صادر عن: المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن
فترة التوثيق: منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023
الملخص التنفيذي
يوثّق هذا التقرير استخدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحرمان من الدفء والتعرّض المتعمّد لدرجات حرارة منخفضة كوسيلة تعذيب ومعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، بوصفها سياسة عقابية ممنهجة داخل منظومة الاحتجاز، ولا سيّما منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
استند التقرير إلى أكثر من (10) شهادات مباشرة لأسرى محررين ومحتجزين، جُمعت من ما لا يقل عن (7) مواقع احتجاز وسجون ومراكز توقيف، إضافة إلى إفادات قانونية من محامين، ومعطيات طبية، ومعلومات منشورة في تقارير صادرة عن منظمات حقوقية محلية ودولية. وتشير هذه المصادر مجتمعة إلى أن الممارسات الموثقة لا تمثّل حوادث فردية أو إخفاقات إدارية، بل تشكّل نمطًا متكررًا ومتسقًا من سوء المعاملة يصل إلى مستوى التعذيب المحظور دوليًا.
وثّق التقرير خمسة أنماط رئيسية للتعذيب بالبرد، أبرزها:
ويُظهر التقرير أن هذه الممارسات تترافق بصورة منهجية مع انتهاكات أخرى، من بينها التجويع، الحرمان من النوم، الاعتداءات الجسدية، الإهانات، الحبس الانفرادي المطوّل، والحرمان من الرعاية الطبية، ما يؤدي إلى تفاقم الأذى الجسدي والنفسي للمحتجزين.
تشمل الآثار الصحية الموثقة: التهابات تنفسية حادة، آلامًا مفصلية وعضلية شديدة، انخفاضًا في المناعة، فقدانًا ملحوظًا في الوزن، تفاقم أمراض مزمنة، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل القلق الحاد، الاكتئاب، واضطرابات النوم.
من منظور قانوني، يخلص التقرير إلى أن هذه الممارسات تشكّل انتهاكًا للحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وانتهاكًا للالتزام بضمان المعاملة الإنسانية للأشخاص المحرومين من حريتهم. كما يرى التقرير أن الطابع الواسع النطاق والمنهجي لهذه الانتهاكات قد يرقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويبرز التقرير مسؤولية دولة الاحتلال بصفتها قوة قائمة بالاحتلال، إضافة إلى المسؤولية الجنائية الفردية للقادة والمسؤولين المدنيين والعسكريين الذين أصدروا الأوامر، أو علموا بالانتهاكات، أو تقاعسوا عن منعها أو محاسبة مرتكبيها.
يوصي التقرير بما يلي:
المقدمة
يهدف هذا التقرير إلى توثيق وتحليل استخدام البرد والحرمان من الدفء كوسيلة تعذيب ومعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.
يركّز التقرير على ممارسات محددة تؤدي إلى تعريض المحتجزين بصورة متعمّدة لدرجات حرارة منخفضة، تشمل الحرمان من الأغطية والملابس الشتوية، غياب وسائل التدفئة، فتح النوافذ أو تعريض الزنازين لتيارات هوائية باردة، الاستحمام القسري بالماء البارد، وإجراء عمليات نقل وتفتيش في ظروف مناخية قاسية دون توفير حماية مناسبة.
ويُظهر التوثيق أن هذه الممارسات لا تقع بصورة عرضية أو نتيجة إهمال، بل تُستخدم كأدوات عقابية في سياق منظّم، سواء على نحو فردي أو جماعي.
يعتمد التقرير مقاربة توثيقية قانونية تستند إلى شهادات مباشرة، وإفادات قانونية وطبية، وتحليل المعايير الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الحظر المطلق للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
ويبيّن التقرير أن التعرض المتعمّد للبرد يخلّف آثارًا جسدية ونفسية خطيرة، تتضاعف حدّتها لدى الفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك المرضى، وكبار السن، وذوي الإعاقات، والمحتجزين لفترات طويلة.
ويُقدَّم هذا التقرير بوصفه ملفًا قانونيًا توثيقيًا يهدف إلى:
المنهجية
يعتمد هذا التقرير على مقاربة توثيقية قانونية لرصد وتحليل استخدام البرد والحرمان من الدفء كوسيلة تعذيب ومعاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
يرتكز التقرير على:
استند التقرير إلى أكثر من (10) شهادات فردية من معتقلين احتُجزوا في ما لا يقل عن (7) مواقع احتجاز وسجون ومراكز توقيف.
تم اختيار الشهادات وفق معايير تشمل:
اتبعت عملية التوثيق مبدأ التحقق المتقاطع من خلال مقارنة الشهادات ببعضها البعض ومقارنتها مع الإفادات القانونية والتقارير الطبية والمصادر الحقوقية المنشورة.
تم تحليل المواد المجمّعة باستخدام منهج نوعي يركّز على استخلاص الأنماط المتكررة للممارسات بدل الاكتفاء بعرض حوادث منفردة.
في الجانب القانوني، اعتمد التقرير على اتفاقية مناهضة التعذيب، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقيات جنيف، قواعد نيلسون مانديلا، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
حفاظًا على سلامة الشهود، جرى حجب الأسماء وأي معلومات تعريفية.
يعترف التقرير بوجود قيود، من بينها صعوبة الوصول المباشر إلى أماكن الاحتجاز وخوف الضحايا من الانتقام، إلا أن تطابق الشهادات وتعدد مصادرها يوفّر أساسًا معقولًا لاستخلاص طابعها المنهجي.
السياق العام
تُظهر المعطيات الموثقة أن التعرّض للبرد داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلية لا يشكّل نتيجة عرضية لظروف مناخية أو قصور لوجستي، بل يُستخدم في حالات عديدة كأداة عقابية.
تشير الشهادات إلى أن فترات الشتاء تشهد تصعيدًا في:
وتُنفّذ هذه الممارسات أحيانًا كعقوبات جماعية، وأحيانًا كوسائل ضغط فردية.
كما تُظهر الإفادات أن التحكم بدرجة الحرارة، وبالكساء، وبوسائل النوم يُستخدم كجزء من إدارة الحياة اليومية للأسير، بما يحوّل الظروف المعيشية إلى أداة عقاب.
ويتقاطع التعذيب بالبرد مع أنماط أخرى من الانتهاكات، مثل الإهمال الطبي والتجويع والحرمان من النوم، ما يضاعف من خطورته، لا سيّما على المرضى وكبار السن.
ويجري ذلك في ظل غياب آليات مساءلة فعّالة، الأمر الذي يعزّز استمرارية هذه الممارسات ويكرّس طابعها البنيوي.
أولًأ : الإطار العام والسياق السياسي والاحتجازي لاستخدام البرد كأداة تعذيب
لا يمكن فهم التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بمعزل عن السياق السياسي والأمني الأوسع الذي تُدار في إطاره سياسات الاعتقال، ولا عن التحوّلات البنيوية العميقة التي طرأت على منظومة الاحتجاز عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فالممارسات الموثّقة في هذا التقرير لا تمثّل انحرافات فردية أو تجاوزات استثنائية، بل تعبّر عن إعادة هندسة منهجية لبيئة الاحتجاز، تُستخدم فيها شروط الحياة اليومية ذاتها كوسائل للعقاب والإخضاع والسيطرة.
يهدف هذا الفصل إلى وضع الإطار التحليلي الذي يسمح بقراءة التعذيب بالبرد بوصفه سياسة احتجازية متكاملة، من خلال تفكيك السياق السياسي، والتشريعي، والإداري الذي أتاح تحويل عوامل طبيعية – كالطقس ودرجات الحرارة – إلى أدوات إيذاء مُدارة، تُمارَس بوعي وقصد وبغطاء مؤسسي.
شكّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 نقطة تحوّل مفصلية في طريقة إدارة منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، ولا سيّما معتقلي قطاع غزة. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد سياسات الاحتجاز محكومة بالحد الأدنى من القيود الشكلية التي كانت تُستخدم سابقًا لتبرير “الطابع الأمني” للاعتقال، بل جرى الانتقال إلى نمط استثنائي موسّع يقوم على تعليق فعلي لضمانات المعاملة الإنسانية، تحت ذرائع الطوارئ والأمن القومي.
في هذا السياق، اتّخذت إجراءات الاحتجاز طابعًا عقابيًا جماعيًا، شمل:
هذا التحوّل البنيوي أتاح لسلطات الاحتجاز مساحة واسعة للتصرف غير المقيّد في إدارة شروط الاحتجاز، بما في ذلك التحكم بالبيئة المناخية، والكساء، والفراش، ووسائل النوم، والغذاء، والعلاج. وضمن هذا المناخ، لم يعد البرد عاملًا خارجيًا محايدًا، بل أصبح جزءًا من ترسانة العقاب اليومية.
وتُظهر الوقائع الموثّقة أن هذا التصعيد لم يكن عشوائيًا أو مؤقتًا، بل استمر عبر أشهر متتالية، بما يشير إلى استقرار نمط جديد من المعاملة، تُستخدم فيه القسوة المعيشية كوسيلة ردع وكسر جماعي، في انتهاك مباشر لمبدأ التمييز الفردي في العقوبة، ولمبدأ الحظر المطلق للعقوبات الجماعية.
