الملخص التنفيذي
يوثق هذا التقرير، الصادر عن الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – (تضامن)، نمطًا واسعًا ومنهجيًا من التعذيب وسوء المعاملة والتجويع والحرمان من العلاج بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية، مع تركيز خاص على المرحلة التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
تظهر الشهادات التي جمعتها وتابعتها تضامن، إلى جانب إفادات الأسرى المحررين والعائلات والمحامين، والصور المتداولة قبل الاعتقال وبعد الإفراج، أن الانتهاكات لم تعد حوادث متفرقة أو تجاوزات فردية. فهي تتكرر في مواقع احتجاز متعددة، وتتخذ أشكالًا متشابهة، وتنتج آثارًا جسدية ونفسية متقاربة. هذا التكرار، مع غياب المساءلة واستمرار منع الرقابة المستقلة، يكشف سياسة احتجازية قوامها العقاب الجماعي والإذلال وكسر الإرادة.
يرصد التقرير أنماطًا رئيسية من الانتهاكات، أبرزها: الضرب المبرح، الشبح والوضعيات القسرية، التعرية والتفتيش العاري، الحرمان من النوم، التجويع وتقليص الطعام، منع الكانتينا، الحرمان من الأدوية والفحوص والعلاج، التعذيب بالبرد، العزل الانفرادي، التهديد بالقتل أو الاغتصاب، والإهانات ذات الطابع الديني والجنسي والوطني. ويؤكد التقرير أن هذه الأفعال، عندما تقع داخل منظومة احتجاز رسمية وبقصد العقاب أو التخويف أو الإخضاع أو التمييز، تشكل تعذيبًا أو معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة بموجب القانون الدولي.
ويخصص التقرير فصلًا مستقلًا للصور المتداولة للأسرى قبل الاعتقال وبعد الإفراج، ولا سيما حالات الصحفي المحرر مجاهد بني مفلح، والأسير المحرر عبد الله شتات، ومعتقل مسن أُفرج عنه من قطاع غزة. وتتعامل تضامن مع هذه الصور بوصفها قرائن بصرية مهمة على التجويع والتعذيب والحرمان الطبي، يجب حفظها وتحليلها طبيًا وقانونيًا، لا بوصفها مشاهد إعلامية عابرة.
كما يضيف التقرير محورًا خاصًا حول سبل مساندة ضحايا التعذيب والناجين، انطلاقًا من أن التضامن الحقيقي لا يقتصر على الإدانة والمطالبة بالمحاسبة، بل يشمل العلاج، والتأهيل، والدعم النفسي، والمساعدة القانونية، وحماية الضحايا من الوصم والانتقام، وضمان حقهم في الإنصاف وجبر الضرر.
ويخلص التقرير إلى أن هذه الممارسات تنتهك اتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية جنيف الرابعة، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد نيلسون مانديلا، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما يؤكد أن ارتكاب هذه الأفعال بصورة واسعة أو منهجية ضد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يضعها في نطاق الجرائم الدولية التي تستوجب تحقيقًا مستقلًا ومساءلة جنائية فردية، لا بيانات قلق عامة أو وعود مراجعة شكلية.
مقدمة التقرير
يأتي هذا التقرير بمناسبة اليوم الدولي للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يصادف 26 حزيران/يونيو من كل عام، ليضع ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية في موقعه القانوني والحقوقي الصحيح: ملف تعذيب ممنهج، لا مجرد سوء ظروف احتجاز؛ وملف تجويع وحرمان من العلاج، لا مجرد إخفاق إداري؛ وملف إفلات من العقاب، لا مجرد تجاوزات فردية.
تؤكد الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن أن ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون، ولا سيما منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، يعكس تحولًا خطيرًا في وظيفة السجن الإسرائيلي. فالسجن لم يعد مجرد مكان لسلب الحرية، بل أصبح فضاءً لإنتاج الألم اليومي، وإعادة تشكيل جسد الأسير ونفسيته عبر أدوات متعددة: الضرب، التعرية، الوضعيات القسرية، الحرمان من النوم، التجويع، البرد، العزل، الإهانات، الحرمان من العلاج، والتهديد بالعنف الجنسي أو ممارسته.
وتزداد خطورة هذه الانتهاكات لأنها لا تقع في فراغ، بل داخل منظومة احتجاز مغلقة تسيطر عليها أجهزة رسمية إسرائيلية، تشمل الجيش، ومصلحة السجون، وأجهزة الأمن، وتعمل في ظل تقييد شديد للرقابة المستقلة، ومنع أو تعطيل الزيارات العائلية وزيارات المحامين واللجنة الدولية للصليب الأحمر لفترات طويلة. هذا الإغلاق لا يحرم الأسير من التواصل فقط، بل يخلق بيئة مثالية للتعذيب، حيث يصبح الضحية معزولًا عن الحماية، وتصبح آثار الجريمة قابلة للإخفاء أو التأخير أو الإنكار.
إن الصور المتداولة لعدد من الأسرى الفلسطينيين قبل الاعتقال وبعد الإفراج، وما يظهر فيها من هزال شديد، وفقدان وزن واضح، وتراجع في الكتلة العضلية، وإصابات، وانهيار صحي بعد التحرر، تعطي بعدًا بصريًا مباشرًا لما ترويه الشهادات. فالأسرى الذين دخلوا السجون بأجساد طبيعية أو بحالة صحية مستقرة، وخرجوا بأجساد منهكة أو أمراض خطيرة أو مضاعفات حادة، يقدمون دليلًا إنسانيًا وقانونيًا على أن التعذيب لا ينتهي عند جدران الزنزانة، بل يستمر في الجسد والذاكرة والحياة اليومية بعد الإفراج.
ينطلق هذا التقرير من مبدأ راسخ في القانون الدولي: حظر التعذيب مطلق ولا يقبل أي استثناء. فلا الحرب، ولا حالة الطوارئ، ولا الاعتبارات الأمنية التي تُساق، ولا صفة المعتقل، ولا ظروف النزاع، تبيح التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وبناءً على ذلك، فإن واجب المجتمع الدولي لا يقتصر على الإدانة، بل يشمل التحقيق الفعال، ووقف الممارسات، وحماية الضحايا، ومحاسبة المسؤولين، وضمان حق الناجين في العلاج والإنصاف وجبر الضرر.
منهجية التقرير ومعايير التوثيق وحدود الوصول إلى المعلومات
يعتمد هذا التقرير على منهجية حقوقية وقانونية تقوم على تحليل أنماط التعذيب وسوء المعاملة والتجويع والحرمان من العلاج بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية، من خلال الربط بين الشهادات الفردية، والآثار الجسدية والنفسية، والصور المتداولة، والسياق المؤسسي والسياسي الذي وقعت فيه الانتهاكات.
ولا يتعامل التقرير مع الوقائع بوصفها حوادث منفصلة أو معزولة، بل يفحص تكرارها واتساقها وانتشارها في أماكن احتجاز مختلفة، ومدى ارتباطها بسياسات أو أوامر أو ممارسات إدارية ثابتة داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، ولا سيما في المرحلة التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
يغطي التقرير الفترة الممتدة من 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 حتى حزيران/يونيو 2026، مع الإشارة إلى أن عددًا من الممارسات الموثقة له جذور سابقة في منظومة الاعتقال الإسرائيلية، إلا أنها اتخذت بعد هذا التاريخ مستوى أكثر اتساعًا وقسوة وانتظامًا. ويركز التقرير على أنماط محددة من الانتهاكات، تشمل التعذيب الجسدي، الوضعيات القسرية، التعرية والتفتيش العاري، التهديد بالعنف الجنسي، الحرمان من النوم، التجويع وسوء التغذية، الحرمان من العلاج، الإهمال الطبي، التعذيب بالبرد، العزل، الإهانات الدينية والوطنية، والحرمان من التواصل مع العائلة والمحامين والرقابة المستقلة.
