إعداد\\ المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينين " تضامن"
منهجية التوثيق ونطاق التقرير
منهجية التوثيق
يعتمد هذا التقرير على منهج توثيقي-قانوني يجمع بين الأدلة الشفوية والمكتوبة والمفتوحة المصدر، ويربطها بالمعايير الدولية ذات الصلة. ويغطي التقرير الفترة الممتدة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى تاريخ تحريره، مع اعتبار أن الانتهاكات موضوع التقرير مستمرة ومتجددة.
مصادر المعلومات والأدلة
الملخص التنفيذي
سياسة التجويع والانتهاكات الجسيمة بحقّ الأسرى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023: خلاصات توثيقية وتوصيف قانوني ومسارات مساءلة
يثبت هذا التقرير، استنادًا إلى شهادات حية متقاطعة ومعطيات حقوقية وتقارير صحفية ورسمية، أن ما طرأ على ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لا يقتصر على “تشديد” إداري، بل يشير إلى تحول نوعي في وظيفة منظومة الاحتجاز عبر استخدام الغذاء كأداة عقاب وضبط وإذلال وإهلاك تدريجي.
أهم المؤشرات الواقعية الموثقة
مستوى العلم الرسميتعزّز صورة المنهجية ما نُشر عن تقرير تدقيق مكتب الدفاع العام الإسرائيلي حول الجوع الشديد وتدهور ظروف احتجاز فلسطينيين بعد 7 أكتوبر، إضافة إلى مواد صحفية إسرائيلية تناولت سوء التغذية/نقص الغذاء ضمن السجون.
التوصيف القانوني الموجز
بحسب معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي الجنائي، فإن الوقائع الموثقة ترقى إلى:
مسارات مساءلة عملية
حين يُقاس الزمن بالسعرات الحرارية
لم يكن الجوع، في السجون الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجةً جانبية لظرف استثنائي أو ضغط أمني عابر، بل تحوّل إلى سياسة مُدارة، تُطبَّق بوعي، وتُنفَّذ باستمرارية، وتُراقَب نتائجها على أجساد الأسرى الفلسطينيين دون أي تدخّل لوقفها. لم يعد الطعام حقًا أساسيًا، بل أصبح أداة ضبط، وعقوبة جماعية، ووسيلة لإخضاع الجسد الفلسطيني حتى حافة الانهيار.
في الزنازين المكتظة، حيث يُقاس اليوم بعدد مرات العدّ، ويُقاس الليل بطول الأرق، بات الزمن يُقاس أيضًا بالسعرات الحرارية. متى تأتي الوجبة؟ كم ستكفي؟ هل تُسحب؟ هل تُؤخَّر؟ أسئلة يومية لا تتعلّق بالرفاه، بل بالبقاء. الجوع هنا ليس إحساسًا عابرًا، بل حالة دائمة، تسبق الضرب أحيانًا، وتتلوه دائمًا، وترافق الأسير في كل تفاصيل يومه.
هذا التقرير لا يوثّق فقط نقص الطعام، بل يوثّق إدارة الجوع. يوثّق كيف حُوِّل الغذاء من حاجة بيولوجية أساسية إلى أداة سياسية، تُستخدم لإضعاف الأسرى جسديًا، وكسرهم نفسيًا، وتفكيكهم جماعيًا، ضمن منظومة عقابية شاملة.
لقد أظهرت شهادات الأسرى المحررين، من مختلف السجون والمعسكرات ومراكز الاحتجاز، أن الجوع لم يكن متساويًا في شدّته فقط، بل متشابهًا في آليته. تتكرّر الرواية نفسها بأصوات مختلفة: وجبات لا تكفي طفلًا، طعام رديء، غياب البروتين، منع الفاكهة، سحب "الكانتينا"، منع الطهي الذاتي، وربط الطعام بالسلوك والعقاب. وفي كل مرة، تكون النتيجة واحدة: فقدان سريع للوزن، هزال، دوار، إغماء، تدهور صحي طويل الأمد.