تُدار أماكن الاحتجاز، وفق المعايير الدولية، باعتبارها فضاءات خاضعة لسيطرة كاملة من قبل السلطة القائمة بالاحتجاز، ما يترتب عليه واجب إيجابي بتأمين شروط إنسانية تحمي حياة المحتجزين وكرامتهم. غير أن ما تكشفه هذه الدراسة هو انقلاب هذا الواجب إلى نقيضه، حيث تُستخدم السيطرة الكاملة ذاتها لإنتاج بيئة إيذائية.
فالزنازين، وغرف التحقيق، والخيام، والبراكسات، ووسائل النقل، ليست مجرد أماكن محايدة، بل فضاءات يجري تصميمها وتشغيلها بطريقة تُضاعف المعاناة. ويشمل ذلك:
هذه الممارسات، حين تُقرأ مجتمعة، تُظهر أن البرد لا يُعامل كخطر يجب التخفيف من أثره، بل كوسيلة يُعاد إنتاجها وتعظيم أثرها ضمن بيئة الاحتجاز. وهو ما يُحوّل شروط المعيشة نفسها إلى أداة تعذيب غير مباشرة، لكنها شديدة الفعالية والاستمرارية.
من الناحية القانونية، يُشكّل التمييز بين الإهمال والقصد عنصرًا حاسمًا في توصيف الانتهاكات. وتُظهر الوقائع الموثّقة في هذا التقرير أن التعذيب بالبرد لا يمكن إدراجه في خانة الإهمال أو القصور العرضي، لعدة أسباب جوهرية.
أولًا، لأن الممارسات المرتبطة بالبرد متكررة ومتسقة عبر أماكن احتجاز مختلفة، وفي فترات زمنية متقاربة، وبأساليب متشابهة، ما ينفي الطابع العرضي.
ثانيًا، لأن سلطات الاحتجاز تمتلك القدرة الفعلية على التخفيف من أثر البرد، سواء عبر توفير أغطية إضافية أو تدفئة أو عزل، لكنها تمتنع عن ذلك عمدًا.
ثالثًا، لأن البرد يُستخدم أحيانًا بشكل نشط ومباشر، كما في رشّ المياه الباردة، أو التجريد من الملابس، أو الاحتجاز في خيام مفتوحة.
وعليه، فإن عنصر القصد يتجلّى ليس فقط في الفعل الإيجابي، بل أيضًا في الامتناع المتعمّد عن اتخاذ تدابير وقائية رغم العلم المسبق بالمعاناة الواقعة. ويُعدّ هذا الامتناع، في القانون الدولي، شكلًا من أشكال السلوك التعذيبي عندما يؤدي إلى ألم أو معاناة شديدة.
لا يمكن فصل التعذيب بالبرد عن الإطار الأوسع للعقاب الجماعي الذي فُرض على الأسرى الفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فالممارسات الموثّقة لا تستهدف أفرادًا محددين على أساس سلوك شخصي، بل تُفرض على مجموعات كاملة من المحتجزين، بغضّ النظر عن أعمارهم أو أوضاعهم الصحية.
يتجلّى ذلك في:
ويُعدّ هذا النمط انتهاكًا مزدوجًا: فهو من جهة يُشكّل تعذيبًا أو معاملة قاسية، ومن جهة أخرى يُمثّل عقوبة جماعية محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، بما يضاعف من جسامة الانتهاك.
تكمن خطورة التعذيب بالبرد، ليس فقط في حدّته، بل في قابليته للتكامل مع أنماط إيذاء أخرى. فالتعرّض المستمر للبرد يحدث غالبًا في ظل:
هذا التداخل يُنتج حالة من الاستنزاف التدريجي، حيث يُضعف البرد الجهاز المناعي، ويُفاقم الجوع والإرهاق، ويزيد من قابلية الجسد للمرض، بينما تتراكم الآثار النفسية من خوف وقلق وانعدام أمان. ويُعدّ هذا النمط من التعذيب المركّب من أخطر أشكال المعاملة اللاإنسانية، لأنه يُخفي شدّته خلف “تفاصيل يومية” تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في مجموعها مدمّرة.
أحد العناصر البنيوية التي سمحت باستمرار التعذيب بالبرد هو غياب آليات المساءلة الفعّالة. فقد وثّقت الشهادات تقديم شكاوى متكرّرة لإدارات السجون بشأن البرد القارس، وسحب الأغطية، وانعدام وسائل التدفئة، إلا أن هذه الشكاوى لم تؤدِّ إلى تغييرات ملموسة.
هذا الغياب المستمر للتصحيح لا يمكن اعتباره تقصيرًا إداريًا محضًا، بل يُشكّل قرينة على القبول المؤسسي باستمرار المعاناة، ويُعزّز توصيف الممارسات بوصفها سياسة قائمة، لا تجاوزات فردية.
الخلاصة
إن التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية:
وبذلك، يُشكّل هذا السياق الأساس التحليلي والقانوني الذي تُبنى عليه الأقسام اللاحقة ، ولا سيّما تلك المتعلقة بأنماط التعذيب، والآثار الصحية والنفسية، والتكييف القانوني الدولي.
ثانيًا: أنماط التعذيب بالبرد كسياسة عقابية داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية
لا يظهر التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية كممارسة واحدة محدّدة أو كحالة عابرة مرتبطة بظروف مناخية استثنائية، بل يتجلّى كسلسلة من الأنماط المتعددة والمتداخلة، التي تُستخدم بصورة منفردة أو متزامنة، وفقًا لمرحلة الاحتجاز وطبيعة المكان والغرض العقابي المراد تحقيقه. وتُظهر الشهادات الموثّقة أن هذه الأنماط لا تنشأ عن غياب التخطيط أو ضعف الإمكانات، بل عن إدارة واعية لبيئة الاحتجاز، تُحوَّل فيها عناصر الحياة اليومية – كالدفء، والماء، والكساء، والنوم – إلى أدوات إيذاء.
إن توصيف هذه الأنماط لا يهدف إلى التصنيف الشكلي فحسب، بل إلى إبراز الوظيفة التعذيبية لكل ممارسة، وكيفية تكاملها ضمن سياسة أوسع تستهدف إنهاك الجسد، وكسر الإرادة، وتقويض الكرامة الإنسانية. وعليه، فإن قراءة هذه الأنماط يجب أن تتم بوصفها أجزاء من منظومة واحدة، لا حوادث منفصلة، وهو ما يمنحها دلالتها القانونية الكاملة.
يُعدّ استخدام المياه الباردة في سياق الاحتجاز والتحقيق من أكثر أنماط التعذيب بالبرد حدّة ووضوحًا من حيث القصد والوظيفة. فالماء، الذي يُفترض أن يكون وسيلة للنظافة أو تلبية احتياجات أساسية، يُعاد توظيفه هنا كأداة إيذاء مباشر، تُستخدم لإحداث صدمة جسدية فورية ومعاناة نفسية عميقة، ولا سيّما عندما يُمارَس هذا الأسلوب في طقس شتوي قارس، وعلى جسد مقيّد أو مجرّد من وسائل الحماية.
تشير الشهادات الموثّقة إلى أن التعذيب بالمياه الباردة لا يُمارَس بشكل عشوائي أو عرضي، بل في إطار سيناريو تعذيبي مُحكَم، يتّسم بالتدرّج والتكرار والربط المباشر بسير التحقيق. ففي هذا السيناريو، يُرشّ الأسير بالمياه شديدة البرودة بشكل متواصل، أو يُترك جسده مبللًا لفترات طويلة، بينما يكون مقيّد الحركة أو مُجبَرًا على اتخاذ وضعيات جسدية مرهقة، بما يمنع عنه أي قدرة على التكيّف مع البرد أو تخفيف أثره.
وتُظهر الإفادات أن هذا النمط يُعزَّز أحيانًا بتشغيل مراوح أو تعريض الأسير لتيارات هوائية باردة، ما يُضاعف الإحساس بالبرد ويُسرّع من فقدان حرارة الجسد. ولا يُعدّ هذا التفصيل عنصرًا ثانويًا، بل مؤشرًا واضحًا على القصد في تعظيم الألم، وتحويل البرد إلى أداة تعذيب مركّبة، تجمع بين الصدمة الحرارية، والإرهاق الجسدي، والضغط النفسي.
في شهادته، أفاد الأسير المحرر أحمد المصري من غزة لتضامن بتعرّضه لهذا النمط خلال التحقيق في شهر كانون الأول/ديسمبر، حيث جرى رشّه بالمياه الباردة جدًا بشكل متواصل، في وقت كان الطقس فيه شديد البرودة. كانت يداه مُثبّتتين داخل قطع حديدية، وكلما حاول إنزال إحداهما لتخفيف الألم، ازداد الضغط عليه. لم يكن رشّ المياه حدثًا منفصلًا، بل تزامن مع تشغيل مراوح، ومع أوامر مهينة وإجباره على السجود لفترات طويلة، في محاولة واضحة لكسر إرادته وإجباره على تقديم إجابات بعينها.
تُظهر هذه الشهادة كيف يُستخدم الماء البارد ليس فقط لإيلام الجسد، بل أيضًا لإرباك الأسير نفسيًا، وإشعاره بالعجز الكامل عن حماية نفسه من الألم، في بيئة مغلقة لا يملك فيها أي سيطرة على ما يحدث لجسده.
من منظور القانون الدولي، يُشكّل هذا النمط مثالًا واضحًا على التعذيب بالمعنى الدقيق للكلمة. فالألم الناتج عن التعرض القسري للمياه الباردة في ظروف مناخية قاسية، ولا سيّما عندما يكون مصحوبًا بالتقييد والضغط النفسي، يُعدّ ألمًا شديدًا ومتعمدًا. كما أن الربط المباشر بين هذا الأسلوب وسير التحقيق يُثبت الغرض الإكراهي، وهو أحد العناصر الجوهرية لتعريف التعذيب.
