدى إلى تدهور صحته بشكل حاد وخسارته أكثر من عشرين كيلوغرامًا خلال فترة قصيرة. يصف أحمد شعوره الدائم بالدوار والضعف، ويقول:  "كنت أشعر أن جسمي يصغر"، في شهادة تختصر أثر التعذيب على جسد طفل لا يزال في طور النمو.

بدوره، يروي الأسير القاصر محمد دار الديك (16 عامًا) من الخليل، الذي احتُجز في سجن عوفر، أن التحقيق اتّسم بالقسوة والإذلال، حيث تعرّض للحرمان من النوم، والضغط النفسي المستمر، والصراخ والتهديد. وبعد الإفراج عنه قال:  "كنت أبكي أحيانًا بدون سبب… فقط لأنني جائع"، في إشارة إلى الترابط بين التعذيب خلال التحقيق وسياسة التجويع اللاحقة.

تكشف هذه الشهادات، وغيرها العشرات، أن التعذيب في مراكز التحقيق الإسرائيلية ليس سلوكًا فرديًا أو تجاوزًا استثنائيًا، بل سياسة قائمة بحد ذاتها، تُنفّذ تحت غطاء قانوني زائف، وبموافقة ضمنية من المنظومة القضائية التي امتنعت بشكل منهجي عن التحقيق الجدي في شكاوى التعذيب، وشرعنت استخدام ما يُسمّى "الضرورة الأمنية" كذريعة دائمة.

التكييف القانوني

تشكل ممارسات التحقيق القسري والتعذيب التي تعرّض لها الأسرى الفلسطينيون خلال عام 2025 انتهاكًا صارخًا وغير قابل للتبرير لقواعد آمرة في القانون الدولي، وفي مقدمتها:

  • اتفاقية مناهضة التعذيب، ولا سيما المادتان  (1) و(2)، اللتان تحظران التعذيب حظرًا مطلقًا دون أي استثناءات، بما في ذلك حالات الطوارئ أو الذرائع الأمنية،
  • المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر إخضاع أي شخص للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وبالنظر إلى الطابع المنهجي والمتكرر لهذه الممارسات، وارتباطها بسياسة دولة لا بأفعال فردية، فإن التعذيب في مراكز التحقيق الإسرائيلية يرقى إلى جريمة دولية تستوجب المساءلة الجنائية الفردية، ولا تسقط بالتقادم، وتشمل المسؤولية فيها المحققين، والقيادات الأمنية، والسلطات القضائية التي امتنعت عن التحقيق والمحاسبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رابعًا: الإخفاء القسري وأسرى غزة – الاعتقال بلا أثر

 

شهد عام 2025 تصاعدًا بالغ الخطورة في جريمة الإخفاء القسري بحق الفلسطينيين، لا سيما معتقلي قطاع غزة، في سياق سياسة احتجاز خارج أي إطار قانوني واضح، جرى تنفيذها عبر معسكرات ومواقع عسكرية مغلقة، في مقدمتها معسكر سديه تيمان، الذي تحوّل إلى أحد أبرز رموز منظومة الاعتقال بلا اسم وبلا أثر.

وخلافًا لما تفرضه القواعد الدولية، امتنعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بشكل ممنهج عن نشر أي قوائم رسمية بأسماء معتقلي غزة أو أماكن احتجازهم، ورفضت الاعتراف بوقوع حالات إخفاء قسري، مكتفية بتوصيفات فضفاضة من قبيل “محتجزين لأسباب أمنية” أو “مقاتلين غير شرعيين”، في محاولة واضحة لحرمان المعتقلين من أي صفة قانونية أو حماية إنسانية.

وفي ظل هذا الإنكار الرسمي، تشير معطيات هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني ومؤسسات حقوقية محلية ودولية، إلى أن آلاف الفلسطينيين من قطاع غزة تعرّضوا للاعتقال دون الإعلان عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم، خصوصًا خلال عامي 2024 و2025. وفي فترات زمنية متعاقبة، ظلّ مصير أكثر من ألفي معتقل من غزة مجهولًا، قبل أن يُكشف عن بعضهم لاحقًا عبر إفراجات جزئية أو نقل متأخر إلى السجون، فيما لا يزال مصير عدد غير معلوم حتى اليوم طيّ الإخفاء.

في هذه المعسكرات العسكرية المغلقة، يُحتجز المعتقلون في ظروف تتسم بالسرّية المطلقة، حيث:

  • لا تُعلن أسماؤهم في أي سجل رسمي،
  • يُمنعون كليًا من لقاء المحامين أو التواصل مع العالم الخارجي،
  • تُحجب المعلومات عن عائلاتهم لأشهر طويلة،
  • وتُمنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارتهم أو التحقق من أوضاعهم، في انتهاك صريح لولايتها القانونية والإنسانية.

وقد حوّل هذا النمط من الاحتجاز معتقلي غزة إلى أشخاص مختفين قسرًا، مجرّدين من الاسم والصفة والمكان، وهو ما خلق بيئة مغلقة سمحت بارتكاب أبشع الانتهاكات، بما في ذلك التعذيب الممنهج، والإهمال الطبي، بل والقتل خارج نطاق القانون.

ويُعدّ الطبيب الفلسطيني عدنان البرش أحد أكثر النماذج دلالة على خطورة هذه السياسة. فقد جرى اعتقاله خلال اقتحام مستشفى الشفاء في غزة، حيث كان يعمل مديرًا لقسم العظام، ثم اختفى قسرًا لأشهر طويلة، دون أن يُسمح لعائلته أو لمحاميه بمعرفة مكان احتجازه أو ظروفه. وفي وقت لاحق، أُعلن عن استشهاده داخل السجون الإسرائيلية، دون تقديم أي معلومات رسمية حول أسباب الوفاة أو ظروفها، ودون فتح تحقيق مستقل، في نموذج يجسّد كيف ينتهي الإخفاء القسري، في بعض الحالات، بالموت الصامت.

ولم تقتصر هذه الجريمة على الأطباء، بل شملت أيضًا صحفيين فلسطينيين من قطاع غزة، اعتُقلوا خلال التغطية الميدانية أو أثناء النزوح أو في محيط مناطق الإيواء. وقد وثّقت مؤسسات صحفية وحقوقية حالات لصحفيين جرى اعتقالهم دون إعلان رسمي، وبقوا مختفين لأشهر، قبل أن يظهر بعضهم لاحقًا في سجون أو معسكرات عسكرية، فيما لا يزال مصير آخرين مجهولًا حتى اليوم، في انتهاك مباشر للحماية الخاصة التي يتمتع بها الصحفيون بموجب القانون الدولي.

إن الإخفاء القسري، كما مورس بحق أسرى غزة خلال عام 2025، لا يهدف فقط إلى حرمان الفرد من حريته، بل إلى محو وجوده القانوني والإنساني، وترك عائلته في حالة انتظار دائم بين الأمل والفقد، وتحويل المجتمع بأكمله إلى رهينة للخوف وعدم اليقين.

التكييف القانوني

يشكّل هذا النمط من الاحتجاز انتهاكًا جسيمًا لـالاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي تحظر حرمان أي شخص من حريته مع إنكار مصيره أو مكان وجوده، كما ينتهك المادة (3) المشتركة من اتفاقيات جنيف، التي تكفل الحد الأدنى من الحماية الإنسانية للأشخاص المحتجزين في جميع النزاعات.

وعندما يُمارَس الإخفاء القسري على نطاق واسع وبصورة ممنهجة، كما هو موثّق بحق معتقلي قطاع غزة، ويقترن بالتعذيب أو الإهمال الطبي أو الوفاة داخل الاحتجاز، فإنه يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتتحمّل المسؤولية عنها القيادات العسكرية والأمنية، والسلطات السياسية، والجهات القضائية التي وفّرت الغطاء أو امتنعت عن الكشف والمحاسبة.

 

 

خامسًا: الأطفال الأسرى – طفولة مسلوبة خلف القضبان

شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام قسوة على الأطفال الفلسطينيين في سياق سياسات الاعتقال الإسرائيلية، حيث تحوّل القاصرون إلى هدف مباشر لمنظومة الاحتجاز، لا باعتبارهم فئة محمية تستوجب الرعاية الخاصة، بل بوصفهم جزءًا من سياسة ردع وعقاب جماعي تستهدف المجتمع الفلسطيني بأكمله.