إن ما يجعل سياسة التجويع خطيرة على نحو خاص، ليس فقط أثرها الجسدي، بل طابعها الصامت. فالجوع لا يترك كدمات ظاهرة، ولا يُحدث نزيفًا فوريًا، لكنه يُنهك الجسد ببطء، ويستنزف قدرته على المقاومة، ويحوّل الاحتجاز إلى مساحة انتظار للانهيار ولهذا، فإن التجويع، في سياق الاحتجاز القسري، يُعد من أخطر أشكال التعذيب، لأنه يُمارَس يوميًا، دون حاجة إلى أدوات عنف مباشرة، وبإمكانية إنكار سياسية وقانونية عالية.
يأتي هذا التقرير في لحظة تتقاطع فيها الشهادات الفردية مع الاعترافات الرسمية والتقارير الحقوقية والإعلامية الإسرائيلية والدولية، لتشكّل معًا صورة لا يمكن تجاهلها. فالتجويع الذي وثّقته المؤسسات الفلسطينية، أكّدته أيضًا:
هذه التقاطعات تُخرج القضية من إطار “ادعاءات حقوقية” إلى مستوى الوقائع المثبتة، وتفرض واجب المساءلة.
كما يأتي التقرير في ظل:
ما يجعل التوثيق ليس خيارًا، بل ضرورة قانونية وأخلاقية.
من السابع من أكتوبر: تحوّل السياسة لا تشديدها فقط
لم يبدأ القمع داخل السجون الإسرائيلية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لكنه بعد هذا التاريخ شهد تحوّلًا نوعيًا فالإجراءات التي كانت تُمارس سابقًا بشكل متقطّع أو موضعي، تحوّلت إلى سياسة عامة، شاملة، تُطبَّق على جميع الأسرى الفلسطينيين دون تمييز: إداريين، مرضى، كبار سن، نساء، أطفال، ومعتقلي غزة.
في هذا السياق، لم يكن التجويع إجراءً ثانويًا، بل جزءًا مركزيًا من منظومة انتقامية أوسع، شملت:
لكن الجوع كان القاسم المشترك الأكثر حضورًا، والأشد أثرًا، والأطول زمنًا.
من الجسد إلى القانون
لا يفصل هذا التقرير بين السرد الإنساني والتحليل القانوني. فالجسد المنهك، والوزن المفقود، والمرض المتفاقم، ليست مجرد تفاصيل إنسانية، بل أدلة قانونية وفقدان 20 أو 30 أو 50 كيلوغرامًا من وزن الأسير خلال أشهر، ليس رقمًا، بل قرينة على سياسة متعمدة.
ومن هنا، لا يكتفي التقرير بوصف المعاناة، بل يربطها مباشرة بـ:
ليخلص إلى أن ما جرى ويجري داخل السجون الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر، لا يمكن توصيفه إلا بوصفه تعذيبًا ممنهجًا، وجريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية، وقد يرتقي، في سياقه التراكمي، إلى إبادة بطيئة بحق جماعة قومية محمية.
أصوات لا تُختزل في أرقام
هذا التقرير مبني، أولًا وقبل كل شيء، على أصوات الأسرى أنفسهم. أصوات خرجت من الزنازين منهكة، لكنها واضحة. لم تتحدث عن “ظروف قاسية” بل عن جوع لا ينام، عن أجساد تذوب، عن خوف من الطعام بعد الإفراج، وعن إحساس دائم بانعدام الأمان.
هذه الأصوات ليست شهادات عاطفية، بل وثائق حيّة، تُحمِّل المسؤولية لمن صمّم السياسة، وأصدر القرار، ونفّذ، وصمت.
ومن هنا، فإن هذا التقرير لا يطلب تعاطفًا، بل مساءلة، ولا يوجّه نداءً أخلاقيًا فحسب، بل ملفًا قانونيًا مكتمل الأركان.
