فهرس المحتويات
ملخص تنفيذي
يوثق هذا التقرير أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية خلال شهر رمضان، في سياق تصاعد إجراءات تقييدية وعقابية طالت جوانب رئيسية من الحياة اليومية للمحتجزين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
واستنادًا إلى إفادات أسرى محررين، وتصريحات مختصين، ومواد صادرة عن مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية، تفيد المعطيات بأن شهر رمضان لم يشهد تخفيفًا في القيود، بل تزامن—في عدد من الحالات—مع تشديد إجراءات شملت:
وتُظهر المعطيات أن شهر رمضان لم يُقابل بتيسيرات تراعي خصوصيته الدينية والاجتماعية، بل تزامن في عدد من الحالات مع إجراءات مستمرة ومشددة أثّرت على الغذاء، والعبادة، والصحة، والتواصل، والرقابة الإنسانية. وتثير هذه الأنماط—بحسب طبيعتها وتكرارها وآثارها—مخاوف جدية من معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، ومن قيود تمس ضمانات أساسية واجبة للأشخاص المحرومين من حريتهم، بما يستدعي رقابة مستقلة وشفافية أكبر لضمان الامتثال للمعايير الدولية.
المنهجية
يعتمد التقرير على:
إن تعدد المصادر وتطابق أنماط الإفادات عبر أكثر من سياق احتجاز يعزز من مصداقية الاتجاهات العامة التي يرصدها التقرير.
وردت هذه الوقائع في إفادة موثقة… وتتقاطع عناصرها مع إفادات متطابقة وثقتها جهات حقوقية بشأن القيود على الأذان والصلاة.
أولًا: رمضان في سياق الاعتقال
لطالما مثّل شهر رمضان إطارًا زمنيًا ذا خصوصية داخل السجون الإسرائيلية، حيث سعى الأسرى—وفق إفادات أسرى محررين ومعطيات مؤسسات مختصة—إلى تنظيم إيقاع يومي يرتبط بالصلاة وتلاوة القرآن والإفطار والسحور. وشملت هذه الترتيبات في مراحل سابقة أشكالًا من التنظيم الداخلي، مثل توزيع الأدوار المتعلقة بإعداد الطعام، وتحديد أوقات العبادة قدر الإمكان، والتناوب على رفع الأذان داخل الأقسام، بوصف ذلك جزءًا من الحفاظ على الحد الأدنى من النظام والتكافل في بيئة احتجاز شديدة القيود.
غير أن إفادات متعددة تشير إلى تغيّر ملموس في إدارة شهر رمضان داخل عدد من السجون، لا سيما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما قيّض قدرة الأسرى على ممارسة شعائرهم أو تنظيم حياتهم اليومية خلال الشهر. وذكر أسرى محررون أن القيود المفروضة خلال هذه الفترة شملت، في جملة أمور:
ضمن هذا السياق، أفاد الأسير المحرر عبد المحسن شلالدة (31 عامًا، من الخليل)، أُفرج عنه في عام 2024، بأن الأسرى اتفقوا خلال رمضان على أن تتناوب الزنازين على رفع الأذان. ووفق إفادته، سأل أحد السجّانين عن الشخص الذي يرفع الأذان، ولما لم يتلقَّ إجابة عاد برفقة ضابط وهدد بتدمير محتويات الزنزانة إذا لم يتم الإفصاح عن ذلك. وقال شلالدة إنه اعترف بأنه هو من أذّن خشية التعرض للضرب، ثم أُبلغوا بأن الأمر “لن يتكرر”، قبل أن تداهم وحدة قمع الزنزانة في اليوم التالي. وأضاف:
“اقتحمت وحدة القمع زنزانتنا… قيّدوا أيدينا وضربونا بالهراوات.”
وأشار إلى أنه نُقل بعد يومين إلى قسم آخر.
وردت هذه الوقائع في إفادة موثقة للأسير المحرر عبد المحسن شلالدة، وتتقاطع عناصرها—من حيث التهديد، ثم الاقتحام، ثم استخدام القوة عقب ممارسة دينية سلمية—مع إفادات متطابقة وثقتها جهات حقوقية محلية بشأن القيود المفروضة على الأذان والصلاة الجماعية خلال الفترة ذاتها.
قراءة قانونية
يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل ممارسة الشعائر (المادة 18). كما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة باحترام كرامة الأشخاص المحميين ومعتقداتهم الدينية (المادة 27). وتؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) ضرورة تمكين المحتجزين من تلبية احتياجاتهم الدينية في حدود النظام والأمن وبما يحظر الإجراءات المهينة أو العقابية ذات الطابع الجماعي.