ولا يمكن تبرير هذه الممارسة تحت أي ذريعة أمنية أو تحقيقية، إذ إن اجتهادات الهيئات الدولية أكدت مرارًا أن استخدام الماء أو البرد لإحداث المعاناة يُصنَّف ضمن أساليب التعذيب المحظورة حظرًا مطلقًا، سواء أُطلقت عليه مسميات "ضغط نفسي" أو "وسائل تحقيق خاصة".
يمثّل الاحتجاز في خيام وبراكسات غير مهيّأة مناخيًا أحد أكثر أنماط التعذيب بالبرد اتساعًا واستمرارية، ليس فقط بسبب عدد الأسرى المتأثرين به، بل بسبب طبيعته الممتدة زمنيًا، وما يُحدثه من استنزاف تدريجي للجسد والنفس. ففي هذا النمط، لا يُمارَس التعذيب عبر صدمة فورية، بل عبر تعريض مستمر ومنهجي لدرجات حرارة منخفضة، في بيئة لا توفّر الحد الأدنى من الحماية من البرد.
تشير الإفادات إلى أن هذه المنشآت غالبًا ما تُقام في مناطق مفتوحة أو صحراوية، حيث تنخفض درجات الحرارة بشكل حاد ليلًا، دون أن تكون الخيام أو البراكسات مزوّدة بعزل حراري كافٍ. وتُحيط بهذه المنشآت في كثير من الأحيان شبكات معدنية أو فتحات واسعة تسمح بتسلل الهواء البارد من جميع الجهات، ما يجعل البرد عنصرًا دائم الحضور في الحياة اليومية للأسير.
أفاد الأسيران المحرران إياد أبو عصر وبلال البطش لمؤسسة تضامن باحتجازهما في براكسات تضم نحو 125 أسيرًا في المكان الواحد. كانت الفرشات رقيقة للغاية، لا يتجاوز سمكها في بعض الحالات سنتيمترًا واحدًا، وتُمنح لكل أسير بطانية واحدة فقط، لا تكفي للدفء حتى في الطقس المعتدل. ومع حلول الليل، كانت الرياح الباردة تتسلل إلى داخل البراكسات، فيما يُمنع الأسرى من الحركة أو الوقوف لفترات طويلة، ويُفرض عليهم البقاء في أوضاع مرهقة على أرض باردة.
امتد هذا الاحتجاز لأسابيع وأشهر، وصلت في بعض الحالات إلى خمسة أو سبعة أشهر، دون أي تحسين يُذكر على الظروف المناخية أو المعيشية. وخلال هذه الفترة، لم يكن البرد حالة طارئة، بل حالة دائمة تُعيد تعريف الإحساس بالزمن، وتحوّل الليل إلى مساحة إضافية للعقاب.
يُظهر هذا النمط بوضوح مفهوم "التعذيب البطيء"، حيث لا يعتمد الإيذاء على فعل واحد محدد، بل على تراكم المعاناة عبر الزمن. ويُعدّ تعريض الأسرى لدرجات حرارة منخفضة لفترات طويلة، دون توفير وسائل حماية، انتهاكًا جسيمًا لواجب توفير ظروف احتجاز إنسانية، ولا سيّما عندما تكون السلطات قادرة على تحسين هذه الظروف لكنها تمتنع عن ذلك عمدًا.
كما أن الطبيعة الجماعية لهذا النمط، وفرضه على أعداد كبيرة من الأسرى دون تمييز، يُضفي عليه طابع العقاب الجماعي، ويُعزّز توصيفه كسياسة ممنهجة لا كممارسة فردية.
لا يُعدّ التجريد من الملابس في سياق الاحتجاز إجراءً أمنيًا مشروعًا عندما يُستخدم خارج نطاق الضرورة القصوى والمؤقتة، ولا سيّما حين يُقرن بتعريض متعمّد لدرجات حرارة منخفضة. ففي هذه الحالة، لا يكون التجريد مجرد حرمان مادي من الكساء، بل يتحوّل إلى أداة تعذيب مركّبة، تُمارَس فيها السيطرة على الجسد بوصفه موقعًا للإذلال، والإخضاع، وكسر الصورة الذاتية للأسير.
تُظهر الشهادات الموثّقة أن هذا النمط يُستخدم بشكل خاص في غرف تحقيق أو احتجاز مغلقة، تُدار فيها البيئة المناخية بصورة مقصودة، بحيث يُترك الأسير عاريًا أو شبه عارٍ في برد قارس، دون غطاء أو وسيلة حماية، ولفترات تمتد لأيام، لا لساعات. وفي هذه الظروف، يتجاوز الأذى البعد الجسدي المباشر ليطال جوهر الكرامة الإنسانية، ويُنتج معاناة نفسية عميقة يصعب محو آثارها.
من الناحية التحليلية، يختلف هذا النمط عن غيره من أنماط التعذيب بالبرد في كونه يستهدف الجسد والكرامة معًا. فالإنسان، حين يُجرّد من ملابسه، يُجرّد في الوقت ذاته من أحد أهم عناصر الحماية الجسدية والخصوصية الإنسانية. وعندما يحدث ذلك في بيئة شديدة البرودة، يصبح الجسد مكشوفًا للألم والارتجاف والإنهاك، بينما يتضاعف الإحساس بالعجز والخزي وفقدان السيطرة.
ولا يمكن النظر إلى هذا النمط بوصفه إجراءً أمنيًا احترازيًا، إذ إن:
في شهادته، أفاد الأسير المحرر فادي بكر بتعرّضه لهذا النمط بعد أيام من اعتقاله، حيث جرى إدخاله إلى غرفة شديدة البرودة، ثم جُرّد من ملابسه بالكامل، وتُرك عاريًا داخل الغرفة لمدة أربعة أيام متواصلة. خلال هذه الفترة، لم يُسمح له بالحصول على أي غطاء، ولم يُقدّم له سوى كميات ضئيلة جدًا من الماء وقطعة خبز واحدة يوميًا.
لم يتوقّف الأمر عند التجريد والبرد، بل جرى تشغيل موسيقى صاخبة (ديسكو) بلا انقطاع، ما حال دون النوم أو الاستقرار النفسي. وبعد انقضاء الأيام الأربعة، أُعيد الأسير إلى الغرفة نفسها ليومين إضافيين في الظروف ذاتها، ما يُظهر أن الممارسة لم تكن حادثة عابرة، بل إجراءً متكررًا ومقصودًا.
في هذه الشهادة، لا يظهر البرد بوصفه عاملًا منفصلًا، بل كجزء من مشهد تعذيبي متكامل: جسد عارٍ، حرارة منخفضة، ضجيج قسري، غذاء شحيح، وعزلة تامة. وهو مشهد يُعيد تعريف الاحتجاز بوصفه مساحة لإلغاء الإنسان، لا لتقييد حريته فقط.
إن الجمع بين التجريد والبرد يُحدث أثرًا نفسيًا بالغ الخطورة. فالتجريد القسري يُعدّ في حد ذاته شكلًا من أشكال الإذلال العميق، لما يحمله من انتهاك للخصوصية الجسدية، ولا سيّما في ثقافات تُعلي من قيمة الستر والكرامة. وعندما يُمارَس هذا الإذلال في بيئة باردة، تتضاعف الصدمة، ويتحوّل الجسد إلى مصدر دائم للألم والعار في آن واحد.
تشير الأدبيات النفسية المرتبطة بتجارب التعذيب إلى أن هذا النوع من الممارسات يرتبط بارتفاع معدلات اضطرابات ما بعد الصدمة، وفقدان الإحساس بالأمان الجسدي، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، وتشوّه الصورة الذاتية. وهي آثار لا تنتهي بانتهاء الاحتجاز، بل تمتدّ إلى ما بعد الإفراج، وتُلازم الضحية لفترات طويلة.
من منظور القانون الدولي، يُشكّل هذا النمط تعذيبًا بالمعنى الدقيق للكلمة، إذ تتوافر فيه جميع العناصر المكوّنة لتعريف التعذيب:
أولًا: الألم والمعاناة الشديدة
إن تعريض شخص عارٍ لدرجات حرارة منخفضة لفترات طويلة يُحدث ألمًا جسديًا حادًا، يتمثّل في الارتجاف المستمر، وآلام المفاصل، واضطراب الدورة الدموية، فضلًا عن المعاناة النفسية الناتجة عن الإذلال والعزلة.
ثانيًا: القصد
يتجلّى القصد في:
ثالثًا: الغرض
تُظهر الوقائع أن الغرض لا يقتصر على “الضبط” أو “التأمين”، بل يتّجه إلى:
رابعًا: الصفة الرسمية
جرت هذه الممارسات داخل مكان احتجاز رسمي، وبأيدي أو بعلم موظفين رسميين، ما يُكمل عنصر الصفة المطلوبة لقيام جريمة التعذيب.
تحظر المعايير الدولية، بما في ذلك قواعد معاملة السجناء، أي تجريد من الملابس لا تفرضه ضرورة أمنية فورية ومحدّدة، وتُلزم بأن يكون مؤقتًا وبأقل قدر ممكن من المساس بالكرامة الإنسانية. أما التجريد المطوّل، ولا سيّما حين يُستخدم كوسيلة إذلال أو يُقرن بالبرد أو الحرمان من النوم، فيُصنَّف ضمن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وقد يرقى إلى التعذيب.