السجن كفضاء للجوع
يوميات الأسرى بين الانتظار والانهيار
لم يكن السجن، في التجربة الفلسطينية، مجرد مكان يُنتزع فيه الجسد من حريته، بل فضاء تُعاد فيه صياغة الحياة اليومية وفق منطق السيطرة. وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يعد هذا الفضاء محكومًا فقط بالبوابات الحديدية، أو الزنازين المكتظة، أو التفتيش والقمع، بل أصبح محكومًا بالجوع بوصفه عنصرًا ثابتًا في كل تفاصيل اليوم.
في هذا القسم، لا نتحدث عن الجوع بوصفه نقصًا في الطعام، بل بوصفه بنية يومية تُنظّم الزمن، وتعيد ترتيب العلاقات داخل الزنزانة، وتؤثر على الجسد والعقل والسلوك. فالسجن لم يعد مكانًا يُقاس فيه الوقت بعدد الأيام أو الشهور، بل بعدد الوجبات، وبكمّيتها، وبإمكانية سحبها في أي لحظة.
أولًا: كيف يبدأ اليوم؟
الاستيقاظ على الجوع
يصف أسرى محررون لحظة الاستيقاظ داخل الزنزانة بأنها اللحظة الأكثر قسوة في اليوم. لا يبدأ الصباح بنور، ولا بصوت، بل بإحساس ثقيل في المعدة. الجوع هنا ليس وليد الليلة الماضية فقط، بل امتداد ليوم سابق لم يُشبَع فيه الجسد.
يقول أحد الأسرى:
"كنا نستيقظ ونحن جائعون، ليس لأننا لم نأكل، بل لأن ما أكلناه لا يُحسب طعامًا."
لا يوجد إفطار بالمعنى المتعارف عليه. إن وُجد، فهو:
هذه الوجبة، وفق شهادات متعددة، لا تُعيد للجسد طاقته، ولا تمنحه قدرة على تحمّل ساعات طويلة من الجلوس القسري، أو الوقوف أثناء العدّ، أو التفتيش المتكرر.
ثانيًا: الانتظار كحالة دائمة
متى تأتي الوجبة؟
أحد أكثر عناصر التعذيب صمتًا في سياسة التجويع هو الانتظار، لا يعرف الأسير متى ستأتي الوجبة التالية، ولا إن كانت ستأتي أصلًا. هذا الغموض يحوّل اليوم إلى سلسلة من الترقّب، ويُبقي الجسد في حالة توتر دائم.
يقول أسير محرر:
"كنا ننتظر الطعام كما ننتظر الحكم… ليس لأننا جائعون فقط، بل لأن الانتظار نفسه كان عقوبة."
في كثير من الأحيان:
ولا يُبلَّغ الأسرى بسبب السحب، ولا بموعد التعويض. فيتحوّل الطعام من حق يومي إلى أداة تهديد.
ثالثًا: مشهد الوجبة
حين لا يكفي الطعام أسيرًا واحدًا
حين تصل الوجبة، لا ينتهي الجوع، بل يبدأ شكل آخر منه. فالكميات التي تُقدَّم، وفق عشرات الشهادات، لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياج الفيزيولوجي.
يصف يوسف أبو راس، الأسير المحرر من سجن نفحة، المشهد:
"الغرفة فيها 14 أسيرًا، والطعام الذي يُقدَّم لا يشبع أسيرًا واحدًا."
الأرز:
اللحم:
الفاكهة:
الخضار:
ومع إغلاق "الكانتينا" ومنع الطهي الذاتي، لم يعد لدى الأسرى أي وسيلة لتعويض هذا النقص.