وخلال العام، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 600 طفل فلسطيني، منهم 350 مازالوا يقبعون في سجون الإحتلال، غالبيتهم تعرّضوا للاعتقال الليلي من منازلهم، عبر اقتحامات عنيفة وبحضور جنود مدججين بالسلاح، في مشاهد تركت آثارًا نفسية عميقة لا تقتصر على الطفل المعتقل، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي. وغالبًا ما جرى تقييد الأطفال وتعصيب أعينهم، ونقلهم إلى مراكز تحقيق دون إبلاغ ذويهم بمكان احتجازهم.

في مراكز التحقيق، خضع الأطفال لاستجوابات قاسية دون حضور الأهل أو المحامين، في انتهاك مباشر لأبسط ضمانات العدالة الخاصة بالأحداث. وترافقت التحقيقات مع ضغوط نفسية شديدة، شملت التهديد، والصراخ، والإذلال، والحرمان من النوم، وأحيانًا العنف الجسدي، بهدف انتزاع اعترافات أو كسر إرادة الطفل في مرحلة عمرية هشّة لا تسمح له بإدراك أبعاد ما يُفرض عليه.

وخلال فترات الاحتجاز، حُرم الأطفال الأسرى من حقهم في التعليم، ومن بيئة ملائمة للنمو الجسدي والنفسي، كما تعرّضوا لسياسات التجويع والإهمال الطبي، في ظروف اعتقال لا تراعي سنّهم ولا احتياجاتهم الصحية. وقد وثّقت شهادات لأطفال محررين حالات فقدان وزن حاد، واضطرابات في النوم، ونوبات خوف وقلق دائم، ما يشير إلى آثار طويلة الأمد تتجاوز زمن الاعتقال ذاته.

وتجسّد حالة استشهاد الطفل الأسير وليد خالد عبد الله أحمد (17 عامًا) داخل سجن مجدو في آذار/مارس 2025 مثالًا صارخًا على خطورة بيئة الاحتجاز الإسرائيلية على القاصرين. فقد اعتُقل وليد وهو في سنّ الطفولة، واحتُجز في ظروف قاسية، قبل أن يُعلن عن استشهاده داخل السجن، دون تقديم رواية شفافة أو إجراء تحقيق جدي ومستقل في ملابسات الوفاة. ولم تُحاسَب أي جهة مسؤولة، ما يعكس نمطًا من الإفلات المنهجي من العقاب، ويؤكد أن حياة الأطفال الأسرى تُعامل بوصفها قابلة للتفريط.

إن استهداف الأطفال عبر الاعتقال، والتحقيق القسري، والاحتجاز في ظروف مهينة، لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى كسر الأجيال الناشئة، وزرع الخوف المبكر، وتدمير الشعور بالأمان لدى الطفل الفلسطيني، بما يشكّل اعتداءً مباشرًا على الحق في الطفولة والكرامة والعيش الآمن.

التكييف القانوني

تشكل الممارسات التي تعرّض لها الأطفال الأسرى الفلسطينيون خلال عام 2025 انتهاكًا جسيمًا ومركّبًا للقانون الدولي، ولا سيما:

  • المادة (37) من اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر تعريض الأطفال للتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، وتؤكد أن احتجاز الأطفال يجب أن يكون إجراءً أخيرًا ولأقصر فترة ممكنة، مع ضمان الاتصال بالأهل والمحامين،
  • المادة (76) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل حماية خاصة للأطفال في حالات النزاع والاحتلال، وتُلزم دولة الاحتلال بمعاملتهم معاملة إنسانية تراعي سنّهم واحتياجاتهم الخاصة.

وعندما يُمارَس اعتقال الأطفال بهذا النطاق والنسق، ويقترن بالإهمال الطبي، والحرمان من التعليم، والوفيات داخل الاحتجاز دون تحقيق، فإنه يرقى إلى انتهاك جسيم قد يشكّل جريمة دولية، تستوجب المساءلة، ولا سيما في ظل الطابع المنهجي لهذه السياسات، وغياب أي آلية محاسبة فعّالة.

 

 

 

 

 

 

 

سادسًا: الأسيرات – انتهاك مضاعف قائم على النوع الاجتماعي

تعرّضت الأسيرات الفلسطينيات خلال عام 2025 لانتهاكات جسيمة اتّخذت طابعًا قائمًا على النوع الاجتماعي، في سياق منظومة احتجاز تستخدم جسد المرأة وكرامتها وصحتها الإنجابية كأدوات للعقاب والإذلال وكسر الإرادة، لا كآثار جانبية للاحتجاز، و بلغ عدد حالات الاعتقال خلال عام 2025 أكثر من 200 حالة اعتقال، وعدد المحتجزات حاليًا في السجون الإسرائيلية نحو 49 أسيرة حتى نهاية عام 2025، من بينهن قاصرات وأمهات، إضافة إلى أسيرات خضعن للاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة. وتؤكد المؤسسات المختصة أن هذا الرقم يعكس عدد الأسيرات القابعات في السجون المعلَنة، ولا يشمل بالضرورة جميع النساء اللواتي تعرّضن للاعتقال خلال العام، ولا سيما من قطاع غزة، في ظل وجود حالات احتجاز مؤقت أو إخفاء قسري لم يُكشف عنها رسميًا في بعض الفترات..

وأكّدت شهادات أسيرات محررات أن التفتيش العاري القسري شكّل ممارسة متكررة، جرى تنفيذها في ظروف مهينة، أحيانًا بحضور عدد من السجّانين، ودون وجود ضرورة أمنية حقيقية.

 وروت الأسيرة المحررة فاطمة طمبورة من شمال قطاع غزة، التي احتُجزت في سجن الدامون، أنها خضعت لتفتيش عارٍ كامل، جرى خلاله نزع ملابسها وحجابها بالقوة، وتعرّضت لإهانات لفظية وتحركات جسدية مهينة، في تجربة وصفتها بأنها كانت “كسرًا متعمّدًا للكرامة قبل أي شيء آخر”.

وفي شهادات أخرى، أكّدت أسيرات أن منع الفوط الصحية شكّل إحدى أدوات الإذلال الممنهج، حيث تُركت نساء خلال فترات الدورة الشهرية دون مستلزمات صحية أساسية، أو جرى تقييد الحصول عليها بشروط مهينة، ما أجبر بعضهن على استخدام وسائل بديلة غير إنسانية، في انتهاك صارخ للكرامة والصحة.

 وتقول إحدى الأسيرات المحررات إن هذا الحرمان لم يكن نتيجة نقص، بل عقوبة مقصودة تُستخدم لإخضاع الأسيرة نفسيًا.

كما وثّقت شهادات متطابقة حالات حرمان متعمّد من الطعام الكافي، سواء من حيث الكمية أو النوعية، حيث قُدّمت وجبات غير صالحة أو غير كافية، ما أدى إلى فقدان وزن حاد، وإرهاق جسدي شديد، خصوصًا لدى الأسيرات المريضات والحوامل. وأكّدت أسيرات أن طلبات الطعام الإضافي أو البديل كانت تُقابل بالسخرية أو العقاب.

وفيما يخص الأسيرات الحوامل، كشفت شهادات مقلقة عن إهمال طبي جسيم، شمل حرمانهن من الفحوصات الدورية، وعدم توفير رعاية صحية خاصة بالحمل، وتأخير متعمّد في نقل الحالات الطارئة إلى المستشفيات. وأفادت أسيرات بأن بعض الحوامل تعرّضن لضغوط نفسية شديدة وتهديدات، دون مراعاة للمخاطر الصحية على الأم والجنين، في انتهاك مباشر لواجبات الحماية الخاصة.

أما التحرش والعنف الجنسي، فقد أكّدت شهادات أسيرات محررات أن التهديدات ذات الطابع الجنسي، والإيحاءات المهينة، والملامسات غير المرغوب بها، استُخدمت خلال التحقيق والتفتيش كوسيلة للإذلال وكسر الإرادة. وفي عدد من الشهادات، جرى توصيف ما تعرّضت له الأسيرات باعتباره اعتداءً جنسيًا مباشرًا، تم في سياق الاحتجاز وتحت السيطرة الكاملة للسجّان، ما يرقى قانونيًا إلى اغتصاب أو عنف جنسي بموجب القانون الدولي، حتى في غياب الإيلاج القسري، نظرًا لانعدام الرضا ووجود الإكراه المطلق.