وفي هذه الحالة، فإن طول المدة، وتكرار الإجراء، وارتباطه بعناصر إيذاء أخرى، يقطع أي محاولة لتوصيفه كإجراء مشروع، ويضعه بوضوح في خانة التعذيب المحظور حظرًا مطلقًا، دون أي استثناء أو تبرير.
لا يُعدّ النقل القسري مجرد مرحلة لوجستية بين مكانين، بل يُشكّل في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية فضاءً مستقلًا للتعذيب، تُمارَس فيه أنماط متعددة من الإيذاء الجسدي والنفسي، ويُستخدم فيه البرد بوصفه أداة مركزية لإحداث المعاناة، وبثّ الخوف، وكسر الإحساس بالزمن والمكان. وتُظهر الشهادات أن ما يتعرّض له الأسرى أثناء النقل لا يقلّ قسوة عمّا يواجهونه داخل غرف التحقيق أو الزنازين، بل يتجاوزها في بعض الأحيان بسبب طبيعته الجماعية، وعدم القدرة على التوقّع أو الاحتماء.
يتميّز النقل القسري بكونه يحدث خارج نطاق أي رقابة فعلية، سواء من جهات طبية أو حقوقية أو قضائية. ففي هذه المرحلة، يكون الأسرى معزولين تمامًا عن العالم الخارجي، محرومين من أي وسيلة تواصل أو شكوى، وموجودين داخل مركبات عسكرية مغلقة تُدار بصورة كاملة من قبل القوة الناقلة. هذا الانقطاع التام عن الرقابة يُحوّل النقل إلى مساحة مفتوحة للانتهاكات، يُمارَس فيها التعذيب دون خوف من المساءلة الفورية.
وتشير الإفادات إلى أن ظروف النقل تُدار بطريقة تُفاقم أثر البرد، من خلال:
في هذا النمط، لا يكون البرد عاملًا ثابتًا فحسب، بل عنصرًا مفاجئًا وغير قابل للتوقّع. فالأسرى لا يعلمون مدة النقل، ولا وجهته، ولا عدد التوقفات، ولا إن كانوا سينزلون أم سيبقون داخل المركبة لساعات إضافية. هذا الغموض الزمني والمكاني يُضاعف من أثر البرد، ويُحوّله من ألم جسدي إلى أداة إرهاب نفسي.
فالجلوس أو الوقوف في أوضاع قسرية داخل مركبة مكتظة، دون القدرة على الحركة أو تغيير الوضعية، يُسهم في تسريع فقدان حرارة الجسد، ويؤدي إلى تيبّس الأطراف، وآلام حادة في المفاصل والعضلات، واضطرابات في التنفس. ومع مرور الوقت، يتحوّل البرد إلى إحساس شامل بالعجز، يترافق مع خوف متزايد من المجهول.
في شهادته، أفاد د. خالد حمودة بتعرّضه لهذا النمط خلال نقله القسري مع مجموعة من المعتقلين، حيث جرى احتجازهم داخل شاحنة عسكرية مكتظة لأكثر من خمس ساعات، في طقس شديد البرودة. كان المعتقلون محشورين إلى درجة تمنع أي حركة، ومع كل محاولة للكلام أو الاحتجاج، كانوا يتعرّضون للضرب والركل.
لم يكن النقل متواصلًا، بل تخلّلته توقفات مفاجئة، في إحداها بقيت الشاحنة ثابتة لأكثر من ساعتين، دون أن يُسمح للمعتقلين بالنزول أو معرفة سبب التوقف. خلال هذه الفترة، ازداد البرد حدّة، وسقط بعض المعتقلين فوق بعضهم البعض بسبب الإرهاق وفقدان الإحساس بالأطراف.
وعندما أُنزِل المعتقلون أخيرًا إلى ساحة مفتوحة ذات أرضية إسفلتية باردة، أدركوا – دون تأكيد – أنهم نُقلوا خارج قطاع غزة. لم يكن هذا الإدراك باعثًا على الارتياح، بل على خوف مضاعف، إذ تزامن مع شعور بأنهم أصبحوا في فضاء أكثر عزلة، وأقل خضوعًا لأي قواعد أو ضوابط.
يُظهر هذا النمط بوضوح أن التعذيب بالبرد أثناء النقل ليس موجّهًا لفرد بعينه، بل يُمارَس على مجموعات كاملة من الأسرى في آن واحد، ما يُضفي عليه طابع التعذيب الجماعي . فالأذى هنا لا ينشأ فقط عن انخفاض درجات الحرارة، بل عن:
ويُشكّل هذا التراكم بيئة تعذيبية مكتملة، تُستخدم فيها الطريق نفسها كوسيلة إيذاء، وتُفرَغ فيها فكرة "النقل" من مضمونها الإداري لتتحوّل إلى مرحلة عقابية قائمة بذاتها.
التحليل القانوني: انتهاك متعدد الأبعاد من منظور القانون الدولي، يُشكّل التعذيب بالبرد أثناء النقل القسري انتهاكًا متعدد الأبعاد:
أولًا: التعذيب أو المعاملة القاسية
إن تعريض أشخاص محرومين من حريتهم لدرجات حرارة منخفضة أثناء النقل، دون توفير وسائل حماية، ولمدد طويلة، يُعدّ معاملة قاسية أو لا إنسانية، وقد يرقى إلى التعذيب متى توافرت عناصر القصد والغرض، وهو ما تُظهره الوقائع الموثّقة.
ثانيًا: انتهاك واجب الحماية أثناء النقل
تُلزم المعايير الدولية القوة القائمة بالاحتجاز بضمان سلامة المحتجزين أثناء جميع مراحل الاحتجاز، بما في ذلك النقل. ويشمل ذلك حمايتهم من الظروف المناخية القاسية، ومن الإيذاء الجسدي والنفسي. ويُعدّ الإخلال بهذا الواجب انتهاكًا مستقلًا، حتى بمعزل عن توصيف التعذيب.
ثالثًا: الطابع الجماعي والانتهاك المنهجي
إن تكرار هذا النمط في شهادات متعددة، وبأسلوب متشابه، يُعزّز توصيفه كجزء من سياسة عامة، لا كممارسة فردية أو استثنائية، ويُظهر علم السلطات بطبيعته وآثاره.
لا يقلّ الأثر النفسي لهذا النمط خطورة عن الأذى الجسدي. فالنقل القسري في البرد القارس يُنتج حالة خوف مستمر، ناتجة عن فقدان السيطرة على الجسد والمصير في آن واحد. ويُسهم هذا الخوف في كسر الإحساس بالأمان، وتعزيز القابلية للانهيار النفسي، ولا سيّما عندما يتكرر النقل مرات عدة خلال فترة الاحتجاز.
الخلاصة: يُبيّن هذا النمط أن التعذيب بالبرد لا يقتصر على أماكن الاحتجاز الثابتة، بل يمتد إلى مراحل الحركة والتنقّل، حيث تُستخدم الطريق ذاتها كأداة إيذاء. ويُعدّ التعذيب أثناء النقل القسري من أخطر الأنماط، لأنه يجمع بين البرد، والعنف، والخوف، والعزلة، في مشهد جماعي يُقوّض الكرامة الإنسانية، ويُرسّخ الطابع المنهجي للانتهاكات.
النمط الخامس: الحرمان من الملابس والأغطية والفراش... البرد اليومي كعقوبة مستمرة واستنزاف بطيء
يُعدّ الحرمان من الملابس المناسبة، والأغطية الكافية، والفراش الملائم من أكثر أنماط التعذيب بالبرد انتشارًا داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، ومن أكثرها قدرة على إحداث معاناة طويلة الأمد. ويكمن خطر هذا النمط في كونه لا يُمارَس كحدث استثنائي أو كإجراء مؤقت، بل كـحالة يومية دائمة تُفرض على الأسير منذ لحظة احتجازه، وترافقه في كل تفاصيل حياته داخل مكان الاحتجاز.
في هذا النمط، لا يحتاج التعذيب إلى فعل عنيف مباشر، ولا إلى أدوات صادمة، إذ يكفي سحب عناصر الحماية الأساسية من الجسد، وتركه مكشوفًا للبرد ليلًا ونهارًا، كي تتحوّل الحياة اليومية نفسها إلى مساحة عقاب لا تنتهي.
تشير الإفادات الموثّقة إلى أن الأسرى يُمنحون في كثير من الحالات:
ولا يُقدَّم هذا الحرمان كإجراء استثنائي، بل كـ نظام ثابت، تُدار به الزنازين والبراكسات، ويُطبّق على أعداد كبيرة من الأسرى في آن واحد، دون مراعاة لفروق العمر أو الحالة الصحية.
يُشكّل النوم أحد أكثر اللحظات هشاشة في حياة الأسير، إذ يكون الجسد في حالة استرخاء نسبي، وتقلّ قدرته على مقاومة العوامل الخارجية. وعندما يُفرض النوم في بيئة باردة، دون أغطية أو فراش مناسب، يتحوّل الليل إلى امتداد للعقوبة، لا إلى وقت للراحة أو التعافي.
تشير الشهادات إلى أن كثيرًا من الأسرى:
هذا الحرمان المتكرر من النوم لا يُعدّ أثرًا جانبيًا، بل عنصرًا أساسيًا في عملية التعذيب، إذ يُسهم في إنهاك الجسد، وإضعاف التركيز، وزيادة القابلية للانهيار النفسي، ويُضاعف أثر أي انتهاكات أخرى يتعرّض لها الأسير خلال النهار.