استند التقرير إلى مجموعة من المصادر المفتوحة والمباشرة وغير المباشرة، من بينها شهادات أسرى ومعتقلين محررين، إفادات عائلات ومحامين، صور منشورة لأسرى قبل الاعتقال وبعد الإفراج، معلومات متداولة حول حالات صحية موثقة بعد التحرر، بيانات مؤسسات حقوقية وأسرى فلسطينية، تقارير أممية وحقوقية، ومراجع قانونية دولية ذات صلة بحظر التعذيب وحماية المحتجزين. كما اعتمد التقرير على قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك اتفاقية مناهضة التعذيب، اتفاقية جنيف الرابعة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، قواعد نيلسون مانديلا، نظام روما الأساسي، وبروتوكول إسطنبول الخاص بالتوثيق الفعال للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
اعتمدت “تضامن” في تقييم الوقائع على عدة معايير، أبرزها: تكرار الشهادات حول الأسلوب نفسه، تشابه الأثر الجسدي أو النفسي لدى أكثر من أسير محرر، اتساق الرواية مع ظروف الاحتجاز المعروفة، ارتباط الانتهاك بمكان احتجاز خاضع لسلطة رسمية إسرائيلية، ووجود قرائن داعمة مثل الصور أو الفحوص الطبية اللاحقة أو إفادات العائلة والمحامين. ولا يشترط التقرير توفر دليل واحد حاسم لإثبات النمط؛ فالتوثيق الحقوقي يقوم على تجميع القرائن وتحليل اتساقها. وعندما تتكرر شهادات التجويع والضرب والحرمان من العلاج في أكثر من سجن أو معسكر، وتظهر آثارها على أجساد الأسرى بعد الإفراج، فإن ذلك يشكل مؤشرًا قويًا على وجود ممارسة واسعة أو سياسة ممنهجة، لا مجرد تجاوز فردي.
تتعامل “تضامن” مع الصور المتداولة للأسرى قبل الاعتقال وبعد الإفراج بوصفها قرائن بصرية مهمة على التعذيب والتجويع والحرمان الطبي، لا بوصفها مادة إعلامية عابرة. وتكتسب هذه الصور قيمة توثيقية أكبر عندما تُقارن بزمن الاعتقال، ومدة الاحتجاز، والحالة الصحية السابقة، وشهادة الأسير أو عائلته، وأي فحوص طبية لاحقة. وتؤكد “تضامن” أن الصور لا تُستخدم بمعزل عن السياق، بل تُقرأ ضمن منظومة أدلة أوسع. فالهزال الشديد، وفقدان الوزن، وتراجع الكتلة العضلية، وآثار الإصابات، والانهيار الصحي بعد الإفراج، كلها مؤشرات تستوجب فحصًا طبيًا وقانونيًا مستقلًا.
يراعي التقرير مبدأ عدم إلحاق ضرر إضافي بالضحايا والناجين والناجيات. ولذلك يتم التعامل مع الشهادات الحساسة، ولا سيما المتعلقة بالتعذيب الجنسي أو التعرية أو الإذلال الجندري، بحذر واحترام للخصوصية والكرامة. ولا تُذكر الأسماء في الحالات الحساسة إلا إذا كانت منشورة سابقًا أو وافق أصحابها أو عائلاتهم على تداولها. كما يؤكد التقرير أن توثيق التعذيب يجب ألا يتحول إلى إعادة تعريض الضحايا للألم أو الوصم أو التشهير؛ فالغاية من التوثيق هي الحماية والمساءلة والإنصاف، لا استهلاك معاناة الضحايا إعلاميًا.
تواجه عملية التوثيق قيودًا جوهرية ناتجة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي في إغلاق منظومة الاحتجاز أمام الرقابة المستقلة. فقد أدى منع أو تقييد زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وتعطيل زيارات العائلات والمحامين، واحتجاز معتقلي غزة في معسكرات عسكرية أو أماكن غير معلنة بصورة كافية، إلى خلق فجوة خطيرة في الوصول إلى المعلومات. غير أن هذه القيود لا تنفي وقوع الانتهاكات، بل تزيد الحاجة إلى التحقيق المستقل. كما أن منع الرقابة، في ذاته، يشكل عاملًا مساعدًا على التعذيب وسوء المعاملة، لأنه يعزل الضحية عن الحماية، ويؤخر اكتشاف آثار الجريمة، ويمنح الجناة فرصة لإخفاء الأدلة أو إنكارها.
لا يكتفي التقرير بوصف الانتهاكات من زاوية إنسانية أو صحية، بل يعمل على تكييفها قانونيًا وفق قواعد القانون الدولي. ويجري تقييم كل نمط من الانتهاكات من خلال عناصر التعذيب المعترف بها دوليًا: وجود ألم أو معاناة شديدة، وقوع الفعل عمدًا، ارتباطه بغرض مثل العقاب أو التخويف أو الإخضاع أو التمييز، وصدوره عن سلطة رسمية أو بعلمها أو قبولها أو سكوتها. وبناءً على ذلك، فإن الضرب، الصعق، الوضعيات القسرية، التعرية، التهديد بالاغتصاب، التجويع، الحرمان من العلاج، التعذيب بالبرد، والعزل القاسي، لا تُعامل في هذا التقرير كـ“ظروف احتجاز سيئة” فحسب، بل كأفعال تدخل في نطاق التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وتشكل جرائم دولية عندما تُرتكب بصورة واسعة أو منهجية داخل منظومة احتجاز رسمية.
الفصل الأول:
خلفية اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب والإطار العام للتقرير
أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم السادس والعشرين من حزيران/يونيو من كل عام يومًا دوليًا لمساندة ضحايا التعذيب، بموجب القرار رقم A/RES/52/149، بوصفه مناسبة عالمية لتجديد الالتزام بالحظر المطلق للتعذيب، والتأكيد على حق الضحايا والناجين والناجيات في العدالة، والإنصاف، وجبر الضرر، وإعادة التأهيل، وعدم تكرار الانتهاكات.
ولا يقتصر هذا اليوم على البعد الرمزي أو التضامني، بل يذكّر الدول والهيئات الدولية بواجبات قانونية واضحة في منع التعذيب، والتحقيق فيه، ومحاسبة المسؤولين عنه، وضمان عدم استخدام الاحتجاز أو السجن أو العزل أو الحرمان من الحقوق الأساسية كوسائل للإيلام أو الانتقام أو العقاب الجماعي. فالتعذيب، بموجب القانون الدولي، محظور حظرًا مطلقًا، ولا يجوز تبريره تحت أي ظرف، سواء في حالات الحرب، أو الطوارئ، أو مكافحة الإرهاب، أو الاضطرابات الأمنية.