وعليه، فإن استخدام القوة أو التهديد ردًا على ممارسات دينية سلمية يثير مخاوف بشأن الامتثال لهذه الالتزامات، خاصة إذا فُرضت القيود بصورة عامة أو دون تقييم فردي محدد وضروري للمخاطر.
ثانيًا: القيود على الغذاء خلال شهر رمضان
أفاد أسرى محررون بأن وجبات الإفطار والسحور خلال شهر رمضان اتسمت، في عدد من أماكن الاحتجاز، بتقليص ملحوظ في الكميات المقدمة، ورداءة في النوعية، وفي بعض الحالات بعدم طهي الطعام بصورة كافية أو فاسدًا. وذكر عدد منهم أن الوجبات لم تكن تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية الأساسية، لا سيما في ظل الصيام لساعات طويلة خلال النهار.
أفاد الأسير المحرر محمود المقيد (غزة)، الذي أُفرج عنه عام 2025:
"نحن تقريبًا صائمون طوال الوقت، لا نأكل سوى لقيمات معدودة… دخلت الأسر ووزني 85 كيلوغرامًا، وخرجت منه بوزن 58 كيلوغرامًا."
كما أفاد الأسير (ز.ت) من بيت لحم:
"في الصباح كانوا يُحضِرون ملعقة شوكولاتة أو ملعقتين مربّى للزنزانة بأكملها. كنا نجمعها طوال الأسبوع لنأكلها يوم السبت لإدخال بعض السكر إلى الدم… دخلت السجن ووزني 102 كيلو، وعندما خرجت كان وزني 80 كيلو."
يشير فقدان الوزن بهذه المعدلات (22–27 كيلوغرامًا) خلال فترة احتجاز قصيرة نسبيًا إلى مؤشرات خطيرة على عجز غذائي مزمن.
كما وثّقت إفادات تأخير تقديم وجبات الإفطار لساعات بعد أذان المغرب، أحيانًا بالتزامن مع اقتحامات أو تفتيشات داخل الأقسام، ما أدى إلى تناول الطعام في ظروف متوترة أو في وقت متأخر.
في سياق الصيام، حيث يمتنع المحتجزون عن الطعام لساعات طويلة، فإن أي تقليص منهجي في الكميات أو تلاعب بتوقيت التقديم يضاعف المخاطر الصحية، خاصة لكبار السن والمرضى.
الإطار القانوني:
القاعدة 22 من قواعد مانديلا، والمادة 89 من اتفاقية جنيف الرابعة، تلزمان بتوفير غذاء كافٍ من حيث الكم والنوع والتوقيت. أي نمط متكرر من التقنين أو الرداءة أو التأخير يتعارض مع هذه المعايير.
وثّقت مؤسسات حقوقية محلية حالات تأخير تقديم وجبات الإفطار لساعات بعد أذان المغرب. وتشير الإفادات إلى أن تأخير تقديم الطعام اقترن في بعض الحالات باقتحامات أو تفتيشات داخل الأقسام، وهو ما يفاقم الأثر الجسدي والنفسي للصيام، ويجعل توقيت الإفطار والسحور نفسه جزءًا من بيئة ضغط ممتدة، خاصة لدى كبار السن والمرضى.
الإطار القانوني
تنص القاعدة 22 من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) على وجوب تزويد كل سجين بغذاء ذي قيمة غذائية كافية للحفاظ على صحته وقوته، وأن يكون جيد النوعية ومُعدًا ومُقدّمًا بطريقة سليمة.
كما تلزم المادة 89 من اتفاقية جنيف الرابعة القوة القائمة بالاحتلال بتوفير غذاء كافٍ للمعتقلين.
وقد يشكل الحرمان المتعمد من الغذاء، أو تقديم غذاء غير كافٍ من حيث الكم أو النوع، أو التلاعب بتوقيت تقديمه بصورة تؤدي إلى معاناة جسدية غير مبررة، انتهاكًا لحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، تبعًا للظروف ودرجة الخطورة.
وفي سياق شهر رمضان، حيث يمتنع المحتجزون عن الطعام لساعات طويلة خلال النهار، يكتسب الالتزام بتوفير غذاء كافٍ وفي الوقت المناسب أهمية إضافية. وأي تقليص منهجي في الكميات أو تلاعب متكرر بتوقيت التقديم قد يثير مخاوف جدية بشأن الامتثال للمعايير الدولية ذات الصلة.