تتقاطع شهادات عدد كبير من الأسرى حول هذا النمط، حيث أفادوا بأنهم أُجبروا على النوم ببدلة واحدة فقط، وغطاء واحد غير كافٍ، على أرض باردة أو على فرش لا يتجاوز سمكها بضعة سنتيمترات. وفي حالات عديدة، جرى سحب الفراش والأغطية خلال ساعات الليل أو الفجر، كإجراء عقابي، ثم إعادتها لاحقًا دون أي تفسير.
أشار بعض الأسرى إلى أن هذا الحرمان استمر لأسابيع وأشهر، دون أي تحسّن، وأن محاولاتهم المتكررة لطلب أغطية إضافية أو ملابس شتوية قوبلت بالرفض أو التجاهل. ومع مرور الوقت، لم يعد البرد مجرد إحساس جسدي، بل حالة دائمة تُسيطر على التفكير، وتُعيد تنظيم اليوم حول كيفية الاحتمال لا أكثر.
إن التعرض المستمر للبرد دون حماية كافية يُخلّف آثارًا صحية خطيرة، تتفاقم بشكل خاص لدى الأسرى الذين يعانون أصلًا من سوء تغذية أو أمراض مزمنة. وتشير الإفادات إلى:
وفي حالات عديدة، لم يتلقَّ الأسرى أي رعاية طبية مناسبة لمعالجة هذه الأعراض، ما حوّل الحرمان من الكساء والفراش إلى عامل مُسرِّع لتدهور الحالة الصحية، وليس مجرد ظرف قاسٍ.
من الناحية النفسية، يُمثّل هذا النمط نموذجًا واضحًا لـالتعذيب عبر الاستنزاف فغياب الصدمة الفورية لا يعني غياب الأذى العميق، بل على العكس، يُنتج هذا النمط شعورًا دائمًا بالعجز، لأن الأسير لا يستطيع "التأقلم" مع البرد، ولا يرى نهاية واضحة لمعاناته.
قانونيًا، يُعدّ هذا النمط مثالًا على التعذيب بالامتناع، حيث لا يُمارَس الأذى عبر فعل مباشر، بل عبر الامتناع المتعمّد عن توفير احتياجات أساسية لا غنى عنها لسلامة المحتجزين. ويُعتبر هذا الامتناع سلوكًا تعذيبيًا متى أدى إلى ألم أو معاناة شديدة، وهو ما تثبته الوقائع الموثّقة.
وتزداد جسامة هذا الانتهاك عندما:
في هذه الحالات، لا يمكن توصيف الحرمان من الملابس والأغطية والفراش بوصفه تقصيرًا إداريًا، بل سياسة عقابية تُدار بوعي، وتندرج ضمن الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
الخلاصة
يُظهر هذا النمط أن التعذيب بالبرد لا يحتاج دائمًا إلى أدوات صادمة أو أفعال عنيفة، بل يمكن أن يُمارَس عبر تفريغ الحياة اليومية من أبسط مقومات الحماية. فالحرمان المستمر من الكساء والأغطية والفراش يُحوّل البرد إلى رفيق دائم للأسير، ويجعل الاحتجاز نفسه حالة من المعاناة المتواصلة التي تستنزف الجسد والنفس ببطء.
يُشكّل التلاعب المتعمّد بالبيئة المناخية داخل الزنازين وغرف الاحتجاز أحد أخطر أنماط التعذيب بالبرد، لأنه لا يقوم على حرمان سلبي أو ظروف عرضية، بل على تدخّل إداري مباشر يُعاد من خلاله تصميم المكان ليصبح أداة إيذاء بحد ذاته. ففي هذا النمط، لا يكون البرد نتيجة طبيعية لانخفاض درجات الحرارة، بل نتاج قرار واعٍ باستخدام عناصر المكان – الهواء، الرطوبة، النوافذ، التهوية – لإلحاق المعاناة بالمحتجزين.
تكشف الشهادات الموثّقة أن سلطات الاحتجاز تتحكّم بدرجة الحرارة داخل الزنازين بطريقة انتقائية ومتعمّدة، بحيث يُفتح المجال لتدفّق الهواء البارد في فصل الشتاء، فيما تُغلق النوافذ والفتحات في فصل الصيف، بما يُحوّل التحكم بالمناخ إلى وسيلة عقابية مرنة، تُستخدم بحسب الحاجة والغرض.
لا يقتصر هذا النمط على الامتناع عن توفير وسائل تدفئة، بل يمتد إلى خلق بيئة باردة بشكل مصطنع. وتشير الإفادات إلى ممارسات من بينها:
هذا التناقض السلوكي بين الشتاء والصيف يُعدّ مؤشرًا قويًا على أن الهدف ليس التهوية أو السلامة، بل إحداث أقصى قدر من الانزعاج والأذى وفق الفصل المناخي.
أفاد عدد من الأسرى بأن الزنازين التي احتُجزوا فيها كانت تتعرّض لتيارات هوائية باردة مستمرة خلال فصل الشتاء، نتيجة فتح النوافذ أو وجود فتحات تهوية لا يمكن إغلاقها. وفي حالات عديدة، كانت الرطوبة العالية تجعل الهواء البارد أكثر قسوة، بحيث يلتصق بالملابس والفرش، ويجعل الإحساس بالدفء شبه مستحيل.
وأشار بعض الأسرى إلى أن محاولاتهم لسدّ الفتحات بقطع قماش أو مواد بسيطة قوبلت بالعقاب، وسحب ما استُخدم، أو بفرض إجراءات إضافية زادت من المعاناة. وفي المقابل، لاحظ الأسرى أن النوافذ نفسها كانت تُغلق بإحكام خلال فصل الصيف، ما يؤكد أن التحكم بالمناخ كان انتقائيًا ومقصودًا.
يمتاز هذا النمط بأهمية قانونية خاصة، لأنه يُظهر أن التعذيب بالبرد لا يقتصر على أفعال مباشرة من قبل أفراد، بل يُدار عبر قرارات تنظيمية تتعلّق بتصميم المكان وتشغيله. فالتحكم بفتح النوافذ وإغلاقها، وبالتهوية والرطوبة، وبغياب أو وجود وسائل التدفئة، كلها قرارات لا يمكن أن تُتخذ بشكل عشوائي أو فردي، بل تصدر ضمن تسلسل إداري.
وعليه، فإن هذا النمط يُعدّ من أقوى المؤشرات على:
إن العيش في بيئة تُدار على هذا النحو يُنتج آثارًا جسدية ونفسية متراكمة. فالتعرّض المستمر للهواء البارد والرطوبة يؤدي إلى:
أما نفسيًا، فإن الإحساس بأن المكان ذاته يتآمر على الجسد يُنتج شعورًا دائمًا بانعدام الأمان، ويُرسّخ حالة من التوتر واليقظة القهرية، حيث لا يشعر الأسير بأي لحظة راحة، حتى داخل الزنزانة التي يُفترض أن تكون مأواه القسري.
قانونيًا، يُعدّ التلاعب المتعمّد بالبيئة المناخية شكلًا واضحًا من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية، لأنه:
وتؤكد المعايير الدولية أن على سلطات الاحتجاز واجبًا إيجابيًا بتوفير بيئة احتجاز إنسانية، تشمل درجة حرارة مناسبة، وتهوية ملائمة دون تعريض المحتجزين للأذى. وأي استخدام للبيئة المناخية لإلحاق المعاناة يُعدّ انتهاكًا مباشرًا لهذا الواجب، ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف.
الخلاصة
يُظهر هذا النمط أن التعذيب بالبرد يصل في بعض حالاته إلى مستوى الهندسة المتعمّدة للمعاناة، حيث تُدار عناصر المكان نفسها لإيذاء المحتجزين. ويُعدّ التلاعب بالبيئة المناخية من أخطر الأنماط، لأنه يُخفي القسوة خلف “تفاصيل تقنية”، بينما يُنتج معاناة مستمرة وممنهجة، ويُثبت بوضوح الطابع المؤسسي للتعذيب.
وعليه، فإن هذه الأنماط، عند قراءتها مجتمعة، تُثبت أن البرد ليس ظرفًا عرضيًا داخل أماكن الاحتجاز، بل أداة تعذيب ممنهجة تُستخدم بوعي وقصد، وتشكل أساسًا قانونيًا متينًا للانتقال إلى الفصول اللاحقة المتعلقة بالآثار الصحية والنفسية، والتكييف القانوني الدولي، والمسؤولية الجنائية والمؤسسية.
ثالثًا: الآثار الصحية والنفسية للتعذيب بالبرد...من الأذى المباشر إلى التدمير طويل الأمد
لا تُقاس جسامة التعذيب فقط بالأداة المستخدمة، بل بنتائجه على الجسد والنفس، وبمدى استمرارية تلك النتائج بعد انتهاء الفعل التعذيبي. وفي حالة التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، لا تقتصر الآثار على لحظة التعرض، بل تمتدّ لتُحدث سلسلة من الاضطرابات الصحية والنفسية المتراكمة، التي تُقوّض سلامة المحتجزين وكرامتهم، وقد تترك آثارًا دائمة لا تزول بالإفراج.