رابعًا: الجوع يعيد تشكيل العلاقات داخل الزنزانة
لم يقتصر أثر الجوع على الجسد فقط، بل امتد إلى العلاقات الإنسانية داخل الغرفة. حين يصبح الطعام نادرًا، يتحوّل إلى مورد هشّ، وتبدأ الحسابات الدقيقة:
يقول أحد الأسرى:
"الجوع كان يضعنا في اختبارات أخلاقية يومية. نريد أن نتقاسم، لكن أجسادنا كانت تصرخ."
ورغم أن الحركة الأسيرة عُرفت تاريخيًا بروحها الجماعية، فإن سياسة التجويع استهدفت تحديدًا تفكيك هذا التضامن، عبر دفع الأسرى إلى مستوى البقاء البيولوجي، حيث يصبح التفكير محصورًا في الجوع لا في الجماعة.
خامسًا: الطعام كأداة إذلال
لم يكن الطعام سيئًا فقط، بل كان يُقدَّم أحيانًا بطريقة تحمل إهانة متعمدة:
يقول الأسير المحرر بلال البطش:
"لم يكن الهدف إطعامنا، بل تذكيرنا بأننا بلا قيمة".
وحين يحتج الأسرى، يكون الرد، كما وثّق عمر عساف وآخرون:
"هذه سياسة حكومية."
سادسًا: العدّ، التفتيش، والجوع المتراكم
لا يتوقف الجوع عند الوجبات. فاليوم داخل السجن مليء بمحطات إنهاك:
كل ذلك يُنفَّذ على أجساد ضعيفة، لم تتلقَّ غذاءً كافيًا. ويؤكد أسرى محررون أنهم:
لكن أي شكوى كانت تُقابل بالتجاهل أو السخرية.
سابعًا: الجوع كخلفية دائمة للعنف
في حالات القمع والضرب، كان الجوع حاضرًا دائمًا. الجسد المنهك أقل قدرة على الاحتمال، وأكثر عرضة للإصابة. ويؤكد أسرى تعرضوا للضرب أن:
هنا، يصبح الجوع شريكًا صامتًا للعنف الجسدي.
يكشف هذا القسم أن السجن، بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّل إلى فضاء يُدار فيه الجوع بوصفه سياسة يومية. لم يكن الطعام مجرد حاجة، بل أداة:
في الأقسام التالية، سينتقل التقرير من فضاء السجن إلى الجسد نفسه، ليوثّق كيف يبدأ الانهيار الفيزيائي، وكيف يتحوّل الجوع من إحساس إلى مرض.
الجسد تحت الحصار
كيف ينهار الأسير حين يُجوَّع
في السجون، لا ينهار الجسد دفعة واحدة، لا يحدث ذلك بصوت عالٍ، ولا بلحظة فاصلة. الانهيار هنا بطيء، صامت، ومتدرّج. يبدأ بإحساس بسيط بالوهن، ثم يتسلّل إلى العضلات، إلى التوازن، إلى الذاكرة، إلى القدرة على الوقوف، ثم إلى الإحساس بالذات.
في هذا القسم، نغادر فضاء الزنزانة بوصفها مكانًا، وندخل الجسد نفسه بوصفه ساحة مباشرة للجريمة. فسياسة التجويع لا تترك أثرها في المعدة فقط، بل تعيد تشكيل الجسد من الداخل، وتحوّله إلى كيان هشّ، قابل للانكسار في أي لحظة.
أولًا: الوزن… الرقم الذي يفضح الجريمة
لم يكن فقدان الوزن مجرد عرض جانبي، بل المؤشر الأوضح على ما يجري. عشرات الشهادات، من سجون مختلفة، تتقاطع عند رقم واحد: عشرات الكيلوغرامات المفقودة خلال أشهر قليلة.
أسرى دخلوا السجن بأجساد سليمة، خرجوا منه بأجساد لا تشبههم:
هذه الأرقام لا تعبّر عن "نقص وزن"، بل عن هزال قسري، يحدث في زمن قصير، وبوتيرة لا يمكن تفسيرها إلا بالتجويع المتعمّد.