وتؤكد الأسيرات المحررات أن هذه الممارسات لم تُرتكب في الخفاء، بل في ظل صمت وتواطؤ مؤسسي، حيث لم تُفتح تحقيقات جدية، ولم تُحاسَب أي جهة، ما رسّخ شعورًا بأن العنف الجنسي داخل السجون مسموح به فعليًا، ومحصّن من المساءلة.

إن ما تعرّضت له الأسيرات الفلسطينيات خلال عام 2025 لا يمكن فهمه كحالات فردية، بل كجزء من سياسة احتجاز قائمة على استهداف المرأة الفلسطينية تحديدًا، وتحويل جسدها إلى ساحة انتهاك ورسالة ردع، في سياق أوسع من القمع والعقاب الجماعي.

التكييف القانوني

تشكل هذه الانتهاكات خرقًا جسيمًا ومركّبًا للقانون الدولي، ولا سيما:

  • اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تفرض التزامًا بحماية النساء من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الجنسي أثناء الاحتجاز،
  • اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تُصنّف العنف الجنسي، والتحرش، والحرمان المتعمّد من الاحتياجات الأساسية، بوصفها أشكالًا من التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

وعندما تُمارَس هذه الأفعال على نطاق واسع وبصورة ممنهجة، وفي سياق نزاع مسلح واحتلال، فإنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، وتستوجب المساءلة الجنائية الفردية، بما يشمل المسؤولية عن الأفعال، والأوامر، والتواطؤ، والإفلات من العقاب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع: المرضى – الإهمال الطبي كأداة قتل بطيء

يواجه آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية أوضاعًا صحية خطيرة، في ظل سياسة إهمال طبي ممنهجة حوّلت المرض من حالة إنسانية تستوجب الرعاية إلى أداة تعذيب وقتل بطيء تُستخدم لإضعاف الأسرى واستنزافهم جسديًا ونفسيًا، وصولًا إلى الموت في بعض الحالات.

وتشير معطيات مؤسسات الأسرى إلى وجود مئات الأسرى المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة وخطيرة، من بينها السرطان، وأمراض القلب، والفشل الكلوي، والسكري، وأمراض الجهاز العصبي، إضافة إلى إصابات خطيرة ناجمة عن التعذيب أو إطلاق النار أو الاعتقال العنيف. ورغم خطورة هذه الحالات، تواصل سلطات الاحتلال التعامل مع الملف الطبي للأسرى باعتباره أداة عقابية لا التزامًا إنسانيًا.

وخلال عام 2025، اتّسعت مظاهر الإهمال الطبي لتشمل:

  • منع أو تأخير الفحوصات الطبية الأساسية، بما في ذلك الفحوصات التشخيصية الضرورية،
  • تأجيل العمليات الجراحية لشهور وسنوات، حتى في الحالات المستعجلة،
  • الحرمان من الأدوية الأساسية أو استبدالها بمسكنات سطحية لا تعالج أصل المرض،
  • رفض تحويل الأسرى المرضى إلى مستشفيات مدنية أو نقلهم متأخرًا بعد تدهور خطير في حالتهم الصحية،
  • وإبقاء الأسرى في بيئات احتجاز غير صحية، تفتقر إلى التهوية والنظافة والتغذية المناسبة.

وقد أكّدت شهادات أسرى محررين أن العيادات داخل السجون لا تؤدي دورًا علاجيًا حقيقيًا، بل تُستخدم لإدارة الألم لا لعلاج المرض، حيث يُقابَل الأسرى المرضى غالبًا بجملة “اشرب ماءً وخذ مسكنًا”، في تجاهل متعمّد لتفاقم الحالات الصحية، وتحويل المعاناة اليومية إلى نمط دائم من الإذلال والإهمال.

حالات أسرى يعانون المرض في السجون

حالة الأسير نادر الشيخ من بلدة بيت سوريك/رام الله والمحكوم بالسجن الإداري لمدة اربع شهور، حيث يعاني من أوجاع شديدة باسنانه وذلك نتيجة الاعتداء عليه بالضرب اثناء اعتقاله مما أدى الى سقوط تلبيسة أسنانه العليا، وهو بحاجة الى علاج الا ان ادارة المعتقل لا تكترث له ويتواجد الاسير حالياً في معتقل "عوفر".

بينما يشتكي الأسير محمد خلف(19 عاماً)، من مخيم الامعري/رام الله، والمحكوم بالسجن الإداري لمدة 6 أشهر من أوجاع في قدمه اليسرى وهو بحاجة الى علاج. يذكر ان الاسير يقبع في معتقل "عوفر".

فيما يعاني الأسير أحمد عابد (18 عاماً) من مدينة طولكرم، من دوخة وتقيؤ وآلام حادة ببطنه، إضافة الى إمساك شديد ببطنه نتيجة عملية (مرارة) مستعجلة أجريت له بمستشفى العفولة. ويقبع الأسير حالياً في معتقل "مجيدو".

وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصاعدت هذه السياسة بشكل غير مسبوق، لا سيما بحق أسرى غزة، حيث جرى احتجاز مرضى في معسكرات عسكرية مغلقة دون أي رعاية طبية فعلية، وجرى حرمانهم من العلاج والفحوصات، في ظروف احتجاز قاسية تسببت بتدهور سريع في أوضاعهم الصحية. وقد أُعلن عن استشهاد عدد من الأسرى المرضى داخل السجون والمعسكرات، في ظل غياب التحقيقات المستقلة، ما يعزّز الاشتباه القوي بأن الإهمال الطبي شكّل عاملًا مباشرًا في وفاتهم.

إن تحويل المرض إلى وسيلة عقاب، وترك الأسرى يتألمون دون علاج، لا يمكن اعتباره إهمالًا إداريًا أو نقصًا في الإمكانيات، بل هو سياسة مدروسة تهدف إلى إنهاك الأسير، وكسر صموده، ودفعه إلى حافة الموت، في انتهاك صارخ لكل القواعد الطبية والإنسانية.

التكييف القانوني

يشكّل الإهمال الطبي الممنهج بحق الأسرى الفلسطينيين انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويخالف على وجه الخصوص:

  • المادة (91) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُلزم دولة الاحتلال بتوفير الرعاية الطبية الكاملة للأشخاص المحتجزين،
  • المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تكفل الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة،
  • واتفاقية مناهضة التعذيب، التي تُصنّف الإهمال المتعمّد المفضي إلى ألم شديد أو معاناة جسدية أو نفسية كأحد أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

وعندما يُمارَس الإهمال الطبي بصورة منهجية وعلى نطاق واسع، ويؤدي إلى تدهور خطير أو وفاة داخل الاحتجاز، فإنه يرقى إلى جريمة دولية، وقد يُشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، لا سيما عندما يُستخدم كجزء من سياسة عامة لإيذاء فئة مدنية محمية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثامنًا: الشهداء داخل السجون – الموت تحت الاحتجاز

لم يعد الموت داخل السجون الإسرائيلية حدثًا استثنائيًا أو نتيجة طارئة لظروف فردية، بل تحوّل خلال عام 2025 إلى نتاج مباشر لمنظومة احتجاز قائمة على التعذيب، والإهمال الطبي، والتجويع، والإخفاء القسري، في سياق سياسات عقابية ممنهجة تستهدف الأسرى الفلسطينيين بوصفهم فئة مدنية محمية.

وخلال عام 2025، سُجّلت حالات استشهاد متعددة لأسرى فلسطينيين داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، في ظل ظروف غامضة، وغياب شبه كامل للتحقيقات المستقلة، وامتناع سلطات الاحتلال عن تقديم روايات شفافة أو ملفات طبية مكتملة، ما يعزّز الاشتباه القوي بأن هذه الوفيات لم تكن طبيعية، بل نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لسياسات الاحتجاز القاتلة.

وتؤكد معطيات مؤسسات الأسرى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 تجاوز 300 شهيد، فيما شهدت الفترة الممتدة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى نهاية 2025 تصاعدًا غير مسبوق في عدد الشهداء داخل السجون، كثير منهم من قطاع غزة، وفي مقدمتهم أسرى ظلّوا مختفين قسرًا لفترات طويلة قبل الإعلان عن استشهادهم، أو أُعلن عن وفاتهم دون كشف ملابساتها.