في السياق الفلسطيني، يكتسب هذا اليوم أهمية خاصة ومضاعفة. فالأسرى والمعتقلون الفلسطينيون لا يواجهون سلب الحرية وحده، بل يواجهون منظومة احتجاز تقوم، في كثير من ممارساتها، على الإخضاع الجسدي والنفسي، والتجريد من الكرامة، والعزل عن العالم الخارجي، والحرمان من العلاج والغذاء والزيارة والضمانات القانونية. وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، اتسع نطاق هذه الممارسات وتصاعدت حدّتها بصورة غير مسبوقة، ولا سيما بحق معتقلي قطاع غزة، والنساء، والأطفال، والمرضى، والصحفيين، والعاملين في القطاع الصحي، والمعتقلين الإداريين، والمحتجزين بمعزل عن محاميهم وعائلاتهم والرقابة الدولية المستقلة.
ينطلق هذا التقرير من فرضية قانونية وإنسانية أساسية مفادها أن التعذيب لا ينحصر في غرفة التحقيق، ولا يقتصر على الضرب المباشر أو انتزاع الاعترافات. فالتعذيب يتجسد أيضًا في الجوع المتعمّد، وفي منع الدواء عن مريض، وفي حرمان الجريح من العلاج، وفي إبقاء الجسد مكبلًا لساعات طويلة، وفي العزل الانفرادي الممتد، وفي الإذلال الجنسي، وفي التفتيش العاري، وفي التهديد بالقتل أو الاغتصاب أو الانتقام من العائلة، وفي حرمان الأم من أطفالها، وفي الإفراج عن معتقل فقد وزنه وصحته وقدرته على الوقوف.
وبهذا المعنى، تتحول شروط الاحتجاز ذاتها إلى أداة تعذيب عندما تُدار بصورة تهدف إلى الإيلام والإهانة وكسر الإرادة، لا إلى حفظ الأمن أو تنظيم الحياة داخل السجن. كما يتحول الحرمان من الطعام الكافي، والرعاية الصحية، والنظافة، والنوم، والزيارات، والاتصال بالعالم الخارجي، إلى جزء من بنية عقابية ممنهجة عندما يُمارس على نطاق واسع، وبصورة متكررة، ووسط غياب الرقابة والمساءلة.
ويهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة حقوقية وقانونية مركبة لواقع التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، من خلال الجمع بين الشهادات، والوقائع الموثقة، والأدلة البصرية، والمعطيات الحقوقية، والتحليل القانوني. كما يسعى إلى إبراز أن ما يتعرض له الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون يتجاوز توصيف “سوء المعاملة” بالمعنى الضيق، ويدخل في نطاق التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة المحظورة بموجب القانون الدولي.
ويؤكد التقرير أن مساندة ضحايا التعذيب لا تعني الاكتفاء بالتضامن الأخلاقي معهم، بل تقتضي الاعتراف بما تعرضوا له، وحماية شهاداتهم، وضمان وصولهم إلى العلاج الجسدي والنفسي، وجبر الضرر الواقع عليهم وعلى عائلاتهم، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، ووقف السياسات التي تسمح بتكرارها. فالإنصاف الحقيقي للضحايا يبدأ من تسمية الجريمة باسمها، وينتهي بمساءلة مرتكبيها ومن أمروا بها أو سمحوا باستمرارها.
وفي ضوء ذلك، يأتي هذا التقرير في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب ليؤكد أن حماية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من التعذيب ليست مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل التزام قانوني دولي واجب النفاذ، وأن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على توسيع نطاق الانتهاكات وتحويلها إلى سياسة دائمة داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية.
الفصل الثاني:
التحول في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023
شهدت منظومة الاحتجاز الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولًا عميقًا في طبيعتها ووظيفتها وأدواتها. فلم تعد القيود المفروضة على الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين تُمارس، حتى في ظاهرها، بوصفها إجراءات تنظيمية أو احترازات أمنية مؤقتة، بل تحولت إلى سياسة عقابية جماعية واسعة النطاق، طالت أبسط مقومات الحياة داخل السجون ومراكز الاحتجاز، بما في ذلك الغذاء، والماء، والعلاج، والنوم، والحركة، والنظافة، والملابس، والأغطية، والزيارة، والاتصال بالعالم الخارجي.
وقبل هذا التاريخ، كانت منظومة الاحتجاز الإسرائيلية قائمة أصلًا على أنماط راسخة من الانتهاكات، من بينها الاعتقال الإداري، والعزل، والحرمان من الزيارات، والإهمال الطبي، والتنكيل أثناء النقل، والتفتيش المهين، واستخدام القوة داخل السجون. غير أن المرحلة التي أعقبت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشفت انتقالًا أكثر خطورة من الانتهاك المتقطع أو الممارسة المتكررة إلى نموذج عقابي أشمل، تُدار فيه شروط الحياة اليومية ذاتها كوسيلة للإخضاع والإيلام وكسر الإرادة.
كماانعكس هذا التحول بصورة مباشرة على الحياة اليومية للأسرى داخل السجون المركزية. ففُرضت قيود مشددة شملت تقليص كميات الطعام ونوعيته، ومصادرة الأغراض الشخصية والملابس والأغطية، ووقف أو تقييد الكانتينا، وتقليص وقت الفورة، وتشديد إجراءات التفتيش، وزيادة الاقتحامات الليلية، وتوسيع استخدام العزل الانفرادي والجماعي، والحد من التواصل مع العائلات والمحامين. ولم تكن هذه الإجراءات منفصلة عن بعضها، بل شكّلت سلسلة متكاملة من الحرمان المتراكم الذي يمسّ الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية والنفسية للأسرى.
إن تقليص الطعام، في هذا السياق، لا يجوز التعامل معه كإجراء إداري عابر، بل كأحد أبرز مؤشرات التحول العقابي داخل السجون. فالغذاء الكافي ليس امتيازًا تمنحه إدارة السجن أو تمنعه، بل حق أساسي ملازم للحق في الحياة والصحة والكرامة. وعندما يُستخدم الطعام كأداة ضغط، أو تُخفض كميته ونوعيته بصورة تؤدي إلى الهزال، وفقدان الوزن، والضعف العام، وتراجع المناعة، فإن ذلك يدخل في نطاق المعاملة القاسية واللاإنسانية، يشكل تعذيبًا عندما يقترن بالقصد والمعرفة والحرمان المتعمد.
وينطبق الأمر ذاته على الرعاية الصحية. فقد أصبح منع العلاج، أو تأخيره، أو الاكتفاء بمسكنات شكلية، أو تجاهل الأمراض المزمنة والإصابات، جزءًا من منظومة الإيلام. فالمريض داخل السجن لا يفقد حقه في العلاج بسبب احتجازه، بل تتحمل السلطة القائمة بالاحتجاز مسؤولية مضاعفة تجاهه لأنها تسيطر بالكامل على جسده وحركته وقدرته على الوصول إلى الطبيب والدواء. ومن ثم، فإن حرمان الأسرى المرضى والجرحى من الرعاية الطبية الملائمة لا يمثل إهمالًا فقط، بل يتحول إلى تعذيب بطيء عندما يُستخدم الألم أو المرض كوسيلة لمعاقبة الأسير أو إذلاله أو كسر إرادته.
أما في معسكرات الاحتجاز، ولا سيما تلك التي احتُجز فيها معتقلون من قطاع غزة، فقد اتخذت الانتهاكات طابعًا أشد قسوة وخطورة، بسبب العزل شبه الكامل عن العالم الخارجي، وغياب الرقابة المستقلة، وتقييد وصول المحامين والجهات الحقوقية والإنسانية. وقد خلق هذا الواقع بيئة مغلقة تسمح بوقوع التعذيب وسوء المعاملة بعيدًا عن أي مساءلة فعلية، وتجعل الضحايا أكثر هشاشة أمام الضرب، والإذلال، والتجويع، والحرمان من العلاج، والتقييد المطوّل، والتهديد، والمعاملة الحاطة بالكرامة.
