تنشر الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين (تضامن) ورقة تقدير موقف تتناول واقعة قتل الشاب قاسم أمجد شقيرات في القدس، في سياق التحولات التشريعية المتعلقة بعقوبة الإعدام، وتحلل دلالاتها القانونية ضمن إطار القانون الدولي.
في فجر الخامس والعشرين من آذار/مارس 2026، قُتل الشاب قاسم أمجد شقيرات
(21 عامًا) بعد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي منزله في بلدة جبل المكبر بمدينة القدس. أُطلق النار عليه خلال عملية الاعتقال، ثم جرى احتجازه وهو مصاب، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وفاته.
ليست هذه الواقعة حدثًا معزولًا يمكن قراءته ضمن سياق أمني ضيق، بل تأتي في لحظة تشهد فيها المنظومة التشريعية لدى الاحتلال دفعًا متسارعًا نحو توسيع نطاق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، ما يمنحها دلالة تتجاوز حدود الحادثة إلى ما هو أبعد: تحول في بنية استخدام القوة ذاتها.
في مثل هذه الوقائع، لا يكون السؤال فقط حول كيفية وقوع القتل، بل حول السياق الذي يجعله ممكنًا ومبررًا. استخدام القوة المميتة أثناء الاعتقال، في غياب خطر وشيك يهدد الحياة، يشير إلى نمط يتكرر حيث تصبح الرصاصة أداة أولى لا أخيرة، ويتراجع واجب الحفاظ على الحياة لصالح منطق الحسم الميداني. الأشد خطورة أن هذا النمط يترافق مع إخفاق واضح في تقديم الرعاية الطبية للمصابين، ما يضع المسؤولية القانونية على الفعل وما تلاه معًا.
يتعزز هذا المشهد حين يوضع إلى جانب المسار التشريعي الجاري. فالمصادقة على مشاريع قوانين تسعى إلى توسيع تطبيق عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين لا يمكن قراءتها بمعزل عن الممارسة الميدانية. هنا، لا يبدو التشريع محاولة لضبط الواقع، بل امتدادًا له. القتل الذي يحدث في الميدان يجد طريقه إلى النص القانوني، لا بوصفه انحرافًا يجب منعه، بل ممارسة يُراد لها أن تُقنن وتُشرعن.
هذا التلاقي بين الميدان والتشريع يكشف عن تحول أعمق: انتقال وظيفة القوة من إطار إنفاذ القانون إلى أداة مباشرة للعقاب والسيطرة. في هذا التحول، تتآكل الحدود الفاصلة بين ما هو استثنائي وما هو منهجي، ويصبح القتل، الذي يفترض أن يكون آخر الوسائل، جزءًا من بنية التعامل اليومية مع الفلسطينيين.
قانونيًا، يظل الحق في الحياة من الحقوق الأساسية التي لا يجوز المساس بها تعسفًا. تنص المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حماية هذا الحق، وتضع قيودًا صارمة على استخدام القوة المميتة. كما تشدد المعايير الدولية، بما فيها مبادئ الأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية، على أن اللجوء إلى القوة القاتلة لا يكون إلا كخيار أخير، عند وجود تهديد حقيقي ومباشر للحياة.
في حالة شقيرات، تشير الوقائع إلى غياب هذه الشروط، ما يضع الحادثة في إطار الإعدام خارج نطاق القضاء. وبالنظر إلى أن الأراضي الفلسطينية تخضع لواقع الاحتلال، فإن أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، تنطبق على هذه الحالة، وتحظر بشكل صريح القتل والمعاملة القاسية بحق الأشخاص المحميين. وعليه، فإن مثل هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب تستوجب المساءلة.
أما الدفع باتجاه توسيع عقوبة الإعدام، فيصطدم هو الآخر بجملة من القيود القانونية الدولية. فحتى في الأنظمة التي لا تزال تطبق هذه العقوبة، تُحصر في أضيق نطاق وتخضع لضمانات صارمة، أبرزها المحاكمة العادلة والاستقلال القضائي. في سياق الاحتلال، حيث يُخضع الفلسطينيون لنظام قانوني مزدوج، وتُحاكم فئات واسعة منهم أمام محاكم عسكرية، فإن هذه الضمانات تكون موضع شك عميق، ما يجعل أي توسع في تطبيق الإعدام انتهاكًا جوهريًا للحق في الحياة.
ما تكشفه هذه الواقعة، إذًا، ليس مجرد حادثة قتل جديدة، بل مسار يتبلور تدريجيًا، حيث يلتقي الاستخدام المفرط للقوة في الميدان مع إرادة تشريعية تسعى إلى تثبيته. في هذا المسار، لا يُعاد تعريف العقوبة فقط، بل يُعاد تعريف الحياة نفسها، وحدود حمايتها.
إن خطورة هذا التحول لا تكمن في نتائجه المباشرة فحسب، بل في كونه يؤسس لمرحلة يصبح فيها القتل أداة معترفًا بها ضمن منظومة السيطرة، لا استثناءً طارئًا عليها. وهو ما يستدعي تحركًا دوليًا جادًا يتجاوز الإدانة اللفظية، باتجاه المساءلة الفعلية، ووقف هذا الانزلاق الذي يهدد أحد أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في الحياة.
لتنزيل الورقة كاملة