إن أنماط الوفاة داخل السجون خلال عام 2025 تُظهر مسارًا واضحًا ومتشابهًا في عدد كبير من الحالات، شمل:

  • الوفاة نتيجة التعذيب المباشر أو سوء المعاملة القاسية خلال التحقيق أو الاحتجاز،
  • الوفاة بسبب الإهمال الطبي المتعمّد، عبر حرمان الأسرى المرضى من العلاج والفحوصات والعمليات الجراحية،
  • الوفاة الناتجة عن التجويع وسوء التغذية الحاد، لا سيما بعد تقليص الوجبات ومنع إدخال الطعام،
  • الوفاة في سياق الإخفاء القسري داخل معسكرات عسكرية مغلقة، دون رقابة أو حماية قانونية،
  • والوفاة بين القاصرين، كما في حالة الطفل الأسير وليد خالد عبد الله أحمد (17 عامًا)، الذي استُشهد داخل سجن مجدو في آذار/مارس 2025، في واحدة من أخطر المؤشرات على انهيار منظومة الحماية المفترضة للأطفال الأسرى.

وفي عدد من الحالات، رفضت سلطات الاحتلال تسليم جثامين الشهداء فورًا، أو سلّمتها بعد فترات احتجاز طويلة، ودون تقارير طبية موثوقة، ما حرم العائلات من حقها في معرفة الحقيقة، وعرقل أي إمكانية لإجراء تشريح مستقل، في انتهاك إضافي لكرامة الإنسان بعد الموت.

إن غياب التحقيقات الجدية، وإغلاق الملفات بشكل منهجي، ورفض محاسبة أي جهة مسؤولة، يؤكد أن الموت داخل السجون ليس نتيجة إهمال فردي أو خطأ طبي، بل سياسة إفلات من العقاب تُكرّس استمرار الجريمة، وتحوّل السجون إلى أماكن يُترك فيها الأسير ليموت بصمت.

 

جدول شهداء الحركة الأسيرة – الإعلانات الصادرة خلال عام 2025

م

الاسم الكامل

العمر

المدينة

تاريخ الاستشهاد

تاريخ الإعلان

مكان الاحتجاز

1

عمرو حاتم عودة

33

غزة

13/12/2023

22/5/2025

سديه تيمان

2

أيمن عبد الهادي قديح

56

غزة

12/10/2023

15/5/2025

سجون الاحتلال

3

بلال طلال سلامة

24

غزة

11/8/2024

15/5/2025

سجون الاحتلال

4

محمد إسماعيل الأسطل

46

غزة

2/5/2025

15/5/2025

سجون الاحتلال

5

محمد شريف العسلي

35

غزة

17/5/2024

29/01/2025

عسقلان

6

إبراهيم عدنان عاشور

25

غزة

23/6/2024

29/01/2025

سجون الاحتلال

7

محمد ياسين خليل جبر

22

بيت لحم

18/1/2025

18/1/2025

سجن النقب

8

مصعب هاني هنية

35

غزة

2025

5/1/2025

سجون الاحتلال

9

محمد إبراهيم حسين أبو حبل

70

غزة

4/6/2025

10/1/2025

سجون الاحتلال

10

صايل رجب أبو نصر

60

غزة

21/1/2025

30/7/2025

سجون الاحتلال

11

علي عاشور علي البطش

62

غزة

21/2/2025

21/2/2025

ساروكا

12

خالد محمود قاسم عبد الله

40

جنين

23/2/2025

3/3/2025

سجن مجدو

13

رأفت عدنان أبو فنونة

34

غزة

26/2/2025

26/2/2025

أساف هروفيه

14

وليد خالد عبد الله أحمد

17

رام الله

24/3/2025

24/3/2025

سجن مجدو

15

مصعب حسن عديلي

20

نابلس

17/4/2025

17/4/2025

ساروكا

16

ناصر خليل ردايدة

49

بيت لحم

20/4/2025

20/4/2025

هداسا

17

رائد إسماعيل عصاعصة

57

طولكرم

13/6/2025

13/6/2025

مستشفى إسرائيلي

18

لؤي فيصل محمد نصر الله

22

جنين

30/6/2025

30/6/2025

سوروكا

19

سمير محمد يوسف الرفاعي

53

جنين

17/7/2025

17/7/2025

مستشفى إسرائيلي

20

أحمد سعيد صالح طزازعة

20

جنين

3/8/2025

3/8/2025

سجن مجدو

21

مصعب عبد المنعم العيدة

20

الخليل

25/8/2025

25/8/2025

شعاري تسيدك

22

أحمد حاتم محمد خضيرات

22

الخليل

7/10/2025

7/10/2025

سوروكا

23

كامل محمد محمود العجرمي

69

غزة

10/10/2025

20/10/2025

سوروكا

24

محمود طلال عبد الله

49

جنين

19/10/2025

19/10/2025

أساف هروفيه

25

محمد حسين محمد غوادرة

63

جنين

2/11/2025

2/11/2025

سجن جانوت

26

تيسير سعيد العبد صبابه

60

غزة

31/12/2024

4/12/2025

سجون الاحتلال

27

خليل أحمد خليل هنية

35

غزة

25/12/2024

4/12/2025

سجون الاحتلال

28

عبد الرحمن سفيان السباتين

21

بيت لحم

10/12/2025

10/12/2025

شعاري تسيدك

29

صخر أحمد زعول

26

بيت لحم

24/12/2025

24/12/2025

سجن عوفر

30

فراس أحمد صبح

47

طوباس

17/07/2025

17/07/2025

مستشفيات اسرائيلية

31

معتز أبو زنيد

35

الخليل

13/01/2025

13/01/2025

مستشفى سوروكا

32

محيي الدين فهمي سعيد نجم

60

جنين

04/05/2025

04/05/2025

سوروكا

 

تعقيب تحليلي على جدول شهداء الحركة الأسيرة حسب تاريخ الإعلان (2025)

يكشف الجدول الزمني للإعلانات الرسمية عن استشهاد الأسرى الفلسطينيين خلال عام 2025 عن نمط ممنهج من التأخير، والتعتيم، والتلاعب في الإخطار بالوفاة، بما يتجاوز الإهمال الإداري إلى سياسة متعمدة تهدف إلى نزع المساءلة القانونية عن منظومة السجون الإسرائيلية، وتقويض حق العائلات والمؤسسات في المعرفة والتوثيق الفوري.

 

أولًا: فجوة زمنية خطيرة بين الاستشهاد والإعلان

يُظهر الجدول أنّ عددًا ملحوظًا من الأسرى استُشهدوا فعليًا في أعوام 2023 و2024، لكن لم يُعلن عن استشهادهم إلا خلال عام 2025، وفي بعض الحالات بعد أشهر طويلة أو أكثر من عام.
هذه الفجوة الزمنية:

  • تحرم العائلات من حقها في المعرفة والحداد،
  • تعيق التوثيق الطبي والقانوني المستقل،
  • تُسهم في طمس الأدلة المرتبطة بظروف الوفاة.

ثانيًا: الإعلانات المتأخرة كأداة للإفلات من المحاسبة

تعكس آلية الإعلان المتأخر اعتماد الاحتلال على ردود انتقائية ومجتزأة تصدر غالبًا عن جيش الاحتلال فقط، دون تقارير طبية مستقلة أو تسليم جثامين، وغالبًا مع الإشارة إلى أن "التحقيق جارٍ".
ويُشكّل هذا السلوك نمطًا متكررًا يهدف إلى:

  • تعطيل المساءلة الدولية،
  • إفراغ الحق في التحقيق الفعّال من مضمونه،
  • إبقاء ملفات القتل في دائرة الغموض القانوني.

ثالثًا: مركزية قضية معتقلي غزة

يبيّن الجدول أنّ معتقلي غزة يشكّلون النسبة الأكبر من الشهداء الذين تأخر الإعلان عنهم، وهو ما يتقاطع مع:

  • سياسة الإخفاء القسري،
  • الاحتجاز في معسكرات وسجون ذات طابع عسكري،
  • منع الزيارات والرقابة الدولية،
  • انتشار التعذيب والتجويع والجرائم الطبية.

ويؤكد ذلك أنّ تأخير الإعلان ليس عرضيًا، بل جزء من بنية الانتهاك المفروضة على معتقلي غزة تحديدًا.