وتكمن خطورة هذه المعسكرات في أنها جمعت بين ثلاثة عناصر شديدة الخطورة: الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وغياب الضمانات القانونية الفعالة، وتفويض ميداني واسع للقوة القائمة بالاحتجاز. فحين يُحرم المعتقل من الاتصال بمحامٍ أو بعائلته، وحين تُحجب المعلومات حول مكان احتجازه أو وضعه الصحي أو القانوني، يصبح أكثر عرضة للتعذيب، وتصبح إمكانية توثيق الانتهاك أو وقفه أو محاسبة مرتكبيه أكثر صعوبة. ولذلك، يشكل العزل عن الرقابة المستقلة بيئة تمكينية للتعذيب، وليس مجرد إجراء مصاحب له.
وتُظهر الشهادات والمعطيات الحقوقية أن معتقلي قطاع غزة كانوا من بين الفئات الأكثر تعرضًا لأنماط قاسية من التعذيب والإذلال وسوء المعاملة. وقد شملت هذه الانتهاكات مدنيين، وعمالًا، ونساءً، وجرحى، وكبار سن، وعاملين في القطاع الصحي، وأشخاصًا اعتُقلوا دون توجيه تهم واضحة أو دون تمكينهم من ضمانات المحاكمة العادلة. إن استهداف هذه الفئة على أساس الانتماء الجغرافي، وربط المعاملة داخل الاحتجاز بسياق الحرب على غزة، يعزز نمط العقاب الجماعي والتمييز في المعاملة، ويضع هذه الممارسات في مواجهة مباشرة مع قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ولا يجوز فصل هذا التحول داخل السجون عن المناخ السياسي والتحريضي الأوسع الذي ساد بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد ترافق تشديد ظروف الاحتجاز مع خطاب رسمي وإعلامي ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين، ويقدّم الأسرى والمعتقلين كجماعة تستحق الانتقام لا كأشخاص يتمتعون بحقوق قانونية غير قابلة للتصرف. وعندما ينتقل هذا الخطاب من المجال السياسي إلى السياسات الإدارية داخل السجون، يصبح الخطر مضاعفًا؛ إذ تتحول اللغة التحريضية إلى تعليمات وإجراءات تمس الجسد والطعام والدواء والكرامة.
ومن هنا، فإن ما يجري داخل السجون لا يجوز تفسيره باعتباره نتيجة تصرفات فردية أو تجاوزات معزولة من عناصر أو وحدات محددة. فالأنماط المتكررة، واتساع نطاق الانتهاكات، وتزامنها بين أكثر من سجن ومركز احتجاز، وارتباطها بقرارات وسياسات معلنة أو متسامح معها، كلها مؤشرات على انتقال العقاب من مستوى الممارسة الميدانية إلى مستوى السياسة المؤسسية. وفي هذا الإطار، يصبح التجويع، والتعرية القسرية، والضرب، والعزل، والحرمان من العلاج، ومصادرة الممتلكات، وتقليص النوم، ومنع الزيارة، أجزاء مترابطة من بنية عقابية منظمة.
إن التحول الجوهري بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر يتمثل في تحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات عقاب وسيطرة. فالطعام لم يعد يُعامل كحق أساسي لازم للبقاء والصحة، بل كوسيلة ضغط وإخضاع. والدواء لم يعد يُقدَّم باعتباره التزامًا قانونيًا تجاه المحتجزين، بل كامتياز قابل للمنع أو التأخير. والدفء والنوم والنظافة لم تعد شروطًا إنسانية دنيا، بل أدوات تستخدم لكسر الإرادة وإنتاج الألم. والزيارة والاتصال بالمحامي والعائلة لم تعد ضمانات أساسية ضد الإخفاء وسوء المعاملة، بل جرى توظيف منعها كوسيلة للعزل والضغط النفسي.
وتتجلى خطورة هذه السياسة في أثرها التراكمي. فكل شكل من أشكال الحرمان يعزز الآخر: الجوع يفاقم المرض، والبرد يضاعف الهزال، والحرمان من النوم يضعف القدرة النفسية والجسدية على الاحتمال، والعزل يزيد الانهيار النفسي، وغياب العلاج يحوّل الإصابات والأمراض إلى أدوات تعذيب بطيء، وغياب الرقابة يسمح باستمرار الانتهاكات وتكرارها دون خوف من المساءلة. وبهذا المعنى، لا تقع الانتهاكات في خطوط متوازية منفصلة، بل تعمل معًا داخل نظام واحد لإنتاج الألم.
كما أن التوسع في العزل ومنع الاتصال بالعالم الخارجي يرفع خطر الاختفاء القسري أو الاحتجاز السري أو الاحتجاز غير المعترف به، خصوصًا عندما لا تحصل العائلات على معلومات كافية حول مكان وجود أبنائها أو حالتهم الصحية أو الأساس القانوني لاحتجازهم. ويُعد هذا النمط من الاحتجاز من أخطر البيئات التي تسمح بوقوع التعذيب، لأنه يقطع صلة الضحية بكل مصادر الحماية الخارجية: العائلة، المحامي، الطبيب المستقل، والرقابة الدولية.
ولا يقل أثر هذه السياسة على العائلات خطورة عن أثرها على الأسرى أنفسهم. فحرمان العائلات من الزيارة أو المعلومات، وتركها في حالة انتظار وقلق دائمين، يمثل شكلًا من أشكال المعاناة النفسية القاسية. فالتعذيب لا يصيب الجسد المحتجز وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة التي تُحرم من معرفة مصير ابنها أو صحته أو ظروف احتجازه. وفي حالات معتقلي غزة، تضاعفت هذه المعاناة بفعل الحرب، والنزوح، وانقطاع الاتصالات، وعدم قدرة كثير من العائلات على الوصول إلى أي جهة قادرة على تزويدها بمعلومة موثوقة.
ومن الناحية القانونية، يضرب هذا النمط من إدارة الاحتجاز جوهر الالتزامات المفروضة على سلطة الاحتلال والقوة القائمة بالاحتجاز. فالقانون الدولي لا يكتفي بحظر التعذيب المباشر، بل يحظر كذلك المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، ويُلزم السلطات بضمان الغذاء الكافي، والرعاية الطبية، والكرامة الإنسانية، والاتصال بالعالم الخارجي، والحماية من العنف والانتقام. كما يفرض القانون الدولي الإنساني على القوة القائمة بالاحتلال واجب معاملة المحتجزين معاملة إنسانية في جميع الأوقات، وحمايتهم من الإكراه، والإهانة، والعنف، والتهديد، والعقوبات الجماعية.
وتؤكد اتفاقية مناهضة التعذيب أن حظر التعذيب مطلق ولا يجوز تقييده أو تعليقه تحت أي ظرف استثنائي، بما في ذلك الحرب أو التهديدات الأمنية أو حالة الطوارئ. كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ويكفل الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي والضمانات القضائية الأساسية. وفي ضوء هذه القواعد، فإن أي سياسة تجعل من الاحتجاز مساحة للعقاب الجماعي، أو تستخدم شروط الحياة اليومية لإيلام الأسرى والمعتقلين، تُعد انتهاكًا مباشرًا لالتزامات إسرائيل الدولية.