يقول أحد الأسرى:
"كنت أشعر أن جسدي يذوب. ليس كأنني أخسر وزنًا، بل كأن شيئًا يُسحب مني يوميًا."
ثانيًا: حين يتغير شكل الجسد… وتنكشف الحقيقة
لم يحتج الأسرى إلى مرايا ليروا ما يحدث. الجسد نفسه كان مرآة:
يصف أسير محرر لحظة رؤية نفسه بعد الإفراج:
"لم أتعرف على نفسي، كنت أعرف أنني نحفت، لكن لم أكن أتصور أنني وصلت إلى هذا الشكل".
التحوّل الجسدي لم يكن تجميليًا أو شكليًا، بل دليلًا ماديًا على سياسة ممنهجة، لا يمكن إخفاؤها.
ثالثًا: الدوار، الرجفة، وفقدان السيطرة على الجسد
مع استمرار التجويع، لم يعد الجسد قادرًا على أداء وظائفه الأساسية. ظهرت أعراض متكررة في شهادات الأسرى:
يقول أحد الأسرى:
"كنت أقف في العدّ وأشعر أن الأرض تتحرك. كنت أخاف أن أسقط، ليس لأنني ضعيف نفسيًا، بل لأن جسدي لم يعد يحملني".
هذه الأعراض لم تكن مؤقتة، بل رافقت الأسرى يوميًا، وتفاقمت مع كل وجبة ناقصة.
رابعًا: الإغماء… حين يعلن الجسد استسلامه
في مراحل متقدمة من الهزال، بدأ الجسد ينهار علنًا. سُجّلت حالات إغماء داخل الأقسام، خصوصًا بعد:
يروي أسير محرر:
"أُغمي على أحدنا، فحملناه إلى الزاوية. لم يأتِ أحد. لم يُستدعَ طبيب. انتظرنا حتى استعاد وعيه وحده".
في كثير من الحالات:
الإغماء هنا لم يكن حالة طبية طارئة، بل جزءًا من الروتين.
خامسًا: الجوع والمرض… تسريع الانهيار
بالنسبة للأسرى المرضى، كان التجويع حكمًا مضاعفًا لم تُراعَ أي أنظمة غذائية خاصة:
يقول إياد سالم أبو عصر:
"كنت أعرف أن هذا الطعام يضرني، لكن لم يكن لدي خيار. الجوع أقوى من التحذير."
سوء التغذية:
سادسًا: الجوع والقدرة على التفكير
لم يقتصر أثر التجويع على الجسد فقط، بل امتد إلى العقل:
يقول أحد الأسرى:
"كنت أسمع الكلام، لكن لا أستوعبه. الجوع كان يحتل رأسي".
هذا التراجع الذهني لم يكن عرضًا نفسيًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لحرمان الدماغ من التغذية اللازمة.
سابعًا: الجسد كأداة إذلال
في حالات كثيرة، كان الأسرى يُجبرون على:
الجسد المنهك هنا يتحوّل إلى وسيلة إذلال، حيث يصبح الألم مضاعفًا، والقدرة على الاعتراض شبه معدومة.
ثامنًا: حين يتحول الجوع إلى خوف دائم
مع الوقت، لم يعد الجوع إحساسًا في المعدة فقط، بل خوفًا:
يقول أحد الأسرى:
"لم أعد أخاف من الضرب بقدر ما كنت أخاف من أن جسدي يتوقف فجأة."
يكشف هذا القسم أن سياسة التجويع لم تكن مجرد تقليص للطعام، بل هجومًا مباشرًا على الجسد:
الجوع هنا ليس إحساسًا، بل عملية إهلاك بطيئة، تُدار بوعي، وتُترك لتفعل فعلها دون تدخل.