ثالثًا: الاقتحامات واستخدام القوة خلال أوقات العبادة
أفادت شهادات متعددة بأن الاقتحامات والتفتيشات داخل الأقسام تكثفت خلال شهر رمضان، وتكررت في أوقات ترتبط بالسحور أو الإفطار أو ما بعد الصلاة.
أفاد الأسير المحرر عبد الله البطش (37 عامًا – غزة):
"القمعات والتعذيب كانت تزيد في أواخر رمضان، وخاصة أول أيام العيد. كنا نتعرض للقمعة بشكل عنيف حتى لا تدخل الفرحة إلى قلوب الشباب."
كما أفاد الأسير (ز.أ) من القدس:
"كانوا يُجرون تفتيشًا يوميًا. يكبّلون أيدينا ويخرجوننا وهم يضربون ويركلون الجميع… أحيانًا كانوا يبلّلون ملابسنا والفرشات أثناء التفتيش."
وتتضمن إفادات أخرى اقتحامًا أثناء توزيع الإفطار، واستخدام الغاز المسيل للدموع.
إن تكرار هذه الإجراءات، وتزامنها مع أوقات ذات دلالة دينية، يعكس نمطًا من التدخلات التي تتجاوز متطلبات حفظ النظام، خاصة عندما تقترن بالتقييد والضرب والإلغاء شبه الكامل للخروج إلى الساحة.
الإطار القانوني:
المادة 7 من العهد الدولي تحظر المعاملة القاسية أو المهينة، والمادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم باحترام الكرامة والمعتقدات الدينية.
رابعًا: القيود على ممارسة الشعائر الدينية
تشير إفادات أسرى محررين وتقارير منظمات محلية إلى فرض قيود مشددة على ممارسة الشعائر الدينية خلال شهر رمضان في عدد من السجون الإسرائيلية. ولم تقتصر هذه القيود على تقييد الصلاة الجماعية، بل امتدت—بحسب الإفادات—إلى التحكم في معرفة أوقات الصلاة والتدخل في الإيقاع الديني اليومي للمحتجزين، بما يمثل تحولًا عن الهامش الذي كان متاحًا سابقًا لتنظيم الصلاة والعبادات الجماعية داخل الأقسام.
وأفاد محتجزون سابقون بأن إدارة السجون اتخذت إجراءات شملت:
قال الأسير المحرر عبد الله البطش (37 عامًا) من غزة إن الأسرى لم يكونوا يُمكَّنون من معرفة أوقات الصلاة على نحو طبيعي، واضطروا للاعتماد على الظل والشمس لتقدير الوقت، وعلى إجراءات “العدد” لمعرفة توقيت الفجر. وأوضح أن هذا التدخل كان أكثر وطأة خلال رمضان، إذ يرتبط توقيت السحور والإفطار بحدود زمنية دقيقة، مضيفًا:
"السجّان ما كان يخلّينا نعرف أوقات الصلاة سواء في رمضان أو غير رمضان. كنّا نعرف الوقت من الظل والشمس. بالنسبة للفجر، كنّا نحسبه حسب أوّل 'عدد' رسمي، لأنّ السجّان كان يأتي قبل الفجر بقليل لإجراء العدد. في رمضان، كان أحيانًا يؤخر العدد أو يعطينا الساعة خطأ حتى ما نتسحر في الوقت الصحيح."
وتشير هذه الإفادة إلى تدخل مباشر في انتظام ممارسة الصيام والشعائر المرتبطة به، بما في ذلك السحور، وهو عنصر جوهري في ممارسة العبادة خلال رمضان. كما أضاف البطش أن رفع الأذان كان "ممنوعًا بشكل قطعي"، وأن الزنزانة التي يخرج منها صوت الأذان كانت تتعرض لإجراءات عقابية، بما في ذلك الاقتحام أو رش غاز الفلفل.
وفي إفادة أخرى، قال الأسير المحرر (ز.أ) من القدس إن قسمه شهد—بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول—مصادرة واسعة للمواد الدينية، بما في ذلك نسخ القرآن، وتقييدًا شديدًا لأداء الصلاة، مضيفًا:
"إذا عثر السجّانون على قرآن أثناء التفتيش كانوا يُلقونه أرضًا ويدوسونه. منعوا الصلاة بأي شكل—الجماعية والفردية. كان ممنوعًا علينا أن نصلّي بصوت مرتفع، وهناك أسرى تعرّضوا للضرب لأنهم رفعوا صوتهم أثناء الصلاة. قبل قدوم رمضان بشهر واحد سمحوا لنا بالصلاة الفردية، ولكن دون صوت."