ولا يمكن التذرع بالاعتبارات الأمنية لتبرير هذه الممارسات. فالقانون الدولي يميز بوضوح بين إجراءات أمنية مشروعة ومحددة وضرورية ومتناسبة، وبين سياسات انتقامية جماعية تمس الكرامة الإنسانية والحقوق غير القابلة للتصرف. وحتى في حالات النزاع المسلح أو الطوارئ، يبقى حظر التعذيب مطلقًا، وتبقى المعاملة الإنسانية للمحتجزين واجبًا لا يقبل الاستثناء. ومن ثم، فإن تحويل السجون إلى فضاءات للانتقام أو الإذلال لا يمثل خللًا في الإدارة، بل انتهاكًا جوهريًا لقواعد آمرة في القانون الدولي.
إن ما جرى بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر لا يمكن قراءته بوصفه تشديدًا عابرًا في ظروف السجن، بل باعتباره تحولًا بنيويًا في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية نحو نموذج أكثر قسوة وانتقامية، تُستخدم فيه الإدارة اليومية للسجن كأداة للعقاب والإذلال، وتُفرغ فيه الحقوق الأساسية للمحتجزين من مضمونها القانوني والإنساني. وهذا التحول يفرض على المجتمع الدولي التعامل مع ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لا بوصفه ملفًا إنسانيًا هامشيًا، بل بوصفه أحد الميادين المركزية التي تتجسد فيها أنماط التعذيب، والعقاب الجماعي، والإفلات من العقاب.
وعليه، فإن فهم التعذيب في السياق الفلسطيني بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر يتطلب توسيع زاوية النظر من لحظة التحقيق أو الضرب المباشر إلى كامل بنية الاحتجاز. فالسجن، حين يُدار عبر الجوع والبرد والعزل والتهديد والحرمان الطبي، يتحول من مكان لتقييد الحرية إلى أداة لإنتاج الألم. وهذه هي الخلاصة الأخطر في التحول الراهن: أن منظومة الاحتجاز لم تعد تكتفي بسلب الحرية، بل باتت توظف شروط الحياة نفسها كوسيلة للعقاب والتعذيب.
الفصل الثالث:
أنماط التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز
تتعدد أنماط التعذيب وسوء المعاملة التي وثقتها الشهادات المتعلقة بالأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية، لكنها تتقاطع في هدف واحد: كسر إرادة الأسير، وتجريده من الإحساس بالأمان والكرامة، وإعادة تعريف وجوده داخل السجن بوصفه جسدًا خاضعًا للسيطرة الكاملة. ولا يمكن فهم هذه الأنماط بوصفها ممارسات منفصلة أو حوادث متباعدة، إذ إن خطورتها الحقيقية تكمن في تراكمها وتداخلها واستمرارها داخل بيئة احتجاز مغلقة.
فالضرب لا يقع غالبًا بمعزل عن التجويع، والتجويع يتفاقم مع البرد، والبرد يصبح أشد خطرًا مع الحرمان من العلاج، والوضعيات القسرية تصبح أكثر إيلامًا مع الحرمان من النوم واستخدام الحمام. وبذلك لا يكون التعذيب فعلًا واحدًا أو لحظة محددة، بل حالة ممتدة يعيشها الأسير على مدار اليوم، من لحظة الاعتقال أو النقل أو التفتيش، وصولًا إلى الزنزانة أو القسم أو معسكر الاحتجاز.
أولًا: التعذيب الجسدي المباشر
يُعد التعذيب الجسدي المباشر أحد أكثر الأنماط وضوحًا في شهادات الأسرى والمعتقلين. ويشمل الضرب بالعصي، والبنادق، والأحذية، والركل، والصفع، والسحل، واللكم، والدوس على الجسد، والاعتداء أثناء التقييد، والصعق الكهربائي، واستخدام الكلاب، والضغط على أماكن الإصابة أو الجروح، والتسبب المتعمد بآلام حادة في الرأس والظهر والأطراف والمفاصل.
وتظهر الشهادات أن الضرب لا يحدث فقط أثناء التحقيق أو عند لحظة الاعتقال، بل يتكرر في سياقات متعددة: أثناء النقل في مركبات السجون، خلال التفتيش، عند العدّ، أثناء الاقتحامات الليلية للأقسام، عند الخروج للفورة، أو بوصفه عقوبة جماعية ضد قسم كامل. وهذا التكرار في سياقات مختلفة يكشف أن الجسد نفسه أصبح هدفًا لعقوبة مستمرة، لا مجرد وسيلة لانتزاع معلومات أو اعترافات.
وتزداد خطورة التعذيب الجسدي عندما يُمارس بحق فئات هشة، مثل المرضى، وكبار السن، والجرحى، والأطفال، والنساء، والمعتقلين الذين يعانون أمراضًا مزمنة أو إصابات سابقة. ففي هذه الحالات، لا يؤدي الضرب إلى ألم لحظي فقط، بل قد يسبب مضاعفات طويلة الأمد، أو عاهات، أو تدهورًا صحيًا خطيرًا، خصوصًا عندما يقترن بحرمان المعتقل من الفحص الطبي أو العلاج اللازم بعد الاعتداء.
كما أن استخدام الضرب كعقوبة جماعية داخل الأقسام أو أثناء الاقتحامات يحوّل العنف إلى أداة إدارة يومية للسجن. فبدل أن تكون وظيفة الإدارة حماية المحتجزين وضمان سلامتهم، تصبح مصدرًا مباشرًا للخطر عليهم، بما يناقض الالتزام القانوني بمعاملة كل شخص محروم من حريته معاملة إنسانية تحفظ كرامته وسلامته الجسدية والنفسية.
ثانيًا: الوضعيات القسرية والتقييد المؤلم
تشكل الوضعيات القسرية أحد أكثر أساليب التعذيب انتشارًا وقسوة، لأنها لا تعتمد بالضرورة على الضرب المباشر، بل تستخدم جسد الأسير ضد نفسه عبر إجباره على البقاء في وضع مؤلم لفترات طويلة. وتشمل هذه الأساليب الشبح، والوقوف القسري لساعات طويلة، والركوع، والقرفصاء، والجلوس على الكرسي الوهمي، والانحناء القسري، والتقييد الخلفي، وشد الأصفاد بصورة مؤلمة، وتقييد اليدين أو القدمين بطريقة تعيق الدورة الدموية أو تسبب آلامًا حادة في الأعصاب والمفاصل.
وتكمن خطورة هذه الوضعيات في أنها تُحدث ألمًا تدريجيًا ومتصاعدًا في العضلات والمفاصل والظهر والرقبة والأعصاب، وقد تؤدي إلى تنميل، وتورم، وضعف في الحركة، وإصابات عصبية طويلة الأمد. وعندما تُفرض لساعات متواصلة أو تتكرر على مدار أيام، فإنها تتحول إلى وسيلة تعذيب مكتملة الأركان، خصوصًا إذا اقترنت بالضرب، أو الحرمان من النوم، أو منع استخدام الحمام، أو التهديد، أو التعرض للبرد أو الحر الشديد.