غزة: الجوع داخل منظومة التعذيب الشامل
في معسكرات الاحتجاز التي خُصِّصت لمعتقلي قطاع غزة، لم يكن الجوع سياسة قائمة بذاتها، بل جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى كسر الإنسان جسديًا ونفسيًا. هنا، لم يكن الأسير يواجه الجوع وحده، بل الجوع مقرونًا بالضرب، والتحقيق الميداني، والحرمان من النوم، والتقييد المستمر، والإهمال الطبي، والعزل التام عن العالم الخارجي.
يصف أسرى محررون من غزة التجربة بأنها خروج كامل من الزمن الإنساني. لا أيام واضحة، لا وجبات منتظمة، لا أسماء للأماكن، بل معسكرات بلا معالم، وساعات طويلة من الانتظار، وجسد يُستنزف ببطء.
“كنا نُترك للجوع والبرد معًا”
يروي أحد المفرج عنهم من غزة أن الطعام كان يُقدَّم أحيانًا مرة واحدة في اليوم، وأحيانًا لا يُقدَّم على الإطلاق. يقول:
"لم نكن نعرف إن كان سيأتينا طعام اليوم أم لا. الجوع كان دائمًا، والبرد كان دائمًا، ونحن مكبّلون."
لم يكن الطعام كافيًا من حيث الكمية، ولا صالحًا من حيث النوع. قطع خبز صغيرة، أرز مسلوق بلا طعم، وأحيانًا وجبة يتقاسمها عدد من المعتقلين. لم يكن هناك ماء كافٍ، ولا إمكانية لتعويض السوائل، ما جعل الجوع جفافًا مضاعفًا.
التحقيق الميداني والجوع كوسيلة إنهاك
خلال التحقيقات الميدانية، كان الجوع يُستخدم كوسيلة إنهاك قبل أي سؤال. يُترك الأسير ساعات طويلة دون طعام أو ماء، ثم يُستدعى للتحقيق وهو في حالة وهن شديد. يقول أحدهم:
“لم أعد أفرّق بين الجوع والخوف. الاثنان كانا يضغطان على صدري معًا.”
هذا الإنهاك المتراكم جعل كثيرين غير قادرين على الوقوف، أو التركيز، أو حتى الكلام، وهو ما حوّل التحقيق إلى عملية سحق بطيئة.
سفيان أبو صلاح: الجوع الذي انتهى بالبتر
تتجسّد هذه المنظومة القاسية بوضوح في شهادة الأسير المحرر سفيان أبو صلاح (43 عامًا) من قطاع غزة. دخل سفيان الاعتقال وهو بكامل صحته، بقدمين، دون أي أمراض مزمنة. خرج بعد الإفراج عنه بقدم واحدة.
يروي سفيان أن إصابة بسيطة في قدمه، ترافقت مع:
يقول:
"قدمي التهبت، وطلبت العلاج. قالوا لي انتظر. سبعة أيام وأنا أنتظر، والألم يزداد، ولا أحد ينظر إليّ."
خلال هذه الأيام، لم يُنقل إلى مستشفى، ولم يتلقَّ علاجًا. انتشر الالتهاب، وتدهورت حالته، إلى أن اتُّخذ قرار البتر. يضيف:
"اعتقلت بقدمين، وأفرج عني بقدم واحدة".
هذه الشهادة لا تقف عند حدود الإهمال الطبي، بل تكشف كيف أن الجوع كان عاملًا مباشرًا في تسريع التدهور الصحي، وتحويل إصابة قابلة للعلاج إلى إعاقة دائمة.
"كنا نسمع صراخهم طوال الليل"
أسرى آخرون تحدثوا عن سماع صراخ معتقلين من غزة خلال الليل، نتيجة الضرب أو الألم أو الجوع. لم يكن هناك تدخل طبي، ولا استجابة لطلبات الاستغاثة. يقول أحدهم:
"كنا نعرف أن من يصرخ قد لا نراه في اليوم التالي."
الطبيب الإسرائيلي: اعتراف من داخل المنظومة
في 4 نيسان/أبريل 2024، خرجت إلى العلن شهادة طبيب إسرائيلي يعمل في مستشفى ميداني داخل منشأة احتجاز لمعتقلي غزة، وتحديدًا في معسكر “سديه تيمان”. وصف الطبيب الظروف بأنها غير متوافقة مع أي معيار صحي أو قانوني.