يُبيّن هذا الفصل كيف يعمل البرد، عندما يُستخدم كأداة تعذيب، على تفكيك وظائف الجسد الأساسية، وتعطيل آليات التكيّف الطبيعي، وإحداث اختلالات نفسية عميقة. كما يُظهر كيف تتضاعف هذه الآثار بفعل تلاقي البرد مع انتهاكات أخرى، لتُنتج ما يُعرف بالتعذيب المركّب، حيث يصبح الأذى شاملًا ومتداخلًا، لا يمكن فصله إلى عناصر مستقلة.
1. اضطراب تنظيم حرارة الجسد والإنهاك العام
إن تعريض الإنسان لدرجات حرارة منخفضة لفترات طويلة، دون وسائل حماية كافية، يُخلّ بوظيفة تنظيم حرارة الجسد، وهي من أكثر الوظائف الحيوية حساسية. وتشير الشهادات الموثّقة إلى أن الأسرى يعانون من ارتجاف مستمر، وشعور دائم بالبرد حتى بعد التعرّض لمصادر حرارة محدودة، ما يدلّ على إجهاد حراري مزمن.
ومع تكرار التعرض، يفقد الجسد قدرته الطبيعية على التكيّف، فيدخل في حالة إنهاك عام، تتجلّى في:
هذه الأعراض لا تُعدّ عابرة، بل تتفاقم بمرور الوقت، خصوصًا في ظل سوء التغذية، وتُشكّل أساسًا لتدهور صحي أوسع.
2. آلام المفاصل والعظام وتفاقم الأمراض المزمنة
تُعدّ آلام المفاصل والعظام من أكثر الشكاوى شيوعًا بين الأسرى الذين تعرّضوا للبرد القارس. فالنوم على أرض باردة، أو على فرش رقيقة، مع غياب الأغطية الكافية، يُسبّب تيبّسًا في المفاصل، وآلامًا مزمنة في الظهر والرقبة والأطراف.
وتتضاعف خطورة هذا الأثر لدى الأسرى الذين يعانون أصلًا من:
في هذه الحالات، لا يُفاقم البرد الألم فحسب، بل يُسرّع تدهور الحالة الصحية، وقد يُحدث أضرارًا يصعب عكسها لاحقًا.
3. التأثيرات التنفسية وضعف المناعة
تشير الإفادات إلى انتشار أعراض تنفسية متكررة بين الأسرى، من قبيل السعال المزمن، وضيق التنفس، والالتهابات الصدرية. ويُعزى ذلك إلى:
ويُؤدي هذا الواقع إلى إضعاف الجهاز المناعي، ما يجعل الأسرى أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، وأقل قدرة على التعافي منها. وفي ظل الإهمال الطبي، قد تتحوّل التهابات بسيطة إلى حالات مزمنة أو خطيرة.
4. الأمراض الجلدية والبرد كعامل مُفاقِم
يلعب البرد دورًا مركزيًا في تفاقم الأمراض الجلدية، ولا سيّما في ظل انعدام النظافة والرطوبة المستمرة. وتشير الشهادات إلى انتشار حالات الجرب والتهابات جلدية أخرى، حيث:
وفي هذا السياق، لا يكون البرد مجرد عامل مساعد، بل عنصرًا بنيويًا في تفشي المرض واستمراره، ما يُضاعف المعاناة الجسدية والنفسية على حد سواء.
1.الحرمان من النوم واضطراب الساعة البيولوجية
يُعدّ الحرمان من النوم أحد أخطر الآثار النفسية للتعذيب بالبرد. فالنوم هو الآلية الأساسية لتعافي الجسد والعقل، وعندما يُسلب عبر البرد القارس، وسحب الفراش، والضجيج القسري، يدخل الأسير في حالة من الإرهاق العصبي المستمر.
تشير الإفادات إلى أن الأسرى:
ويُؤدي هذا الحرمان إلى:
2. القلق المزمن والخوف المستمر
لا يعمل البرد فقط على إيذاء الجسد، بل على زرع حالة خوف دائمة. فالتعرّض المتكرر لظروف باردة قاسية، دون قدرة على الاحتماء، يُنتج شعورًا دائمًا بعدم الأمان، يترافق مع قلق مترسّخ من الليل، ومن النوم، ومن النقل، ومن أي تغيير في البيئة.
ويزداد هذا القلق حدّة في حالات:
في هذه الحالات، لا يعود الخوف استجابة ظرفية، بل يتحوّل إلى حالة نفسية مزمنة.
3. الإذلال وفقدان الكرامة وتأثيره النفسي
يرتبط التعذيب بالبرد، في كثير من أنماطه، بالإذلال المباشر أو غير المباشر، ولا سيّما عندما يقترن بالتجريد من الملابس، أو العجز عن حماية الجسد من الارتجاف أمام الآخرين. ويُنتج هذا الإذلال:
هذه الآثار النفسية تُعدّ من أخطر نتائج التعذيب، لأنها تستمر بعد انتهاء الاحتجاز، وتُؤثّر على قدرة الضحية على الاندماج الاجتماعي واستعادة الإحساس بالقيمة الذاتية.
4. اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)
تشير طبيعة التجارب الموثّقة إلى قابلية عالية لظهور اضطرابات ما بعد الصدمة، والتي قد تتجلّى في:
ولا تقتصر هذه الاضطرابات على فترة الاحتجاز، بل قد ترافق الأسير سنوات بعد الإفراج، ما يُظهر أن أثر التعذيب بالبرد غير محدود زمنيًا.
لا يمكن عزل الآثار الجسدية عن النفسية في حالات التعذيب بالبرد، إذ يعمل هذا النمط ضمن منظومة أوسع من الانتهاكات. فالبرد:
ويُنتج هذا التراكم ما يمكن توصيفه بـ التعذيب الشامل، حيث لا يعود الأذى ناتجًا عن فعل واحد، بل عن بيئة كاملة مُصمّمة لإحداث المعاناة.
من منظور قانوني، لا تُستخدم الآثار الصحية والنفسية كعنصر توصيفي فحسب، بل كـ أدلة إثبات على جسامة التعذيب. فكلما كانت المعاناة:
كلما تعزّز توصيفها كتعذيب محظور حظرًا مطلقًا، وليس مجرد معاملة قاسية.
ويُظهر هذا الفصل أن التعذيب بالبرد يُنتج أذىً جسديًا ونفسيًا جسيمًا، يُلبّي المعايير القانونية للتعذيب، ويُعزّز مسؤولية سلطات الاحتجاز عن النتائج المباشرة وغير المباشرة لهذه الممارسات.
الخلاصة: يُثبت ما سبق أن التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية:
وبذلك، يُشكّل هذا الفصل جسرًا أساسيًا بين توثيق الممارسات في الفصل السابق، والتكييف القانوني الدولي الذي سيُعالج في الفصول اللاحقة، بوصفه إثباتًا ملموسًا لخطورة هذه الانتهاكات وجسامتها.
رابعًا: "بردٌ بلا نهاية" ... الشهادات كسرد قانوني موحَّد للتعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية
لا تُقرأ الشهادات الواردة في هذا التقرير بوصفها روايات منفصلة لأفراد تعرّضوا لانتهاكات متشابهة، بل بوصفها بنية سردية واحدة تتكرّر فيها العناصر والأنماط، وتتشابه فيها التفاصيل، على اختلاف الأمكنة والأزمنة والأشخاص. ففي كل شهادة، يظهر البرد لا كخلفية صامتة، بل كفاعل مركزي، يُعاد إنتاجه في غرف التحقيق، وفي الشاحنات العسكرية، وفي الخيام والبراكسات، وفي الزنازين، بوصفه أداة تعذيب متعدّدة الوجوه.
إن هذا الفصل لا يهدف إلى استدرار التعاطف، ولا إلى توثيق الألم لذاته، بل إلى إثبات النمط من خلال السرد المتقاطع، وإلى إظهار كيف تُنتج منظومة الاحتجاز تجربة تعذيب واحدة بأصوات مختلفة. فالتشابه بين الشهادات، وتكرار المفردات، وتطابق السياقات، لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتيجة سياسة مُدارة، لا مصادفة إنسانية.
على اختلاف أعمار الأسرى وخلفياتهم وأماكن احتجازهم، تتقاطع شهاداتهم عند نقاط أساسية:
البرد القارس، الجسد المكشوف، الليل الطويل، العجز عن النوم، فقدان الإحساس بالزمن، والخوف من المجهول. هذه العناصر لا تظهر كأحداث عابرة، بل كإطار ثابت تُصاغ داخله التجربة الاعتقالية بأكملها.
في شهادة الأسير أحمد المصري، يبدأ التعذيب بالبرد داخل غرفة التحقيق، حيث يُرشّ بالمياه الباردة في طقس شتوي قارس، ويُجبر على البقاء في وضعيات مرهقة، بينما تُشغَّل مراوح لزيادة الإحساس بالبرد. وفي شهادة الأسير إياد أبو عصر، يتجلّى البرد في براكس مفتوح، تتسلّل إليه الرياح ليلًا، ويُفرض على عشرات الأسرى النوم على فرش رقيقة لا تحمي من الأرض الباردة. أما في شهادة الأسير فادي بكر، فيبلغ البرد ذروته حين يُجرّد من ملابسه ويُترك عاريًا في غرفة شديدة البرودة لأيام، في مشهد يجمع بين الإذلال والألم والعزلة.
ورغم اختلاف السياقات، فإن اللغة الجسدية واحدة: ارتجاف، تيبّس، فقدان القدرة على النوم، وإحساس دائم بأن الجسد لم يعد ملكًا لصاحبه، بل أداة بيد السلطة.