ولا يجوز التعامل مع التقييد المؤلم باعتباره إجراءً أمنيًا محايدًا. فالتقييد قد يكون مشروعًا في حالات محددة وضيقة عندما تفرضه ضرورة أمنية فعلية ومؤقتة، لكنه يتحول إلى تعذيب أو معاملة قاسية عندما يُستخدم لإحداث الألم، أو لإذلال المعتقل، أو لإبقائه في وضعية مرهقة دون ضرورة، أو عندما يستمر بعد زوال أي مبرر أمني. وفي شهادات عديدة، يظهر التقييد لا كوسيلة ضبط، بل كأداة لإنتاج الألم والسيطرة النفسية والجسدية.
وتؤكد “تضامن” أن الوضعيات القسرية، حين تُمارس بصورة متكررة أو مطوّلة، لا تقل خطورة عن الضرب المباشر، لأنها تترك آثارًا عميقة يصعب توثيقها دائمًا بالعين المجردة، لكنها تدمّر قدرة الأسير على الحركة والنوم والتنفس الطبيعي، وتجعله في حالة ترقب دائم للألم.
ثالثًا: التعرية والتفتيش العاري والإذلال الجنسي
يمثل التعرية القسرية والتفتيش العاري والإذلال الجنسي نمطًا شديد الخطورة من أنماط التعذيب وسوء المعاملة، لأنه لا يستهدف الجسد فقط، بل يستهدف الكرامة، والخصوصية، والهوية، والإحساس بالأمان. ولا يقتصر هذا النمط على انتهاك حرمة الجسد، بل يستخدم الجسد ذاته كمساحة للسيطرة والإهانة والإخضاع.
وتشمل هذه الممارسات إجبار الأسرى على خلع ملابسهم، التفتيش العاري المهين، إجبارهم على الوقوف أو الجلوس في أوضاع حاطة بالكرامة، السخرية من الجسد، التهديد بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، توجيه ألفاظ جنسية مهينة، نزع الحجاب أو العبث به، تعريض النساء أو الرجال لإهانات تمس الخصوصية الجسدية والجندرية، أو تصوير المعتقلين في أوضاع مهينة بما يشكل تهديدًا مضاعفًا بالابتزاز أو التشهير.
وتزداد خطورة هذا النمط عندما يُستخدم ضد النساء، أو الأطفال، أو الأسرى ذوي الخلفيات الاجتماعية المحافظة، أو عندما يقترن بالتصوير، أو بالتهديد بإرسال الصور للعائلة أو نشرها. ففي هذه الحالات، لا يكون الفعل اعتداءً لحظيًا فقط، بل يتحول إلى أداة لإنتاج الخوف والعار والوصم الاجتماعي، وهي آثار قد تستمر طويلًا بعد انتهاء الاحتجاز.
وتؤكد تضامن أن العنف الجنسي لا يقتصر على الاغتصاب بالمعنى الضيق، بل يشمل كل فعل أو تهديد أو سلوك يستهدف الجسد أو الخصوصية الجنسية أو الجندرية بقصد الإهانة أو السيطرة أو الإخضاع أو التخويف. وبموجب القانون الدولي: تشكل هذه الأفعال تعذيبًا أو معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة عندما تُمارس من موظفين رسميين أو بموافقتهم أو بعلمهم أو في بيئة تسمح بالإفلات من العقاب.
رابعًا: التعذيب النفسي والتهديدات والإذلال المعنوي
لا يقل التعذيب النفسي خطورة عن التعذيب الجسدي، بل قد تكون آثاره أكثر امتدادًا وأصعب في العلاج والتوثيق. ويشمل هذا النمط التهديد بالقتل، والتهديد بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي، والتهديد باعتقال أو إيذاء أفراد العائلة، والسبّ والشتم، والإهانات الدينية والوطنية، والتحقير المتكرر، وإجبار الأسرى على سماع صرخات معتقلين آخرين أثناء تعذيبهم، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي، والحرمان من معرفة المصير أو مكان الاحتجاز.
ويعمل التعذيب النفسي على ضرب إحساس الأسير بالأمان والسيطرة على ذاته. فعندما يُترك المعتقل دون معرفة مصيره، أو يُمنع من الاتصال بمحاميه وعائلته، أو يُهدد بإيذاء أحبته، فإنه يعيش حالة خوف مستمرة لا تقل ألمًا عن الإيذاء الجسدي. وفي كثير من الحالات، يُستخدم هذا النوع من التعذيب لإضعاف المقاومة النفسية للأسير، ودفعه إلى الانهيار أو الاعتراف أو الخضوع أو فقدان الإحساس بالكرامة.
ويُعد الحرمان من النوم أحد أخطر أشكال التعذيب النفسي والجسدي في آن واحد. فالنوم حاجة بيولوجية أساسية، وحرمان الإنسان منه لفترات طويلة يؤدي إلى إنهاك شديد، واضطراب في التركيز، وانهيار نفسي، وتهيج عصبي، وتدهور في الصحة الجسدية. وعندما يُستخدم الحرمان من النوم بصورة متعمدة أو متكررة، سواء عبر الإضاءة المستمرة، أو الضجيج، أو الاقتحامات الليلية، أو التحقيق المتواصل، فإنه يشكل معاملة قاسية و يرقى إلى التعذيب.
كما أن العزل الانفرادي، خصوصًا عندما يمتد لفترات طويلة أو يُستخدم كعقوبة، يُعد من أشد الممارسات أثرًا على الصحة النفسية. فالعزل يحرم الأسير من التواصل الإنساني، ويزيد مشاعر الخوف والقلق وفقدان الزمن، ويؤدي إلى اكتئاب حاد في كثير من الحالات، وهلاوس، واضطرابات نوم، وأفكار إيذاء الذات. وتزداد خطورته عندما يُفرض على أطفال، أو مرضى، أو أشخاص يعانون من هشاشة نفسية أو صحية.
خامسًا: التعذيب البيئي والمعيشي
يقصد بالتعذيب البيئي أو المعيشي استخدام ظروف الاحتجاز ذاتها كأداة عقاب وإيلام، بحيث يصبح المكان الذي يُفترض أن يضمن الحد الأدنى من الحياة الإنسانية مصدرًا دائمًا للمعاناة. ويشمل ذلك البرد الشديد، والحرارة المرتفعة، والظلام أو الإضاءة المستمرة، والاكتظاظ، والقذارة، وانتشار الحشرات، ومنع الاستحمام، ومنع أدوات النظافة، ومصادرة الفراش والأغطية، وتقليص الطعام، وسوء نوعيته، وحرمان الأسرى من الملابس الكافية.
هذا النمط قد يبدو أقل مباشرة من الضرب، لكنه أكثر استمرارية وخطورة، لأنه يحول كل لحظة داخل السجن إلى تجربة إذلال واستنزاف. فالأسير لا يتعرض للألم في لحظة محددة فقط، بل يعيش داخل بيئة مصممة لإضعاف جسده ونفسيته بشكل يومي. ومع الوقت، يؤدي هذا الحرمان المتواصل إلى فقدان الوزن، والهزال، وضعف المناعة، وانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية، واضطرابات النوم، وتدهور الصحة النفسية.
وتبرز خطورة هذا النمط بصورة خاصة عندما يُستخدم البرد أو الحر أو الجوع أو القذارة لإخضاع الأسرى أو معاقبتهم جماعيًا. فالحرمان من بطانية أو فراش أو حمام أو وجبة كافية ليس تفصيلًا إداريًا بسيطًا، بل قد يكون جزءًا من سياسة إذلال ممنهجة عندما يُمارس على نطاق واسع وبصورة متكررة. وتؤكد تضامن أن البيئة المعيشية القاسية، عندما تكون نتيجة قرار أو سياسة أو إهمال متعمد، تدخل ضمن نطاق المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.
