في يوم الأسير الفلسطيني "تضامن": منظومة احتجاز يُعاد تشكيلها كأداة للعقاب الجماعي وتقنين للحرمان من الحياة


في يوم الأسير الفلسطيني

في يوم الأسير الفلسطيني، تعتبر الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) أن هذه المناسبة لم تعد محطة رمزية، بل غدت لحظة كاشفة لواقع يتعرض فيه آلاف الأسرى الفلسطينيين لمنظومة احتجاز أُعيد تشكيلها لتعمل كأداة للعقاب الجماعي والتنكيل الممنهج.

وتُظهر المعطيات الموثقة، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن ما يجري داخل السجون الإسرائيلية لا يُمثّل انتهاكات منفصلة، بل يعكس نمطًا متكاملًا من السياسات التي تستهدف كسر الأسرى جسديًا ونفسيًا، وتقويض الضمانات الأساسية التي يفرضها القانون الدولي على أي نظام احتجاز.

وفي هذا السياق، يتقاطع هذا النمط مع ارتفاع غير مسبوق في أعداد المعتقلين، إذ تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، حتى بداية أبريل/نيسان 2026، 9,600 أسيرًا/ة، بينهم 86 أسيرة، ونحو 350 طفلًا، إضافة إلى أكثر من 3,500 معتقل إداري محتجزين دون تهمة أو محاكمة، بما يعكس توسّعًا منهجيًا في استخدام أدوات الاحتجاز التعسفي.

وتبيّن تضامن أن الاعتقال يُستخدم على نحو واسع كأداة للعقاب المفتوح، حيث يُحتجز آلاف الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة، بينما يُخضع آخرون لإجراءات قانونية شكلية تفتقر إلى معايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك الاعتماد على أدلة سرية وتقييد الوصول إلى المحامين. وفي حالات عديدة، خاصة بحق معتقلي قطاع غزة، يمتد الاحتجاز إلى ظروف تنطبق عليها أركان الإخفاء القسري، في انتهاك مباشر للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتوثّق تضامن أن ظروف الاحتجاز تتجاوز الحرمان من الحرية، لتشمل أنماطًا متكررة من التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك الضرب المبرح، والإذلال، والتجريد من الملابس، واستخدام البرد والحرمان من النوم كوسائل ضغط. وتشكل هذه الممارسات انتهاكًا صريحًا لاتفاقية مناهضة التعذيب، ومخالفة للمادة (3) المشتركة في اتفاقيات جنيف.

وتكشف الوقائع أن التجويع والإهمال الطبي يُستخدمان كوسيلتين عقابيتين، من خلال تقليص كميات الغذاء ورداءته، وحرمان الأسرى من العلاج، بما في ذلك في الحالات المرضية الخطيرة، وهو ما أدى إلى تدهور صحي واسع ووقوع وفيات داخل الاحتجاز. كما تسجّل المعطيات حالات استشهاد داخل السجون في ظروف ترتبط بالإهمال الطبي وسوء المعاملة، بما يحمّل سلطات الاحتلال مسؤولية قانونية مباشرة عن الحرمان من الحياة. وتشكل هذه السياسات خرقًا لالتزامات قوة الاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لا سيما المواد (55) و(56)، وانتهاكًا للحق في الحياة المنصوص عليه في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وفي إطار استهداف البنية القيادية للحركة الأسيرة، ترصد تضامن تصعيدًا في الإجراءات العقابية بحق قادة الأسرى، من خلال العزل الانفرادي المطوّل، والاقتحامات المتكررة، والاعتداءات الجسدية، والحرمان من أبسط الحقوق الأساسية. ويشمل ذلك شخصيات قيادية بارزة، من بينها الأسير مروان البرغوثي، في سياق يعكس سياسة ممنهجة تستهدف تقويض الدور التنظيمي والتمثيلي للحركة الأسيرة داخل السجون.

كما توثّق تضامن نمطًا متصاعدًا يتمثل في إعادة اعتقال أسرى محررين، في انتهاك لمبدأ الاستقرار القانوني، وتحويل الإفراج إلى حالة مؤقتة قابلة للإلغاء، وهو ما يوسّع من دائرة السيطرة العقابية خارج أسوار السجون. ويترافق ذلك مع تصاعد حالات الوفاة داخل الاحتجاز، بما يعكس بيئة احتجاز تُفضي، بنتائجها، إلى مخاطر جسيمة على حياة الأسرى.

وفي هذا السياق، تكشف تضامن أن الدفع نحو فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين يُمثّل تصعيدًا نوعيًا يُحوّل منظومة الاحتجاز من أداة للحرمان من الحرية إلى إطار يُقنّن الحرمان التعسفي من الحياة. ولا يقتصر هذا التوجه على إدخال عقوبة جديدة، بل يرتبط بمنظومة قانونية وإجرائية تقوم على الاعتقال التعسفي، والأدلة السرية، وتقييد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

وتخلص تضامن إلى أن إصدار أحكام بالإعدام في هذا السياق يُفرغ القضاء من مضمونه، ويجعل من الحكم أداة للقتل خارج نطاق القانون بغطاء قضائي شكلي. كما أن تطبيق عقوبة الإعدام على أشخاص محميين في ظل الاحتلال، وفي غياب ضمانات المحاكمة العادلة، يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتلفت تضامن إلى أن النساء والأطفال يتعرضون لانتهاكات مضاعفة داخل منظومة الاحتجاز، تشمل التحقيق دون ضمانات قانونية، والضغط النفسي والجسدي، والاحتجاز في ظروف غير إنسانية، في مخالفة لقواعد نيلسون مانديلا وقواعد بانكوك، فضلًا عن انتهاك الضمانات الخاصة بحماية الأطفال في القانون الدولي.

كما تُفيد تضامن  بأن القيود المفروضة على زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنع المحامين والعائلات من الوصول المنتظم إلى الأسرى، تساهم في عزل الأسرى عن الرقابة الخارجية، وتُكرّس بيئة احتجاز تُمارس فيها الانتهاكات بعيدًا عن المساءلة.

وتعكس الخلاصة أن مجموع هذه السياسات يُجسّد تحولًا بنيويًا في طبيعة النظام العقابي، حيث تُعاد صياغة منظومة الاحتجاز كأداة للعقاب الجماعي والتنكيل الممنهج، في انتهاك لقواعد آمرة في القانون الدولي لا يجوز تعطيلها تحت أي ظرف.

وفي يوم الأسير الفلسطيني، تدعو الهيئة إلى تحرك دولي عاجل يتجاوز الإدانة، ويشمل:

•          فتح تحقيقات دولية مستقلة وفعالة

•          ضمان وصول فوري وغير مقيّد للهيئات الدولية، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر

•          الإفراج عن جميع المعتقلين تعسفيًا

•          وقف العمل بالقوانين الاستثنائية التي تقوّض ضمانات المحاكمة العادلة

•          منع فرض وتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين

وتشدد الهيئة على أن استمرار هذه الانتهاكات، في ظل غياب المساءلة، يُسهم في ترسيخ الإفلات من العقاب، ويمنح الغطاء لاستمرار ممارسات يحظرها القانون الدولي بشكل مطلق.