 

رابعًا: تقاطع الإعلان المتأخر مع أنماط قتل أخرى

يُظهر الجدول أنّ الإعلان المتأخر يتزامن مع:

  • وفيات بعد أيام قليلة من الاعتقال،
  • وفيات مسنين ومرضى رغم العلم المسبق بحالاتهم الصحية،
  • حالات إعدام ميداني أُعلن عنها لاحقًا بصيغة “وفاة في الاحتجاز”.

ما يعكس تعدد أدوات القتل ضمن سياسة واحدة متكاملة.

خامسًا: التكييف القانوني

إنّ نمط الإعلان المتأخر والتعتيم على مصير الأسرى:

  • يُشكّل انتهاكًا للمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية )الحق في الحياة(،
  • وخرقًا للمادتين (7) و(10) من العهد ذاته (حظر التعذيب والمعاملة القاسية وكرامة المحتجزين)،
  • ويُعدّ شكلًا من الإخفاء القسري وفق القانون الدولي العرفي،
  • ويمكن اعتباره جريمة ضد الإنسانية متى ما ثبت طابعه الواسع والمنهجي.

 

وتقع المسؤولية القانونية عن هذه الجرائم على:

  • القيادات السياسية والعسكرية التي وضعت السياسات وأمرت بتنفيذها،
  • الأجهزة الأمنية وإدارة السجون التي مارست أو سمحت بالانتهاكات،
  • والسلطات القضائية التي امتنعت عن التحقيق والمساءلة، ووفّرت غطاءً للإفلات من العقاب.

إن الشهداء داخل السجون ليسوا أرقامًا في سجلات، بل ضحايا سياسة احتجاز قاتلة، تستوجب تحركًا دوليًا عاجلًا لكشف الحقيقة، وضمان المساءلة، وإنصاف الضحايا وذويهم، ووقف الجرائم المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين.

 

لا يُمثّل جدول الإعلانات مجرد توثيق زمني، بل دليلًا إجرائيًا على سياسة إسرائيلية قائمة على:

القتل، ثم الإخفاء، ثم الإعلان المتأخر كوسيلة لتقويض العدالة.

وهو ما يفرض على المجتمع الدولي، وهيئات التحقيق الأممية، الانتقال من التعبير عن القلق إلى تفعيل آليات المساءلة الفعلية بحق المسؤولين عن هذه الجرائم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تاسعًا: الجثامين المحتجزة – العقاب الذي لا ينتهي بالموت

واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2025 احتجاز  770جثمانًا لشهداء فلسطينيين في مقابر الأرقام والثلاجات، من بينهم  256 شهيدًا محتجزون في مقابر الأرقام، و514  شهيدًا منذ إعادة اعتماد سياسة احتجاز الجثامين عام 2015. وتشير البيانات ذاتها إلى أن من بين الجثامين المحتجزة 76 طفلًا دون سن الثامنة عشرة، و10 شهيدات من النساء، إضافة إلى 94  شهيدًا من الحركة الأسيرة، في مؤشر خطير على اتساع هذه السياسة وتحوّلها إلى عقاب جماعي ممنهج لا يستثني الأطفال أو النساء أو الأسرى.الشهداء الفلسطينيين بوصفه سياسة عقابية ممنهجة، لا تقتصر آثارها على حرمان العائلات من حقها الإنساني في الوداع والدفن، بل تمتد لتشكّل جريمة مركّبة تشمل انتهاك كرامة الإنسان بعد الموت، وطمس الأدلة، وعرقلة الوصول إلى الحقيقة والمساءلة.

وخلال العام، سلّمت سلطات الاحتلال عددًا من الجثامين بعد فترات احتجاز متفاوتة، بعضها امتد لأسابيع أو أشهر، فيما لا تزال جثامين أخرى محتجزة حتى اليوم. وقد أفادت عائلات ومحامون ومؤسسات حقوقية بأن عددًا من الجثامين التي جرى تسليمها كانت تحمل آثار تقييد واضحة، وكدمات، وجروحًا، وتشوهات جسدية، وإصابات قاتلة، ما يثير اشتباهًا قويًا بوقوع تعذيب حتى الموت أو إعدامات ميدانية.

وفي عدد من الحالات، جرى تسليم الجثامين:

  • دون تقارير طبية رسمية مكتملة،
  • عدم الإفصاح عن أسماء أصحاب الجثامين،
  • أو مع منع إجراء تشريح مستقل،
  • أو بشروط تقيّد عدد المشاركين في الجنازة ووقت الدفن،
  • أو بعد احتجاز طويل للجثمان أدى إلى تغيّر حالته، بما يعرقل توثيق سبب الوفاة بدقة.

إن احتجاز الجثامين في هذا السياق لا يمكن فصله عن منظومة أوسع من الانتهاكات، تشمل الإخفاء القسري، والتعذيب، والإهمال الطبي، والقتل تحت الاحتجاز. وفي حالات شهداء الحركة الأسيرة، يشكّل احتجاز الجثمان حلقة أخيرة في سلسلة الجريمة، تهدف إلى حرمان العائلة من الحقيقة، ومنع الكشف الجنائي المستقل، وضمان الإفلات من العقاب.

كما يُستخدم احتجاز الجثامين كوسيلة للضغط النفسي الجماعي، تُبقي العائلات في حالة انتظار مفتوح، وتحوّل الجثمان إلى أداة تفاوض أو عقاب سياسي، في انتهاك صارخ لأبسط القيم الإنسانية والأعراف الجنائزية.

 

 

التكييف القانوني

يشكّل احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويخالف على وجه الخصوص:

  • المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تفرض احترام كرامة الأشخاص في جميع الأحوال،
  • المادة (130) من الاتفاقية ذاتها، التي تحظر المعاملة اللاإنسانية حتى بعد الوفاة،
  • القانون الدولي العرفي، الذي يوجب احترام الموتى وتسليم جثامينهم دون تأخير، وتمكين عائلاتهم من دفنهم بكرامة،
  • والمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما يشمل الانتهاكات الواقعة على الجثامين.

وعندما يقترن احتجاز الجثامين بآثار تعذيب أو قتل متعمّد، أو يُستخدم لطمس الأدلة ومنع التحقيق، فإنه قد يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، ولا سيما جرائم القتل، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، وانتهاك الكرامة الشخصية.

إن استمرار احتجاز الجثامين، ورفض الكشف عن ظروف الوفاة، ومنع التحقيقات المستقلة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة، ويستوجب تحركًا عاجلًا لضمان تسليم الجثامين، وحماية الأدلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق الشهداء، أحياءً وأمواتًا.

 

مقارنة أوضاع جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة لدى الاحتلال

الفئة

العدد

الملاحظات التوثيقة

إجمالي الجثامين المحتجزة

770  جثمانًا

محتجزة في مقابر الأرقام وثلاجات الاحتلال؛ رقم تراكمي

جثامين محتجزة في مقابر الأرقام

256  جثمانًا

مدافن سرّية بأرقام بدل الأسماء

جثامين محتجزة منذ إعادة السياسة عام 2015

 514 جثمانًا

تعكس الطابع الممنهج والمستمر للسياسة

جثامين شهداء من الحركة الأسيرة

 94 جثمانًا

يتطابق مع بيانات هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير

جثامين أطفال (أقل من 18 عامًا)

76 جثمانًا

انتهاك جسيم للحماية الخاصة للأطفال

جثامين شهيدات من النساء

10 جثامين

استهداف لا يستثني النساء

جثامين سُلّمت مؤخرًا

150

سُلّمت على دفعات وبشروط، وتحمل آثار تعذيب

جثامين لا تزال محتجزة حتى الآن

الأغلبية الساحقة

استمرار الحرمان من الدفن والتحقيق المستقل

 

تشير هذه المعطيات إلى أن سياسة احتجاز الجثامين تشكّل نمطًا عقابيًا ممتدًا، ولا تقتصر على فترة زمنية أو فئة محددة، كما أن الأرقام تراكمية وقابلة للتحديث في ظل استمرار الاحتجاز والإفراج الجزئي عن بعض الجثامين دون شفافية أو تحقيق مستقل.