وتتسق عناصر هذه الإفادة—من مصادرة المواد الدينية وتقييد الصلاة الجماعية وفرض عقوبات—مع نمط القيود المبلغ عنها في إفادات أخرى خلال الفترة ذاتها. وفي سياق شهر رمضان تحديدًا، حيث تمثل الصلاة الجماعية وقراءة القرآن والتلاوة العلنية جزءًا مركزيًا من ممارسة الشعائر، تكتسب هذه القيود أثرًا مضاعفًا، وتمس مباشرة بالبعد الديني والرمزي للشهر.
الإطار القانوني
يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادة (18)، حق كل إنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية إظهار الدين أو المعتقد في العبادة وإقامة الشعائر، سواء بصورة فردية أو جماعية. كما تؤكد القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) وجوب احترام المعتقدات الدينية للسجناء وتمكينهم من ممارسة شعائرهم دون قيود تعسفية أو تمييزية.
خامسًا: الرعاية الطبية وتفاقم المخاطر الصحية خلال رمضان
تشير إفادات أسرى محررين وتقارير صادرة عن منظمات حقوقية محلية إلى وجود حالات متكررة من التأخر في تقديم العلاج، ونقص في الأدوية الأساسية، وضعف الاستجابة الطبية للإصابات داخل أماكن الاحتجاز، لا سيما منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتُظهر هذه الإفادات خللًا مستمرًا في ضمان الرعاية الصحية الملائمة للأشخاص المحرومين من حريتهم.
حالة عمر عساف (73 عامًا) من رام الله
أفاد المعتقل الإداري عمر عساف، البالغ من العمر 73 عامًا، بتعرضه لحالة دوار شديدة داخل الزنزانة أدت إلى سقوطه وارتطام رأسه بسرير الزنزانة، ما تسبب بإصابته بجرح في الرأس. ووفق إفادته، لم يُعقّم الجرح بصورة كافية، كما لم يُعطَ مضادًا حيويًا إلا بعد مرور أكثر من عشرة أيام، الأمر الذي أدى إلى التهاب موضعي وتدهور حالته الصحية، إضافة إلى انخفاض ملحوظ في ضغط الدم.
كما أشار عساف إلى أن وزنه انخفض من 101 كيلوغرام عند اعتقاله في أكتوبر/تشرين الأول إلى 76 كيلوغرامًا لاحقًا، أي فقدان نحو 25 كيلوغرامًا خلال فترة احتجاز قصيرة نسبيًا.
وأفادت الأسيرة المحررة شيماء أبو جياب (32 عامًا – غزة):
"في رمضان أحضروا لنا طعامًا بائتًا… معكرونة فيها حشرات. العلاج الوحيد كان الأكامول، وبصعوبة."
وأضافت بشأن التفتيش:
"خلعتُ كل شيء باستثناء لباسي الداخلي لأن لديّ الدورة الشهرية. جاءت جندية وتحسست ملابسي الداخلية."
تشير هذه الإفادات إلى تداخل بين ضعف الرعاية الصحية ورداءة الغذاء وظروف احتجاز غير ملائمة، تتفاقم آثارها خلال الصيام.
تزداد المخاطر الصحية خلال شهر رمضان، خصوصًا لدى كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، في ظل الصيام لساعات طويلة. وقد يؤدي الامتناع عن تناول الطعام والسوائل خلال النهار إلى:
وعندما تتزامن هذه العوامل مع تقليص كميات الطعام أو رداءة نوعيته—كما ورد في إفادات سابقة—فإنها قد تؤدي إلى زيادة هشاشة الوضع الصحي للمحتجزين، وتفاقم المخاطر المرتبطة بغياب الرعاية الطبية الملائمة وفي الوقت المناسب.
الإطار القانوني
تلزم المادتان (91) و(92) من اتفاقية جنيف الرابعة القوة القائمة بالاحتجاز بتوفير العناية الطبية اللازمة للمعتقلين وضمان تلقيهم العلاج المناسب. كما تنص القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد مانديلا) على أن الرعاية الصحية مسؤولية تقع على عاتق الدولة، ويجب أن تكون مكافئة من حيث المستوى لما هو متاح في المجتمع الخارجي.