سادسًا: التجويع والحرمان الغذائي
يشكل التجويع وتقليص الغذاء أحد أخطر أنماط سوء المعاملة التي تصاعدت داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لأنه يمس مباشرة الحق في الحياة والصحة والسلامة الجسدية. ولا يقتصر الحرمان الغذائي على تقليل كمية الطعام، بل يشمل تردي نوعيته، وحرمان الأسرى من مكونات غذائية أساسية، ومنعهم من الوصول إلى الكانتينا أو المكملات الضرورية، وفرض وجبات لا تكفي للاحتياجات اليومية، خصوصًا للمرضى وكبار السن والجرحى.
وتظهر خطورة التجويع في آثاره الجسدية الواضحة: فقدان حاد في الوزن، هزال، ضعف عام، دوخة، إغماء، تراجع في الكتلة العضلية، ضعف في المناعة، وتفاقم الأمراض المزمنة. وعندما يُفرج عن أسرى وقد تبدلت ملامح أجسادهم بصورة حادة، فإن هذه الصور لا تعكس معاناة فردية فقط، بل تقدم مؤشرًا بصريًا على سياسة حرمان غذائي أوسع.
والغذاء داخل السجن ليس امتيازًا، بل حق أساسي والتزام قانوني على السلطة القائمة بالاحتجاز. وعندما يُستخدم الطعام كوسيلة للضغط أو العقاب أو الإذلال، فإنه يصبح جزءًا من منظومة التعذيب، خصوصًا إذا ترافق مع الضرب، والحرمان من العلاج، والبرد، والإجهاد، ومنع التواصل مع العالم الخارجي.
سابعًا: الحرمان الطبي والإهمال الصحي المتعمد
يمثل الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد أحد أكثر أنماط التعذيب بطئًا وخطورة. فالأسير المريض أو الجريح يكون في وضع اعتماد كامل على إدارة السجن للحصول على الدواء والفحص والعلاج والتحويل الطبي. وعندما تمتنع السلطة القائمة بالاحتجاز عن توفير الرعاية، أو تؤخرها، أو تتجاهل الشكاوى، أو تكتفي بمسكنات شكلية، فإنها تجعل المرض نفسه أداة للعقاب.
ويشمل الحرمان الطبي منع الدواء عن أصحاب الأمراض المزمنة، تأخير نقل الحالات الخطيرة إلى المستشفى، تجاهل الإصابات الناتجة عن الضرب، عدم توفير فحوصات مناسبة، حرمان الجرحى من العلاج التأهيلي، الإهمال في علاج الأمراض الجلدية والتنفسية والهضمية، وعدم مراعاة احتياجات النساء الصحية، بما في ذلك الحوامل أو الأسيرات اللواتي يحتجن إلى رعاية خاصة.
ولا يجوز التعامل مع الإهمال الطبي داخل السجن بوصفه خللًا إداريًا فقط. ففي بيئة مغلقة تسيطر فيها إدارة السجن على كل تفاصيل حياة المعتقل، يصبح الامتناع عن العلاج قرارًا ذا أثر مباشر على الحق في الحياة والسلامة الجسدية. وعندما يؤدي الحرمان الطبي إلى تفاقم الألم أو الإصابة أو المرض، فإنه يمكن أن يشكل معاملة قاسية أو لا إنسانية، ويرقى إلى التعذيب إذا توافر القصد أو العلم بالمعاناة الناتجة عنه.
ثامنًا: العزل والحرمان من الاتصال بالعالم الخارجي
يُعد العزل عن العالم الخارجي أحد أخطر العوامل التي تسمح باستمرار التعذيب وسوء المعاملة. فحرمان الأسير من زيارة عائلته، أو الاتصال بمحاميه، أو معرفة حقوقه، أو التواصل مع جهة مستقلة، لا يسبب معاناة نفسية فقط، بل يزيل الضمانات التي يمكن أن تكشف التعذيب أو توقفه.
وتزداد خطورة العزل عندما يقترن بحجب مكان الاحتجاز أو منع المعلومات عن العائلة، كما في حالات عدد من معتقلي غزة أو المحتجزين في معسكرات مغلقة. ففي هذه الحالات، يعيش المعتقل في حالة انقطاع شبه كامل، وتعيش عائلته في حالة قلق دائم بشأن مصيره وصحته وحياته. ويخلق هذا الانقطاع بيئة مناسبة للإخفاء، والإنكار، والتعذيب، والإفلات من المساءلة.
إن الاتصال بالمحامي والعائلة والرقابة المستقلة ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل ضمانة جوهرية ضد التعذيب. وكلما طال العزل، زادت احتمالات وقوع الانتهاكات وصعوبة توثيقها، خصوصًا في ظل غياب زيارات منتظمة وفعالة من جهات مستقلة.
تاسعًا: النقل القاسي والتنكيل أثناء البوسطة
يمثل النقل بين السجون أو إلى المحاكم والمراكز الطبية، المعروف بين الأسرى بـالبوسطة، أحد الفضاءات التي تتكرر فيها الانتهاكات. فبدل أن يكون النقل إجراءً إداريًا محايدًا، يتحول في كثير من الشهادات إلى رحلة تنكيل وإرهاق وإذلال، تشمل التقييد المؤلم لساعات طويلة، والجلوس في أوضاع قاسية، والحرمان من الطعام والماء والحمام، والبرد أو الحر داخل المركبات، والضرب أو الشتم أثناء النقل.
وتزداد خطورة هذا النمط عندما يكون المنقولون مرضى أو كبار سن أو جرحى أو أطفالًا، أو عندما يتم نقل الأسير لمسافات طويلة دون مراعاة وضعه الصحي. وفي هذه الحالات، لا يصبح النقل مجرد وسيلة انتقال، بل امتدادًا للتعذيب داخل السجن، وجزءًا من منظومة الإيلام اليومية.
عاشرًا: العقوبات الجماعية داخل الأقسام
تتكرر في شهادات الأسرى ممارسات العقاب الجماعي، حيث تُفرض عقوبات على قسم كامل أو مجموعة من الأسرى بسبب فعل منسوب إلى فرد أو نتيجة توتر داخل السجن. وتشمل هذه العقوبات مصادرة الأغطية، تقليص الطعام، منع الفورة، إغلاق الأقسام، اقتحام الغرف، الضرب الجماعي، منع الكانتينا، منع الزيارة، أو فرض قيود إضافية على الحركة والنظافة.
ويحظر القانون الدولي العقوبات الجماعية، لأنها تنقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة، وتستخدم الألم الجماعي كوسيلة ردع وانتقام. وفي سياق السجون الإسرائيلية، يشكل العقاب الجماعي أحد المؤشرات الواضحة على أن إدارة السجن لا تتعامل مع الأسرى كأفراد ذوي حقوق، بل كجماعة مستهدفة بالإخضاع.
خلاصة الفصل
تؤكد تضامن أن الجمع بين هذه الأساليب داخل منظومة واحدة يجعل من السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية بيئة تعذيب مركّبة. فالانتهاك لا يُقاس فقط بالفعل المنفرد، بل بتراكم الأفعال وتداخلها واستمرارها. أسير جائع، محروم من النوم، مقيّد، مضروب، بارد، معزول، وممنوع من العلاج، يعيش حالة تعذيب مستمرة حتى لو لم يكن داخل غرفة تحقيق في تلك اللحظة.