 

                     

 

 

 

 

 

عاشرًا: الأسرى القادة والمؤبدات – استهداف الرمزية وكسر القيادة داخل السجون

شكّل عام 2025 تصعيدًا نوعيًا في استهداف الأسرى القادة وذوي الأحكام العالية والمؤبدات داخل السجون الإسرائيلية، في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الرمزية الوطنية والتاريخية للحركة الأسيرة، وإضعاف دور القيادات داخل السجون بوصفها ركيزة تنظيمية ومعنوية للأسرى.

وفي هذا السياق، برز الاعتداء على الأسير القائد مروان البرغوثي كنموذج صارخ لهذه السياسة، حيث تعرّض خلال عام 2025 لاعتداءات جسدية شملت الضرب المبرح، إلى جانب العزل الانفرادي والتضييق المتعمّد، فضلًا عن الإهمال الطبي، في ظروف أثارت مخاوف جدية على سلامته الصحية. ولم يكن هذا الاعتداء حادثًا فرديًا أو سلوكًا عشوائيًا، بل جاء في سياق استهداف مباشر لرمز وطني يُجسّد أحد أبرز وجوه القيادة السياسية الفلسطينية داخل السجون.

وتشير معطيات مؤسسات الأسرى إلى أن الأسرى القادة وذوي الأحكام المؤبدة تعرّضوا خلال عام 2025 إلى:

  • اعتداءات جسدية منظّمة أثناء الاقتحامات،
  • عزل انفرادي مطوّل بهدف تفكيك أطر القيادة الداخلية،
  • نقل تعسفي متكرر بين السجون والأقسام،
  • حرمان من الزيارات والتواصل،
  • وإهمال طبي متعمّد بحق أسرى يعانون من أمراض مزمنة أو آثار إصابات سابقة.

إن استهداف هذه الفئة لا ينفصل عن إدراك سلطات الاحتلال للدور المحوري الذي يلعبه الأسرى القادة والمؤبدات في الحفاظ على وحدة الحركة الأسيرة وتنظيمها، وفي نقل التجربة النضالية والوعي السياسي إلى الأجيال الجديدة من الأسرى. وعليه، تُستخدم أدوات القمع الجسدي والنفسي بحقهم بوصفها وسيلة لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل السجون، وضرب البنية القيادية من الداخل.

ولا يمكن فصل الاعتداء على الأسرى القادة عن الخطاب السياسي والتحريضي الرسمي الذي ساد خلال عام 2025، والذي دعا صراحة إلى تشديد ظروف احتجاز “القيادات” و”المؤبدات”، وتجريدهم من أي امتيازات إنسانية، في محاولة لتحويل السجون إلى فضاء انتقامي خالص، يخلو من أي اعتبار قانوني أو إنساني.

التكييف القانوني

تشكل الانتهاكات التي تعرّض لها الأسرى القادة وذوو الأحكام المؤبدة خرقًا جسيمًا للقانون الدولي، ولا سيما:

  • اتفاقية مناهضة التعذيب، التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما يشمل الضرب، والعزل المطوّل، والإهمال الطبي المتعمّد،
  • المادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تُلزم دولة الاحتلال باحترام كرامة الأشخاص المحميين، وحمايتهم من العنف والإهانة في جميع الأوقات.

وعندما يُستهدف الأسرى القادة على نحو ممنهج، وبقصد كسر دورهم الرمزي والقيادي، فإن هذه الممارسات قد ترقى إلى اضطهاد سياسي وتعذيب ممنهج، في إطار سياسة دولة، بما يستوجب المساءلة الجنائية الفردية، ولا سيما في ظل غياب أي تحقيق أو محاسبة داخل المنظومة القضائية الإسرائيلية.

 

 

 

 

 

 

 

حادي عشر : صفقات تبادل الأسرى خلال عام 2025 – الحرية المشروطة

شكّلت صفقات تبادل الأسرى خلال عام 2025 إحدى المحطات المركزية في المشهد العام لقضية الأسرى الفلسطينيين، ليس فقط من حيث أعداد المفرج عنهم، بل من حيث طبيعة الإفراج وشروطه القسرية وآثاره اللاحقة على حياة المحررين. فقد جاءت هذه الصفقات في سياق سياسي وأمني معقّد، اتّسم باستخدام الإفراج كأداة تفاوضية، لا كاستجابة لالتزامات قانونية أو إنسانية.

أولًا: أعداد المفرج عنهم

وفق المعطيات المجمّعة من مؤسسات الأسرى، جرى الإفراج خلال عام 2025 عن  3745 أسيرًا وأسيرة ضمن صفقات تبادل وإفراجات متدرجة، نُفّذت على مراحل، وارتبطت بتفاهمات سياسية وأمنية، لا بإجراءات قانونية مستقلة أو مراجعات قضائية عادلة.

ولا يعكس هذا الرقم نهاية ملف الاعتقال، بقدر ما يُظهر حجم الاعتماد على التبادل كأداة لإدارة الاحتجاز، في ظل استمرار حملات الاعتقال الواسعة بالتوازي مع الإفراجات.

ثانيًا: الفئات المشمولة بالإفراج

شملت صفقات التبادل خلال عام 2025 فئات متعدّدة من الأسرى، من بينها:

  • أسرى ذوو أحكام عالية ومؤبدات، بعضهم أمضى عقودًا طويلة في السجون،
  • أسرى من قطاع غزة، الذين شكّلوا النسبة الأكبر من المفرج عنهم، في ظل الاحتجاز الجماعي الواسع الذي طال القطاع،
  • أسيرات فلسطينيات، أُفرج عن عدد منهن بعد فترات اعتقال قاسية،
  • أطفال قاصرون، اعتُقلوا في ظروف تنتهك قواعد حماية الطفولة،
  • أسرى مرضى، أُفرج عن بعضهم بعد تدهور أوضاعهم الصحية،
  • إضافة إلى عدد محدود من الأسرى المعتقلين قبل اتفاق أوسلو، في دلالة رمزية على طول أمد الاحتجاز السياسي.

ورغم اتساع دائرة الإفراجات، بقيت فئات أخرى مستثناة، ولا سيما أسرى الاعتقال الإداري، أو من أُعيد اعتقالهم لاحقًا.

ثالثًا: الإفراج المشروط وإعادة الاعتقال

لم يكن الإفراج في كثير من الحالات إفراجًا كاملًا أو نهائيًا، إذ فُرضت على عدد كبير من المحررين شروط قسرية شكّلت امتدادًا للاحتجاز بأدوات مختلفة، من بينها:

  • قيود مشدّدة على الحركة والتنقّل،
  • استدعاءات أمنية متكررة إلى مقارّ المخابرات،
  • مراقبة لصيقة وتهديدات مباشرة،
  • وفرض التزامات سلوكية أو إعلامية.

وقد وثّقت مؤسسات الأسرى إعادة اعتقال عشرات المحررين خلال أسابيع أو أشهر من الإفراج عنهم، بعضهم أُعيد اعتقاله فورًا أو حُوّل مباشرة إلى الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، في ما يشكّل سياسة انتقامية متكرّرة تُفرغ الإفراج من مضمونه القانوني والإنساني.

رابعًا: الإبعاد القسري

رافقت بعض صفقات التبادل سياسة الإبعاد القسري، سواء إلى خارج الوطن أو إلى مناطق غير مناطق السكن الأصلية داخل الأراضي الفلسطينية، وهو ما حرم المحررين من حقهم في العودة إلى بيوتهم وعائلاتهم ومجتمعاتهم المحلية.

ويُعدّ هذا الإبعاد انتهاكًا جسيمًا للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل أو الترحيل القسري للأشخاص المحميين، سواء بشكل فردي أو جماعي، وتُجرّم استخدام الإبعاد كأداة عقاب أو تفاوض.

التكييف القانوني

لا تُسقط صفقات تبادل الأسرى، مهما بلغ حجمها:

  • المسؤولية القانونية عن الانتهاكات السابقة، بما في ذلك الاعتقال التعسفي والتعذيب والإهمال الطبي،
  • ولا تُبرّر القيود اللاحقة المفروضة على المحررين،
  • ولا تُشرعن إعادة الاعتقال أو الاعتقال الإداري،
  • ولا تُضفي أي مشروعية على الإبعاد القسري أو شروط الإفراج القهرية.

وتؤكد قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان أن الإفراج عن الأسرى يجب أن يكون غير مشروط، وآمنًا، وكاملًا، وأن أي انتهاكات ترافق الإفراج أو تليه تُعدّ استمرارًا للجريمة، لا طيًّا لصفحتها.