سادسًا: تقييد التواصل وتقويض الضمانات القانونية خلال شهر رمضان
يكتسب التواصل مع العائلة والمحامي أهمية خاصة خلال شهر رمضان، نظرًا لما يحمله الشهر من طابع اجتماعي وديني مركزي في السياق الفلسطيني. إلا أن إفادات أسرى محررين وتقارير منظمات حقوقية محلية تشير إلى استمرار فرض قيود مشددة على تواصل المحتجزين الفلسطينيين مع العالم الخارجي خلال الفترة التي شملت شهر رمضان، وذلك في إطار القيود الأوسع المفروضة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وبحسب المعطيات المتاحة، شملت هذه القيود:
وقال أحد الأسرى المحررين إن عائلته لم تكن على علم بمكان احتجازه لفترة بعد اعتقاله، مضيفًا أن “الانقطاع عن العالم الخارجي كان كاملًا تقريبًا خلال الأشهر الأولى”. وتتطابق عناصر هذه الإفادة مع شهادات أخرى أشارت إلى قيود واسعة وممتدة على التواصل خلال الفترة ذاتها.
في سياق شهر رمضان، يتخذ غياب التواصل مع العائلة بعدًا نفسيًا مضاعفًا، نظرًا لارتباط الشهر بمناسبات عائلية مركزية، بما في ذلك مائدة الإفطار وليلة العيد. وذكر أسرى محررون أن عدم القدرة على الاتصال بالعائلة أو الاطمئنان عليهم خلال هذه الفترة زاد من الشعور بالعزلة، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على الغذاء والعبادة.
وعندما تتزامن هذه القيود مع إجراءات تشديد داخل الأقسام، فإن غياب الرقابة المستقلة والاتصال المنتظم بالمحامين قد يؤدي إلى تقليص فعلي لشبكة الضمانات الوقائية المتاحة للمحتجزين.
يشكل التواصل المنتظم مع العائلة والمحامي، إلى جانب الزيارات الإنسانية المستقلة، أحد أهم الضمانات الوقائية ضد التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري. وعندما تُقيَّد هذه القنوات أو تُعطَّل لفترات ممتدة، تتراجع فعليًا الحماية القانونية التي يفترض أن تحيط بالشخص المحروم من حريته.
وفي سياق نزاع مسلح، تزداد أهمية هذه الضمانات، نظرًا لارتفاع مخاطر الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وغياب الشفافية بشأن أوضاع المحتجزين.
الإطار القانوني
تنص اتفاقية جنيف الرابعة على حق المعتقلين في التواصل مع ذويهم، وعلى تمكين هيئات إنسانية محايدة—بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر—من زيارة أماكن الاحتجاز. كما يكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان حق المحتجز في الاتصال بمحامٍ، والحصول على معلومات تتعلق بأسباب احتجازه ومكانه، بوصف ذلك جزءًا من الضمانات الإجرائية الأساسية.
وقد يؤدي الامتناع عن الكشف عن معلومات تتعلق بمكان الاحتجاز أو الوضع القانوني، أو فرض قيود واسعة وغير متناسبة على الزيارات، إلى خلق بيئة احتجاز معزولة عن الرقابة، بما يزيد من مخاطر الانتهاكات دون مساءلة.
سابعًا: الأثر النفسي والاجتماعي خلال شهر رمضان
يمثل شهر رمضان، في السياق الاجتماعي الفلسطيني، مناسبة ذات مركزية دينية واجتماعية خاصة، تتجسد فيها الروابط العائلية من خلال الإفطار الجماعي، والزيارات، والطقوس المشتركة. داخل أماكن الاحتجاز، يكتسب هذا البعد أهمية مضاعفة، إذ يتحول الشهر إلى إطار زمني يستحضر فيه الأسرى حياتهم العائلية خارج السجن بوصفها امتدادًا لهويتهم الشخصية والاجتماعية.
قال الأسير المحرر إسماعيل الردايدة من بيت لحم:
"أكثر ما يؤلم خلال رمضان داخل السجون هو الشوق للعائلة… نستعيد ذكريات مائدة الإفطار مع الأهل."
تعكس هذه الإفادة البعد النفسي للشهر داخل بيئة الاحتجاز، حيث يتحول توقيت الإفطار—المرتبط عادةً بلحظة اجتماعية جامعة—إلى لحظة استحضار للفقد والانقطاع.
تشير إفادات أسرى محررين إلى أن شهر رمضان، بدل أن يشكل فترة استقرار نسبي، تزامن مع مجموعة من العوامل التي عمّقت الضغط النفسي، من بينها:
إن تزامن هذه العناصر خلال فترة زمنية ذات خصوصية دينية واجتماعية قد يؤدي إلى مضاعفة الشعور بالعزلة والانفصال عن الإيقاع الاجتماعي المعتاد. ويأخذ هذا الأثر بُعدًا إضافيًا عندما يقترن بحرمان من التواصل أو بعدم القدرة على ممارسة الشعائر بصورة منتظمة.