قال في رسالته:
"هذا الأسبوع فقط، خضع مريضان لبتر ساقيهما بسبب إصابات بدأت نتيجة التقييد. للأسف، هذا حدث روتيني".
وأوضح أن:
وأضاف:
"حتى المعتقلين الشباب والأصحّاء يفقدون الوزن خلال أسبوع أو أسبوعين فقط من الاحتجاز".
هذا الاعتراف لا يكتفي بتوصيف الجريمة، بل يكشف أن الجوع والتقييد والإهمال الطبي تعمل معًا داخل منظومة واحدة.
الإخفاء القسري: الجوع بلا شهود
يزداد خطر التجويع على معتقلي غزة في ظل جريمة الإخفاء القسري. فبعد مرور مئات الأيام على العدوان، لا تزال سلطات الاحتلال ترفض:
في هذا الفراغ، يصبح الجوع جريمة بلا رقابة، والموت احتمالًا مفتوحًا.
أرقام تفضح الكارثة
وفق معطيات موثقة:
وهذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للكارثة، في ظل استمرار الإخفاء القسري.
في معسكرات احتجاز غزة، لم يكن الجوع سياسة مستقلة، بل جزءًا من معمار تعذيب كامل. جسد يُجوَّع، ويُقيَّد، ويُضرَب، ويُترك بلا علاج، ثم يُسأل: لماذا انهار؟
هذه ليست ظروف احتجاز قاسية، بل إدارة مقصودة للألم، حيث يُستخدم الجوع لتسريع الانهيار، وتحويل الإنسان إلى جسد ضعيف، صامت، قابل للكسر.
الجوع كعقوبة جماعية
حين يُعاقَب الجميع… بلا ذنب
الأطفال والنساء والمرضى: انتهاك مركّب للحماية الخاصة
في السجون الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يكن الجوع مجرد وسيلة ضغط عابرة، بل تحوّل إلى عقوبة جماعية شاملة، لا تميّز بين رجل وامرأة، ولا بين بالغ وطفل، ولا بين صحيح ومريض. سياسة واحدة، تُطبّق بلا استثناء، وتُدار بعقلية واحدة: كسر الإنسان عبر جسده.
لم تُستخدم هذه السياسة لمعاقبة “مخالفة” محددة، بل لمعاقبة الوجود نفسه. وجود الأسير كأسير، والأسيرة كأسيرة، والطفل كطفل فلسطيني.
إن تجويع الأطفال الأسرى، أو إخضاعهم لوجبات غير كافية وغير منتظمة، مع ما يرافق ذلك من فقدان وزن واضطرابات نوم ونوبات بكاء وقلق مرتبط بالطعام، يشكّل انتهاكًا جسيمًا لاتفاقية حقوق الطفل، ويهدد نموهم الجسدي والنفسي على المدى الطويل.
كما أن حرمان الأسيرات الحوامل من تغذية إضافية أو مكملات غذائية، وإخضاعهن لنفس سياسة تقليص الطعام المفروضة على الجميع، لا يمسّ صحة الأسيرة فحسب، بل يشكّل تهديدًا مزدوجًا للحياة، يمتد إلى الجنين نفسه.
أما بالنسبة لمرضى السكري والأمراض المزمنة، فإن عدم انتظام الوجبات وغياب الغذاء العلاجي يحوّل الجوع إلى خطر مباشر على الحياة، ويُخرج الانتهاك من إطار الإهمال إلى التعريض المتعمد للخطر.
أولًا: العقوبة الجماعية… حين يصبح الجوع لغة السلطة
تُجمع شهادات الأسرى والأسيرات من مختلف السجون على نمط متكرر:
لا تحقيق، لا مساءلة، لا تحديد مسؤولية. الجميع يُعاقَب، والجميع يجوع.