إن صفقات التبادل خلال عام 2025، على أهميتها في تحرير آلاف الأسرى، كشفت في الوقت ذاته عن هشاشة الحرية في ظل الاحتلال، حيث يُعاد إنتاج السيطرة بأدوات جديدة، وتبقى الحرية مشروطة ومهدّدة وقابلة للسحب في أي لحظة.

 

الفئة

العدد

ملاحظات توثيقية

إجمالي المفرج عنهم

3745

ضمن صفقات تبادل وإفراجات متدرجة خلال عام 2025

أسرى من قطاع غزة

2600

شكّلوا النسبة الأكبر من المفرج عنهم

أسرى من الضفة الغربية والقدس

900

شملت الإفراجات مناطق متعددة

أسيرات

80

أُفرج عنهن بعد فترات اعتقال قاسية

أطفال (أقل من 18 عامًا)

320

اعتُقلوا في ظروف تنتهك حماية الطفولة

أسرى مرضى وكبار سن

150

أُفرج عن بعضهم بعد تدهور صحي

أسرى ذوو أحكام عالية ومؤبدات

120

بعضهم أمضى عقودًا في السجون

معتقلون قبل اتفاق أوسلو

20

عدد رمزي محدود

محررون أُعيد اعتقالهم

عشرات الحالات

بعضهم حُوِّل مباشرة للاعتقال الإداري

حالات إبعاد قسري

ما بين 40 إلى 60

إبعاد خارج الوطن أو داخل الأراضي المحتلة

محررون خضعوا لقيود ومراقبة

مئات الحالات

منع تنقّل، استدعاءات، تهديدات

 

ثاني عشر: أحداث موثّقة تفصيلية خلال عام 2025

) التصعيد التشريعي، التحريض الرسمي، العنف الجنسي، الأدلة المصوّرة، وتجريم التضامن الدولي (

شهد عام 2025 سلسلة من الأحداث المفصلية الخطيرة التي شكّلت منعطفًا نوعيًا في ملف الأسرى الفلسطينيين، ليس فقط من حيث طبيعة الانتهاكات واتساعها، بل من حيث علنيتها، وتوثيقها البصري، وارتباطها المباشر بخطاب وتشريعات رسمية صادرة عن أعلى مستويات صنع القرار في دولة الاحتلال. وقد أسهم هذا التلازم بين الممارسة الميدانية والغطاء السياسي والتشريعي في تعزيز توصيف منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بوصفها منظومة جرائم دولية مستمرة.

ويبرز في قلب هذه الأحداث الدور المحوري لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي شكّلت تصريحاته، ومبادراته، وسلوكه العلني عنصرًا فاعلًا في شرعنة القمع، ونزع الحماية القانونية عن الأسرى، وتهيئة مناخ يسمح بارتكاب الانتهاكات الجسيمة دون خشية من المحاسبة.

 

أولًا: مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين – تقنين القتل

خلال عام 2025، طُرح داخل الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين، بدعم علني ومباشر من إيتمار بن غفير، وجرى دفعه إلى مراحل متقدمة من المسار التشريعي. وقد تزامن ذلك مع تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات داخل السجون، شملت التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، والإخفاء القسري.

ويمثّل هذا المشروع انتقالًا بالغ الخطورة من ممارسة القتل غير المشروع داخل أماكن الاحتجاز إلى محاولة تقنينه تشريعيًا، بما يشكّل مؤشرًا واضحًا على نية مسبقة لارتكاب جرائم قتل بحق أشخاص محميين بموجب القانون الدولي الإنساني.

التوصيف القانوني:
إن تشريعًا يسمح بإعدام أسرى في سياق احتلال ونزاع مسلح يُعدّ انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة، وقد يشكّل عنصرًا داعمًا لتوصيف جرائم ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي، لا سيما عند اقترانه بسياق اضطهاد واسع النطاق وممنهج.

 

ثانيًا: التحريض الرسمي العلني ونزع إنسانية الأسرى

شهد عام 2025 تصاعدًا غير مسبوق في التحريض العلني الصادر عن إيتمار بن غفير ضد الأسرى الفلسطينيين، شمل دعوات مباشرة لإعدامهم، وتشديد ظروف احتجازهم، وتجريدهم من الغذاء والعلاج والزيارات، ونزع أي حماية قانونية عنهم.

وقد ترافقت هذه التصريحات مع ظهوره العلني داخل منشآت الاحتجاز، وتوثيق مقاطع مصوّرة تُظهره واقفًا فوق أسرى فلسطينيين مقيّدين وممدّدين على الأرض، في مشاهد تحمل دلالات إذلال وتحريض مباشر على العنف والقتل، وتشكّل خطرًا وشيكًا على حياة الأسرى في ظل السلطة الفعلية التي يتمتع بها.

الدلالة القانونية:
يُعدّ التحريض العلني الصادر عن مسؤول يتمتع بسلطة فعلية جريمة قائمة بذاتها في القانون الدولي، ويؤسس للمسؤولية الجنائية الفردية عن التحريض والمشاركة والمساهمة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

 

ثالثًا: من الخطاب إلى الجريمة – العنف الجنسي والتعذيب داخل أماكن الاحتجاز

في ظل هذا المناخ التحريضي، كُشف خلال عام 2025 عن تسريب مصوَّر من أحد معسكرات الاعتقال العسكرية يوثّق جريمة اغتصاب وتعذيب بحق أسير فلسطيني داخل منشأة احتجاز رسمية، في دليل بصري مباشر يُسقط ادعاءات "الحوادث الفردية".

وبالتوازي، وثّق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان شهادات حيّة لأسيرات وأسرى محررين أكدت تعرّضهم لأنماط متعددة من العنف الجنسي الممنهج. ومن أخطر هذه الشهادات إفادة أسيرة فلسطينية محررة (ن.أ)، تبلغ من العمر 42 عامًا، اعتُقلت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وأكدت تعرّضها:

  • للاغتصاب أربع مرات على يد جنود إسرائيليين،
  • للتعرية القسرية لفترات طويلة،
  • للتصوير العاري تحت التهديد،
  • للصعق بالكهرباء،
  • للضرب المبرح والإهانات الجنسية.

وأفادت بأنها أُجبرت على خلع ملابسها، وتثبيت أطرافها، وهي معصوبة العينين، وتعرّضت للاغتصاب بينما سمعت صوت آلة تصوير، ثم تُركت مقيّدة على السرير دون ملابس لساعات. كما أُجبرت على البقاء عارية ليوم كامل، مع تهديدها بنشر صورها على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما وثّق المركز شهادة أسير فلسطيني (م.أ)، يبلغ من العمر 18 عامًا، تعرّض لاعتداء جنسي باستخدام زجاجة أُدخلت قسرًا في فتحة الشرج، وهي ممارسة تكرّرت بحقه وبحق معتقلين آخرين.

وتؤكد هذه الشهادات، إلى جانب الأدلة المصوّرة، أن العنف الجنسي يُستخدم كأداة تعذيب وكسر إرادة داخل منظومة الاحتجاز، في سياق ممارسة منهجية ومنظمة لا يمكن فصلها عن الخطاب التحريضي الرسمي ونزع الحماية القانونية.

التوصيف القانوني:
الاغتصاب والعنف الجنسي في أماكن الاحتجاز يُعدّ تعذيبًا محظورًا حظرًا مطلقًا، ويُصنّف كـ جريمة حرب، وقد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية عند ثبوت الطابع المنهجي أو الواسع النطاق، مع قيام مسؤولية جنائية فردية وقيادية.

 

رابعًا: مقترح السجن المحاط بالتماسيح – تطبيع الترويع

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية خلال عام 2025 عن مقترح رسمي منسوب لإيتمار بن غفير يقضي بإنشاء سجن أمني تُحاط منشآته بخنادق مائية تحتوي على تماسيح، بذريعة “الردع” ومنع الهروب.

ولا يمكن النظر إلى هذا المقترح بوصفه فكرة هامشية، بل باعتباره تجسيدًا علنيًا لمنطق نزع الإنسانية، واستخدام الحيوانات المفترسة كأداة تهديد نفسي وجسدي، بما يحوّل بيئة الاحتجاز إلى فضاء خطر دائم على الحياة والسلامة الجسدية.