تُظهر الشهادات أن البرد ليس مجرد عنصر مناخي، بل لغة تعذيب مشتركة تُستخدم للتواصل القسري بين السلطة والأسير. فالرسالة التي يحملها البرد واضحة ومتكرّرة:
أنت عاجز عن حماية جسدك، ونحن نتحكّم بأبسط شروط بقائك.
في النقل القسري الذي يرويه د. خالد حمودة، لا يعرف المعتقلون إلى أين يُؤخذون، ولا كم ستستغرق الرحلة، بينما يُتركون في شاحنة عسكرية مكتظة في طقس شديد البرودة. هنا، يصبح البرد جزءًا من إرهاب الطريق، حيث يمتزج الخوف من المجهول مع الألم الجسدي، ويتحوّل الزمن إلى عنصر تعذيب إضافي.
وفي الخيام والبراكسات، كما يصفها إياد أبو عصر وبلال البطش، يصبح البرد حالة دائمة تُنظّم اليوم والليل، وتُعيد تعريف النوم واليقظة. فالأسرى لا ينامون ليستريحوا، بل ليستجمعوا ما تبقّى من قدرة على الاحتمال.
من منظور التوثيق الحقوقي، لا تكمن قوة الشهادات في حدّتها فقط، بل في تكرار التفاصيل الدقيقة عبر روايات مستقلة. فحين يذكر أكثر من أسير:
فإن هذا التكرار يُشكّل قرينة قوية على النمطية، وينفي فرضية الخطأ الفردي أو الظرف الاستثنائي. إن السرد هنا لا يعمل كحكاية، بل كـ أداة إثبات تُظهر الاتساق في الممارسة، والتشابه في الأذى، واستمرارية السياسة.
تُظهر الشهادات أن الجسد هو الساحة الأولى للتعذيب بالبرد. فالأسرى لا يتحدثون عن ألم موضعي فحسب، بل عن تجربة جسدية شاملة، يفقد فيها الجسد قدرته على التكيّف. ومع مرور الوقت، يتحوّل البرد من إحساس إلى حالة وجودية، تُرافق الأسير حتى في لحظات الصمت.
في شهادة فادي بكر، يتجلّى هذا المعنى بوضوح: الجسد العاري في غرفة باردة، بلا غطاء، بلا نوم، بلا طعام كافٍ، ومع موسيقى صاخبة. هنا، لا يعود الألم هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتفكيك العلاقة بين الإنسان وجسده، وتحويل الجسد إلى مصدر دائم للمعاناة.
رغم أن الشهادات تركز على التجربة الجسدية، فإن الخوف يظهر فيها كخيط ناظم لا ينقطع. خوف من الليل، خوف من النقل، خوف من فتح الباب، خوف من البرد القادم. هذا الخوف لا يُعبَّر عنه دائمًا بكلمات مباشرة، لكنه يتسلّل بين السطور، ويُشكّل أحد أخطر نتائج التعذيب بالبرد.
ويزداد هذا الخوف حدّة حين يترافق البرد مع الغموض:
غموض المكان، غموض الزمن، وغموض المصير. ففي هذه اللحظات، لا يكون البرد وحده هو المؤلم، بل انتظار البرد، والتوقّع الدائم لمعاناة جديدة.
إن قراءة هذه الشهادات بوصفها سردًا موحّدًا تقود إلى استنتاج قانوني واضح: ما تعرّض له هؤلاء الأسرى ليس نتاج سلوكيات فردية متفرّقة، بل نتيجة منظومة تُنتج المعاناة بالطريقة نفسها، وبالوسائل نفسها، وبالنتائج نفسها.
فحين تتشابه الشهادات:
فإن المسؤولية لا تعود محصورة في منفّذ بعينه، بل تمتدّ إلى البنية المؤسسية التي سمحت بهذه الممارسات، وأقرّتها، واستمرّت في تنفيذها رغم علمها بآثارها.
الخلاصة
إن الشهادات الموثّقة ليست مجرد روايات عن الألم، بل أدلة سردية متكاملة تُثبت استخدام البرد كأداة تعذيب ممنهجة داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية. إن وحدة التجربة، وتكرار التفاصيل، وتشابه الأثر الجسدي والنفسي، تُحوّل السرد إلى عنصر مركزي في الإثبات القانوني، وتُمهّد للانتقال إلى الفصل اللاحق المتعلّق بإثبات المنهجية والقصد والمسؤولية المؤسسية.
خامسًا:التعذيب بالبرد كسياسة ممنهجة: إثبات المنهجية، القصد، والمسؤولية المؤسسية
لا يكتمل توصيف التعذيب في القانون الدولي بمجرد إثبات وقوع أفعال قاسية أو مؤلمة، بل يتطلّب تحليلًا دقيقًا لعناصر المنهجية والقصد والمسؤولية. ويهدف هذا الفصل إلى الانتقال من مستوى توصيف الممارسات والآثار، كما ورد في الفصول السابقة، إلى مستوى الإسناد القانوني، عبر تفكيك الكيفية التي تُدار بها هذه الممارسات داخل منظومة الاحتجاز، وإثبات أنها ليست حوادث فردية أو إخفاقات عرضية، بل سياسة عقابية ممنهجة تُنفَّذ بعلم السلطات وبقدرتها الكاملة على المنع والتصحيح.
تعتمد الهيئات الدولية، عند توصيف الانتهاكات الجسيمة، على مجموعة مؤشرات متراكبة لإثبات المنهجية، من أبرزها:
ولا يُشترط توافر كل مؤشر على حدة بصورة مطلقة، بل يُنظر إلى المحصلة التراكمية لهذه العناصر. وعند إسقاط هذه المعايير على الوقائع الموثّقة في هذا التقرير، يتبيّن بوضوح توافرها مجتمعة، بما ينهض بالدليل على الطابع المنهجي للتعذيب بالبرد.
1. التكرار عبر شهادات مستقلة
أظهرت شهادات الأسرى الواردة في هذا التقرير— على اختلاف أماكن احتجازهم ومراحل اعتقالهم— تكرارًا لافتًا في أنماط التعذيب بالبرد، سواء خلال التحقيق، أو الاحتجاز المطوّل، أو النقل القسري. ويتجلّى هذا التكرار في:
إن تكرار هذه الممارسات في شهادات مستقلة، دون تنسيق مسبق بين الشهود، يُشكّل قرينة قوية على أنها سياسات مُعتمدة، لا ممارسات فردية.
2 . الاتساق في الأسلوب والنتائج
لا يقتصر التكرار على الفعل، بل يمتد إلى النتائج: ارتجاف دائم، حرمان من النوم، إنهاك جسدي، قلق مزمن، واضطرابات نفسية طويلة الأمد. هذا الاتساق في الأثر يُظهر أن الممارسات مُصمّمة لتحقيق نتائج بعينها، ما يعزّز عنصر القصد.
1.الاتساق الزمني
امتدّت ممارسات التعذيب بالبرد على مدار أشهر، ولم تقتصر على فترة زمنية قصيرة أو ظرف طارئ. فقد بدأت في لحظة الاعتقال، واستمرّت خلال التحقيق، وتواصلت أثناء الاحتجاز المطوّل، بل وتكرّرت خلال عمليات النقل. هذا الامتداد الزمني يُسقط أي ادعاء بالاستثناء أو الخطأ العارض.
.2 التوزّع الجغرافي
وثّقت الشهادات وقوع هذه الممارسات في:
إن هذا التوزّع عبر أماكن احتجاز مختلفة، تُدار من وحدات متباينة، يؤكّد أن النمط مركزي ومنتشر، لا محصور بموقع واحد أو وحدة بعينها.
1. القصد في الأفعال الإيجابية
يتجلّى القصد الجنائي بوضوح في الأفعال الإيجابية، مثل:
هذه الأفعال لا يمكن تفسيرها كإهمال، بل تُظهر نية مباشرة لإحداث المعاناة.
.2 القصد في الامتناع المتعمّد
لا يقلّ أهمية عن ذلك الامتناع المتعمّد عن توفير وسائل الحماية الأساسية، رغم القدرة على ذلك، مثل:
في القانون الدولي، يُعدّ هذا الامتناع سلوكًا إيجابيًا متى كان مقصودًا ويؤدي إلى ألم أو معاناة شديدة، وهو ما ينطبق على الوقائع الموثّقة.
تشير الشهادات إلى تقديم الأسرى شكاوى متكرّرة بشأن البرد القارس، وسحب الأغطية، وانعدام وسائل التدفئة، دون أن تُقابل هذه الشكاوى بإجراءات تصحيحية فعّالة. ويُعدّ هذا الواقع دليلًا على العلم الفعلي بالانتهاكات.
إن استمرار الممارسات رغم هذا العلم يُحوّل عدم التدخل إلى قبول مؤسسي بالمعاناة الواقعة، ويُحمّل السلطات المسؤولية المباشرة عنها.
يتجلّى الطابع المنهجي للتعذيب بالبرد في تزامنه المقصود مع انتهاكات أخرى، من بينها:
هذا التراكب لا يحدث صدفة، بل يُظهر تصميمًا تعذيبيًا متكاملًا، حيث تُستخدم عناصر متعددة لإحداث أقصى قدر من الاستنزاف الجسدي والنفسي.