يقول أحد الأسرى:
"لم نكن نعرف من أخطأ… لكننا كنا نعرف أننا سنجوع جميعًا."
بهذا المعنى، لم يكن الجوع موجّهًا إلى فرد، بل إلى الجماعة، لتحطيم أي شكل من أشكال التضامن الداخلي، ولتحويل كل أسير إلى مراقب لجوعه وجوع غيره.
ثانيًا: الأسيرات… الجوع مضاعف داخل أجساد منهكة
بالنسبة للأسيرات الفلسطينيات، لم يكن التجويع مجرد نقص في الطعام، بل انتهاكًا مركّبًا يتقاطع فيه الجوع مع:
الأسيرات الحوامل
تشير شهادات ومحاضر محامين إلى أن الأسيرات الحوامل:
تقول إحدى الأسيرات المحررات:
"كنت أحمل طفلي وأشعر أن جسدي لا يكفيه… لا لي ولا له".
الجوع هنا لا يصيب الأسيرة وحدها، بل يمتد إلى الجنين، ما يجعل السياسة تهديدًا مزدوجًا للحياة.
الأسيرات المرضى
الأسيرات اللواتي يعانين من:
ثالثًا: الأطفال الأسرى… الجوع في جسد لم يكتمل نموه
الأطفال الفلسطينيون المعتقلون كانوا من أكثر الفئات هشاشة أمام سياسة التجويع.
لم تُراعَ أعمارهم، ولا احتياجاتهم الغذائية، ولا كونهم في مرحلة نمو جسدي وعقلي. الطفل كان يتلقى:
آثار الجوع على الأطفال
وفق إفادات طبية وحقوقية:
الجوع هنا لا يؤلم المعدة فقط، بل يترك أثرًا طويل الأمد على النمو النفسي والجسدي.
شهادات حيّة: الجوع حين ينهش طفولة لم تكتمل
◼️ محمد دار الديك (قاصر وقت الاعتقال – 19 عامًا)
بلدة كفر نعمة – غرب رام الله
مكان الاحتجاز: مركز توقيف عتصيون / سجون الاحتلال
لم يكن محمد دار الديك قد بلغ سن الرشد القانوني حين اعتقلته قوات الاحتلال، لكنه في السجن لم يُعامل كطفل، ولا حتى كإنسان.
خلال أشهر اعتقاله، فقد أكثر من 22 كيلوغرامًا من وزنه، في مرحلة عمرية كان جسده فيها لا يزال في طور النمو الجسدي والنفسي.
يقول محمد بعد الإفراج عنه:
"كنت أبكي أحيانًا بدون سبب… فقط لأنني جائع."
لم يكن البكاء ناتجًا عن خوف لحظي، بل عن جوع متراكم. جوع لا يترك مجالًا للنسيان.
يتحدث محمد عن أيام كان يحصل فيها على قطعة خبز واحدة فقط، دون أي مراعاة لكونه طفلًا، أو لحاجته الغذائية المضاعفة مقارنة بالبالغين.
الجوع بالنسبة له لم يكن إحساسًا في المعدة فقط، بل حالة نفسية:
ويؤكد محاموه أن سوء التغذية فاقم آثار الضرب والاعتداءات التي تعرض لها، وأخّر تعافيه الجسدي.
قصة محمد دار الديك ليست استثناءً، بل نموذجًا لما يتعرض له الأطفال الفلسطينيون داخل منظومة احتجاز لا تعترف بالطفولة، ولا تميّز بين جسد صغير وجسد بالغ.
رابعًا: مرضى السكري… الجوع كخطر مباشر على الحياة
من أخطر وجوه سياسة التجويع ما تعرّض له الأسرى المصابون بمرض السكري، سواء من:
هؤلاء الأسرى يحتاجون إلى:
لكن الواقع كان معاكسًا تمامًا.
شهادات مرضى السكري