 

خامسًا: تهديدات مصوّرة للمحررين – الحرية تحت فوهة التهديد

وثّقت مقاطع مصوّرة خلال عام 2025 قيام إيتمار بن غفير بتهديد أسرى فلسطينيين محررين بالقتل، في مشاهد يظهر فيها المحررون في وضعيات مهينة تشبه أوضاع التعذيب، في ظل سيطرة أمنية كاملة.

وتُظهر هذه المشاهد أن الإفراج لا يعني الأمان، وأن حياة المحررين تبقى مهددة وقابلة للاستباحة، في رسالة ترهيب مباشرة تُستخدم لتبرير إعادة الاعتقال أو التصفية، وتحويل الحرية إلى حالة مؤقتة ومشروطة.

 

سادسًا: الأدلة البصرية على الإبادة البطيئة والتصفية

شهد عام 2025 انتشارًا واسعًا لمواد بصرية صادمة، شملت:

  • صور أسرى مفرج عنهم وقد بدت عليهم علامات هزال وتجويع وتدهور صحي شديد،
  • صور جثامين سُلّمت لاحقًا وقد ظهرت عليها آثار تقييد وتعذيب وتشويه وإصابات قاتلة.

وتُعد هذه المواد مؤشرات قوية على سياسة الإبادة البطيئة داخل السجون، وعلى احتمال وقوع إعدامات ميدانية وتعذيب حتى الموت، في ظل غياب الرقابة الدولية ومنع الزيارات.

 

سابعًا: اعتقال نشطاء أسطول الحرية – تجريم التضامن الدولي

شهد عام 2025 اعتقال نشطاء دوليين مشاركين في أسطول الحرية أثناء قيامهم بمهمة مدنية سلمية تهدف إلى كسر الحصار عن قطاع غزة. وقد جرى اعتراض السفن في المياه الدولية واحتجاز النشطاء بالقوة، والتحقيق معهم، ومصادرة ممتلكاتهم، ومنعهم من التواصل الحر مع محامين أو ممثليهم الدبلوماسيين في مراحل أولى من الاحتجاز.

ويشكّل هذا السلوك تصعيدًا خطيرًا في تجريم التضامن الدولي والعمل الإنساني، وامتدادًا لسياسة قمع الرواية المستقلة ومنع توثيق الانتهاكات.

التوصيف القانوني:
إن اعتراض سفن مدنية في المياه الدولية واحتجاز ركّابها يُعدّ انتهاكًا لقانون البحار وحرية الملاحة، واحتجازًا تعسفيًا يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 

تكشف الأحداث الموثّقة تفصيليًا خلال عام 2025 أن الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين:

  • لم تعد خفية أو قابلة للإنكار،
  • بل باتت معلنة، موثّقة بصريًا، ومقترنة بخطاب وتشريعات رسمية،
  • وتشكل معًا سلسلة مترابطة من الوقائع تدعم توصيف منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بوصفها منظومة جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مستمرة، مع وجود مسؤولية جنائية فردية وقيادية واضحة عن التحريض، والتقنين، والممارسة.

 

 

 

 

 

 

 

ثالث عشر: المسؤولية الجنائية الفردية والقيادية

إن الوقائع الموثّقة في هذا التقرير، ولا سيما ما جرى خلال عام 2025، تُظهر بوضوح أن الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين لم تكن أفعالًا فردية أو معزولة، بل جاءت في إطار سياسة عامة ممنهجة، اتّسمت بالتخطيط، والعلنية، والارتباط المباشر بخطاب رسمي وتشريعات وممارسات تنفيذية.

وتأسيسًا على ذلك، فإن المسؤولية القانونية لا تقتصر على المنفذين المباشرين داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز، بل تمتد إلى:

  • القيادات السياسية التي حرّضت علنًا على إعدام الأسرى، ونزعت عنهم الحماية القانونية،
  • القيادات الأمنية والإدارية التي أصدرت التعليمات أو امتنعت عن منع الانتهاكات أو التحقيق فيها،
  • والسلطات القضائية التي وفّرت غطاءً للإفلات من العقاب عبر شرعنة التعذيب والاعتقال التعسفي.

وبموجب قواعد القانون الدولي:

  • يُشكّل التعذيب، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والإهمال الطبي، والإخفاء القسري جرائم محظورة حظرًا مطلقًا،
  • ويُعدّ القتل داخل الاحتجاز، أو تقنينه تشريعيًا، جريمة حرب وانتهاكًا جسيمًا لاتفاقية جنيف الرابعة،
  • وعندما تُرتكب هذه الأفعال في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد فئة مدنية محمية، فإنها ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق المواد (7) و(8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

كما أن التحريض العلني، والدعوة إلى القتل، والتهديد المباشر للأسرى والمحررين، لا يُعدّ مجرد خطاب سياسي، بل سلوكًا إجراميًا قائمًا بذاته، يؤسس للمسؤولية الجنائية الفردية عن التحريض والمشاركة والمساهمة في الجرائم الدولية.

 

التوصيات

أولًا: إلى الأمم المتحدة وآلياتها المختصة

  1. فتح تحقيق دولي مستقل وفوري في الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين، بما يشمل التعذيب والعنف الجنسي والاغتصاب والقتل تحت الاحتجاز.
  2. تفعيل ولايات المقرّر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرّر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة، وفريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي.
  3. إدراج ملف الأسرى الفلسطينيين ضمن آليات المساءلة الخاصة بالجرائم الجسيمة المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.

ثانيًا: إلى المحكمة الجنائية الدولية

  1. إدراج الانتهاكات بحق الأسرى ضمن التحقيق القائم في الحالة الفلسطينية.
  2. النظر في المسؤولية الجنائية الفردية والقيادية للمحرّضين وصنّاع القرار.
  3. اعتبار العنف الجنسي والتعذيب داخل السجون جزءًا من نمط جرائم ضد الإنسانية.

ثالثًا: إلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف

  1. الوفاء بالتزامها القانوني بموجب المادة (1) المشتركة من اتفاقيات جنيف، لضمان احترام الاتفاقيات في جميع الأحوال.
  2. ممارسة الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة.
  3. وقف أي دعم سياسي أو أمني أو عسكري يُستخدم في استمرار الانتهاكات.

رابعًا: إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر

  1. ممارسة دورها القانوني الكامل في الوصول غير المقيّد إلى جميع أماكن الاحتجاز.
  2. الكشف عن مصير المختفين قسرًا، لا سيما أسرى غزة.
  3. الضغط العلني عند منعها من أداء مهامها، وعدم الاكتفاء بالقنوات السرّية.

خامسًا: إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان

  1. عدم التعامل مع ملف الأسرى بوصفه قضية إنسانية ثانوية، بل كجزء مركزي من منظومة الجرائم الدولية.
  2. دعم الضحايا والناجين، لا سيما ضحايا العنف الجنسي، وفق معايير الحماية والسرّية.
  3. ضمان التوثيق المستمر، وحفظ الأدلة، ومنع طمسها.

 

الخاتمة

يؤكد هذا التقرير أن عام 2025 لم يكن عامًا عاديًا في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، بل شكّل مرحلة فاصلة انتقلت فيها منظومة الاحتجاز الإسرائيلية من انتهاكات تُمارَس في الظل، إلى جرائم تُرتكب في العلن، وتُوثّق بالصورة، وتُشرعن بالخطاب والتشريع.

لقد كشفت الوقائع أن الأسرى الفلسطينيين لم يعودوا يواجهون فقط الاعتقال التعسفي، بل منظومة متكاملة من التعذيب، والعنف الجنسي، والتجويع، والإهمال الطبي، والإخفاء القسري، والقتل تحت الاحتجاز، في سياق سياسي يسعى إلى نزع إنسانيتهم وتطبيع التصفية بحقهم.

إن استمرار الصمت الدولي، أو الاكتفاء ببيانات القلق، لا يعني الحياد، بل يُسهم عمليًا في إدامة الجريمة. وعليه، فإن العدالة للأسرى الفلسطينيين ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل واجب قانوني دولي لا يسقط بالتقادم.

تؤكد المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) أن هذا التقرير يُقدَّم بوصفه وثيقة اتهام حقوقية، ودعوة صريحة لتحمّل المسؤولية، ووضع حدّ لمنظومة احتجاز تحوّلت إلى أحد أخطر تجليات الجرائم الدولية المستمرة في العصر الحديث.