لم تُسجَّل أي تحقيقات مستقلة وفعّالة بشأن هذه الممارسات، ولم تُتّخذ إجراءات مساءلة حقيقية بحق المسؤولين عنها. بل على العكس، استمرّت الممارسات وتوسّعت، ما يُشكّل قرينة إضافية على أنها محمية مؤسسيًا، وتندرج ضمن نمط الإفلات من العقاب.
1. المسؤولية الفردية
تطال المسؤولية الجنائية:
ولا يُعفي تنفيذ الأوامر من المسؤولية الجنائية في حالات التعذيب.
.2 المسؤولية المؤسسية ومسؤولية القيادة
يتحمّل القادة والمسؤولون عن إدارة منظومة الاحتجاز المسؤولية عن:
ويُشكّل هذا الإطار أساسًا لتفعيل مسؤولية القيادة في القانون الدولي.
الخلاصة
استنادًا إلى معايير التوثيق الحقوقي والتحليل القانوني، يمكن اثبات أن التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية:
وعليه، فإن هذه الممارسات تُشكّل سياسة عقابية ممنهجة تُسند مسؤوليتها إلى المنظومة المؤسسية بأكملها، وتستوجب المساءلة القانونية الدولية.
سادسًا: التكييف القانوني الدولي للتعذيب بالبرد: توصيف الجرائم، القوانين المنتهكة، ومسؤولية الفاعلين
تمهيد قانوني
لا يهدف هذا القسم إلى توصيف ممارسات التعذيب بالبرد بوصفها انتهاكات معيارية فحسب، بل إلى إسنادها قانونيًا كأفعال مُجرَّمة دوليًا، تستوفي أركان التعذيب والمعاملة القاسية، وقد ترقى— في سياقها الواسع والمنهجي— إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويقوم هذا الإسناد على قاعدة راسخة مفادها أن الذريعة لا تُغيِّر الطبيعة القانونية للفعل، وأن التوصيف يُستمد من الأثر والقصد والسياق.
حظر التعذيب قاعدة آمرة في القانون الدولي العام، لا تقبل التعليق أو التبرير في حالات الطوارئ أو النزاعات المسلحة. وعليه، فإن أي ممارسة تستوفي عناصر التعذيب تكون باطلة قانونًا مهما كانت الذرائع الأمنية أو العسكرية.
يقوم التعذيب متى توافرت العناصر الأربعة:
(1) ألم/معاناة شديدة جسدية أو نفسية؛ (2) قصد؛ (3) غرض محدد (عقاب/إكراه/ترهيب/تمييز)؛
(4) صفة رسمية (ارتكاب/إذن/سكوت).
الألم والمعاناة: ثبتت آلام جسدية حادة ومزمنة، حرمان شديد من النوم، إنهاك عصبي، إذلال وفقدان الأمان الجسدي، وآثار طويلة الأمد.
القصد : يتجلى في التكرار، والتحكم المتعمّد بالبيئة المناخية، والتجريد، والامتناع المقصود عن الحماية، واستمرار الممارسات رغم الشكاوى.
الغرض: العقاب الجماعي، كسر الإرادة، الإكراه أثناء التحقيق، والإذلال.
الصفة الرسمية :وقعت الأفعال داخل مرافق احتجاز رسمية وبأيدي/بعلم موظفين رسميين.
النتيجة: تنطبق أركان جريمة التعذيب كاملةً على التعذيب بالبرد الموثّق.
حتى على الفرض الجدلي، تشكّل الوقائع—على الأقل—معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، نظرًا للاحتجاز في برد قارس دون حماية، والتجريد، والحرمان المتعمّد من النوم، والتلاعب بالمناخ، والإهمال الصحي. والحظر هنا مطلق.
تُلزم قواعد النزاعات المسلحة بحماية الأشخاص المحميين من التعذيب والمعاملة القاسية والإذلال والعقوبات الجماعية. وقد أظهرت الوقائع إخلالًا جسيمًا بهذه الالتزامات، بطابع منهجي ومتكرر.
عندما يُرتكب التعذيب والمعاملة القاسية بحق أشخاص محميين في سياق نزاع مسلح، وبقصد إحداث المعاناة، فإنه يدخل ضمن الاختصاص الجنائي الدولي كجريمة حرب.
إذا ارتُكبت الأفعال في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد فئة مدنية محددة، وبعلم الجناة بالسياق، فإنها قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية. وقد أثبت التقرير الاتساع والمنهجية والاستهداف.
لا حالة طوارئ ولا نزاع مسلح ولا ذرائع أمنية تُجيز التعذيب أو المعاملة القاسية. وأي محاولة للتبرير باطلة قانونًا.
(أ) اتفاقية مناهضة التعذيب 1984
(ب) العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
(ج) اتفاقية جنيف الرابعة
(د) المادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف
(هـ) قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (مانديلا)
(و) النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (روما)
|
الوصف الجرمي |
النص القانوني المنتهك |
الفعل الموثّق |
|
تعذيب/معاملة قاسية |
CAT م1، I CCPR م7، GC المشتركة م3 |
رشّ المياه الباردة/تشغيل مراوح في البرد |
|
تعذيب/إذلال |
CAT م1، CAT م16، I CCPR م7،GC4 م27 |
التجريد من الملابس في غرف باردة |
|
معاملة لا إنسانية |
Mandela 18–19، I CCPR م10 |
الحرمان المتعمّد من الأغطية والفراش |
|
معاملة قاسية |
Mandela 13، CAT م 16 |
التلاعب المتعمّد بالتهوية/الحرارة |
|
معاملة قاسية/جريمة حرب محتملة |
GC المشتركة م3، Rome م8 |
النقل القسري في طقس قارس دون حماية |
|
عقوبة جماعية محظورة |
GC4 م33، ICCPR م7 |
الفرض الجماعي للبرد (عقوبة جماعية) |
|
قصد مؤسسي/مسؤولية قيادية |
CAT م2، مسؤولية القيادة |
استمرار الممارسات رغم الشكاوى |
خلاصة قانونية
يثبت هذا القسم —بنصوصه وتحليله وجدوله — أن التعذيب بالبرد:
سابعًا: الخلاصات النهائية، التوصيات، والمسارات التنفيذية لضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب
يعتبر هذا القسم تتويجًا قانونيًا وسياسيًا لمسار إثباتي متكامل، كشف عن استخدام التعذيب بالبرد كسياسة عقابية ممنهجة داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بحق الأسرى الفلسطينيين. فبعد تفكيك أنماط التعذيب، وتحليل آثارها الصحية والنفسية، وتكييفها قانونيًا، وإثبات القصد والمنهجية والمسؤولية، يخلص هذا القسم إلى وضع خريطة طريق عملية تُحوّل التوثيق إلى مساءلة، والوقائع إلى التزام قانوني لا يمكن تجاهله.
أولًا: الخلاصات القانونية النهائية
1. التعذيب بالبرد كجريمة قائمة بذاتها
يثبت هذا التقرير أن التعذيب بالبرد لا يُعدّ ظرفًا قاسيًا أو معاملة غير لائقة فحسب، بل جريمة تعذيب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي، تستوفي عناصر:
وعليه، فإن أي توصيف أدنى من ذلك يُعدّ تقليلًا متعمّدًا من جسامة الانتهاكات.
2. الطابع المنهجي والمؤسسي للانتهاكات
لم تكشف الوقائع عن حوادث فردية معزولة، بل عن سياسة مؤسسية تُدار عبر:
ويُحمّل هذا الطابع المنهجي المسؤولية إلى مستويات القيادة والإدارة، لا إلى المنفذين المباشرين فقط.
.3 الارتباط بالجرائم الدولية الأوسع
في سياق الانتهاكات الواسعة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا يمكن فصل التعذيب بالبرد عن:
وهو ما يُعزّز توصيف هذه الممارسات ضمن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية متى استُكملت عناصر السياق.
ثانيًا: التوصيات العاجلة (إجراءات فورية غير قابلة للتأجيل)
1. الوقف الفوري للتعذيب بالبرد
يوصي التقرير بوقف جميع الممارسات التي تُشكّل تعذيبًا بالبرد فورًا ودون شروط، بما يشمل:
2. توفير شروط احتجاز إنسانية كحدّ أدنى
. 3تدابير صحية عاجلة
ثالثًا: التوصيات المؤسسية والإصلاحات البنيوية
1 . مراجعة سياسات الاحتجاز
2. إنشاء آلية رقابة مستقلة
.3 نظام شكاوى فعّال
رابعًا: المسارات الدولية للمساءلة
1. آليات الأمم المتحدة
.2 المسار الجنائي الدولي
.3 الولاية القضائية العالمية
خامسًا: حقوق الضحايا وجبر الضرر
1 .الحق في الإنصاف
2 . إعادة التأهيل
.3 التعويض
سادسًا: توصيات للمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني
الخلاصة
يثبت هذا التقرير، في مجمله، أن التعذيب بالبرد داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية يُشكّل نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات الجسيمة، لا يمكن عزله عن السياق الأوسع لسياسات القمع والعقاب الجماعي. وإن تجاهل هذه الممارسات، أو التعامل معها كوقائع إنسانية عرضية، يُمثّل تواطؤًا ضمنيًا مع الإفلات من العقاب.
وعليه، فإن هذا التقرير لا يُقدَّم بوصفه وثيقة توثيقية فحسب، بل كـ أداة مساءلة قانونية مفتوحة، ودعوة صريحة إلى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وضمان حماية الأسرى الفلسطينيين، وإنهاء سياسة التعذيب بكافة أشكالها، دون استثناء أو تبرير.