لا يقتصر الأثر النفسي لهذه الظروف على الحزن أو الحنين، بل قد يمتد إلى مظاهر أكثر تعقيدًا، بما في ذلك:
إن تكرار هذه الإفادات وتطابقها عبر مصادر متعددة يشير إلى وجود نمط من الضغوط النفسية المتصلة بظروف الاحتجاز خلال شهر رمضان.
الإطار القانوني
يلتزم القائمون على الاحتجاز، بموجب القانون الدولي، باحترام الكرامة الإنسانية للأشخاص المحرومين من حريتهم، بما يشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية للاحتجاز.
وتنص:
وفي سياق شهر رمضان، حيث تتداخل الأبعاد الدينية والاجتماعية والنفسية، فإن أي إجراءات تؤدي إلى تعميق العزلة أو تعطيل الممارسات الدينية أو فرض ضغوط متكررة خلال هذه الفترة تثير تساؤلات جدية بشأن مدى مراعاة هذه الالتزامات.
الاستنتاجات
تُظهر الوقائع والشهادات التي يوثقها هذا التقرير أن شهر رمضان لم يُعامل داخل أماكن الاحتجاز باعتباره فترة ذات خصوصية دينية واجتماعية تستوجب مراعاة إضافية، بل تزامن مع استمرار—وفي بعض الحالات تكثيف—قيود وإجراءات تمس جوانب أساسية من الحياة اليومية للمحتجزين.
وتشير المعطيات إلى نمط متداخل من الممارسات شمل:
وعند النظر إلى هذه العناصر مجتمعة في سياق شهر رمضان، فإنها تعكس بيئة احتجاز تتداخل فيها القيود الدينية والغذائية والصحية والقانونية، بما يثير مخاوف جدية بشأن مدى احترام الكرامة الإنسانية والضمانات الأساسية الواجبة للأشخاص المحرومين من حريتهم.
إن تكرار الإفادات وتطابق أنماطها عبر مصادر متعددة يعزز من الاتساق العام للوقائع الموثقة، ويستدعي مراجعة مستقلة لمدى امتثال هذه الممارسات للالتزامات الناشئة عن القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
الالتزامات القانونية والمسؤوليات
أولًا: مسؤوليات السلطات الإسرائيلية بصفتها الجهة القائمة على الاحتجاز
بصفتها القوة القائمة بالاحتجاز، تظل السلطات الإسرائيلية ملزمة، بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بضمان ما يلي:
إن هذه الالتزامات تظل قائمة وواجبة التنفيذ في جميع الأوقات، بما في ذلك خلال فترات النزاع المسلح أو الطوارئ.
ثانيًا: مسؤوليات المجتمع الدولي
في ضوء الطابع الإلزامي للمعايير الدولية المتعلقة بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤوليات متصلة بضمان احترام هذه القواعد، وتشمل:
خاتمة
يُبرز هذا التقرير أن شهر رمضان، بما يحمله من خصوصية دينية واجتماعية، تزامن—وفق الإفادات والمواد التي جرى تحليلها—مع قيود وإجراءات مستمرة أثّرت على الغذاء، وممارسة الشعائر، وإتاحة الرعاية الصحية، والتواصل مع العالم الخارجي، وإمكانات الرقابة الإنسانية المستقلة.
وفي جميع الأحوال، تبقى المعايير الدولية المتعلقة بمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم واجبة التطبيق دون استثناء، بما يشمل احترام الكرامة الإنسانية، وضمان الرعاية الصحية والغذاء الملائمين، وحماية حرية المعتقد، وتأمين الضمانات الإجرائية والرقابة المستقلة.
ويؤكد التقرير أن تعزيز الشفافية، وتمكين الوصول الإنساني المنتظم، وضمان سبل الانتصاف والمساءلة عند الاقتضاء، تشكل ركائز أساسية لمنع تكرار الانتهاكات ولحماية الحقوق الأساسية للمحتجزين.
المصادر
أولًا: إفادات
ثانيًا: بيانات وتقارير مؤسسات مختصة
ثالثًا: الإطار القانوني الدولي
القانون الدولي الإنساني
القانون الدولي لحقوق الإنسان
المعايير الدولية للاحتجاز