وبناءً على ذلك، فإن توصيف ما يجري داخل السجون بوصفه سوء معاملة فقط لا يعكس خطورة النمط ولا طبيعته المركبة. فالواقع الذي تكشفه الشهادات والمعطيات يشير إلى منظومة متكاملة تستخدم الجسد، والغذاء، والدواء، والنوم، والخصوصية، والعائلة، والبيئة المعيشية، كأدوات للسيطرة والإيلام. وهذا ما يجعل التعذيب في السياق الفلسطيني بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 ممارسة ممتدة داخل بنية الاحتجاز، لا مجرد فعل منفصل يقع في لحظة تحقيق.
الفصل الرابع:
التجويع وسوء التغذية بوصفهما أداة تعذيب وإخضاع
لم يعد التجويع داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية مجرد نتيجة جانبية لرداءة الإدارة أو ضعف الموارد أو اضطراب ظروف الاحتجاز، بل أصبح، وفق الشهادات المتكررة والمعطيات الحقوقية المتراكمة، إحدى السمات الأساسية لمرحلة ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. فقد تحدث أسرى محررون عن وجبات قليلة ورديئة، ونقص حاد في البروتين، وحرمان من الفواكه والخضروات، وتقليص أو منع الكانتينا، وتراجع كميات الطعام إلى مستويات لا تكفي للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية، خصوصًا في ظل البرد، والاكتظاظ، والضرب، والحرمان من العلاج.
وتنظر “تضامن” إلى التجويع داخل السجون لا بوصفه انتهاكًا معزولًا للحق في الغذاء فقط، بل بوصفه أداة مركبة للإخضاع والسيطرة. فالأسير المحروم من الطعام الكافي لا يفقد وزنه فحسب، بل يفقد تدريجيًا قدرته على مقاومة المرض، وتحمل البرد، والوقوف، والحركة، والنوم، والتعافي من الإصابات. وحين يُمارس التجويع داخل بيئة احتجاز مغلقة، تسيطر فيها إدارة السجن على كل تفاصيل الحياة، يصبح الطعام وسيلة مباشرة للضغط والعقاب والإذلال.
إن خطورة التجويع تكمن في أنه لا يظهر دائمًا كفعل عنيف مباشر كحال الضرب أو الصعق أو الشبح، لكنه يفتك بالجسد ببطء وبصورة تراكمية. فالجوع المتواصل يؤدي إلى فقدان الوزن، وتراجع الكتلة العضلية، وضعف المناعة، وفقر الدم، والدوخة، والإغماء، واضطراب التركيز، وتدهور القدرة على الحركة، وزيادة قابلية الجسم للالتهابات والأمراض. وعندما يتعرض الأسير في الوقت نفسه للحرمان من النوم، والوضعيات القسرية، والبرد، والإهمال الطبي، فإن سوء التغذية يتحول إلى عامل مضاعف للتعذيب، لا مجرد نتيجة صحية ثانوية.
ويزداد هذا الخطر بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأسرى المرضى، وكبار السن، والجرحى، والأطفال، والنساء، والحوامل، وأصحاب الأمراض المزمنة. فهذه الفئات تحتاج أصلًا إلى غذاء متوازن ورعاية صحية منتظمة، وأي تقليص في الطعام أو البروتين أو السوائل أو العناصر الغذائية الأساسية يضاعف احتمالات الانهيار الصحي. وفي هذه الحالات، لا يكون التجويع مجرد حرمان غذائي، بل تعريضًا متعمدًا أو متوقعًا لخطر جسدي ونفسي جسيم.
ولا يمكن فصل التجويع عن منظومة العقوبات الأخرى داخل السجون. فمصادرة الأغطية، وتقليص الفورة، ومنع الاستحمام، وحرمان الأسرى من الكانتينا، ومنع العلاج، وتشديد التفتيش والضرب، كلها تجعل الجوع أكثر قسوة. فالأسير الجائع يصبح أكثر هشاشة أمام البرد، وأكثر عرضة للإغماء أثناء الوقوف أو النقل، وأقل قدرة على تحمل التقييد أو الوضعيات القسرية، وأبطأ تعافيًا من الجروح والكدمات. لذلك فإن التجويع، في سياق الاحتجاز، لا يعمل وحده، بل يصبح جزءًا من شبكة عقابية متكاملة تهدف إلى إنهاك الجسد وكسر الإرادة.
وتُظهر صور الأسرى بعد الإفراج أهمية هذا النمط وخطورته. فالهزال الحاد، وفقدان الوزن بصورة كبيرة، وتراجع الكتلة العضلية، واصفرار الوجه، والضعف الواضح، وعدم القدرة على الوقوف أو الحركة بصورة طبيعية، لا يمكن قراءتها كأعراض صحية منفصلة عن واقع الاحتجاز. وعندما تتكرر هذه الآثار لدى أسرى متعددين خرجوا من سجون ومراكز احتجاز مختلفة، فإنها تتحول من مؤشرات فردية إلى دليل بصري على نمط واسع من الحرمان الغذائي وسوء التغذية.
ولا تكمن أهمية الصور فقط في إظهار الفارق بين الجسد قبل الاعتقال وبعد الإفراج، بل في كشف ما تحاول منظومة الاحتجاز إخفاءه خلف الجدران. فالجسد المرهق والهزيل يصبح شاهدًا على ظروف الطعام، والبرد، والحرمان، والعنف، والإهمال الطبي. وهذه الأدلة البصرية، حين تقترن بالشهادات الطبية والحقوقية، تعزز الاستنتاج بأن سوء التغذية داخل السجون ليس حدثًا عرضيًا، بل نتيجة متوقعة لسياسات وإجراءات طالت كمية الطعام ونوعيته وإمكانية الوصول إليه.
كما أن التجويع يحمل أثرًا نفسيًا لا يقل قسوة عن أثره الجسدي. فالطعام في السجن ليس حاجة بيولوجية فقط، بل أحد آخر عناصر السيطرة على الحياة اليومية والكرامة الإنسانية. وحين يتحول الطعام إلى أداة بيد السجان، يُمنح أو يُمنع أو يُقلص أو يُستخدم للابتزاز والعقاب، يشعر الأسير بأن جسده ذاته أصبح تحت رحمة السلطة القائمة بالاحتجاز. وهذا الإحساس بالعجز الكامل أمام الجوع يمثل أحد أشكال الإذلال العميق، خصوصًا عندما يُستخدم التجويع مع الشتائم، والتهديد، والمنع من الشكوى، أو السخرية من حالة الضعف والهزال.
ومن الناحية القانونية، يفرض القانون الدولي على أي سلطة قائمة بالاحتجاز واجب توفير الغذاء الكافي والماء والرعاية الصحية والظروف المعيشية التي تحفظ الكرامة الإنسانية. ولا يجوز التعامل مع الطعام باعتباره امتيازًا أو أداة تأديبية. فحرمان المحتجزين من الغذاء الكافي، أو تقليصه بصورة تمس الصحة، أو استخدامه كوسيلة عقاب أو ضغط، يشكل انتهاكًا للمعايير الدولية الخاصة بمعاملة السجناء والمحتجزين، ويدخل في نطاق المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، ويبلغ مستوى التعذيب عندما يتوافر القصد في إحداث الألم أو المعاناة أو الإخضاع أو العقاب أو التمييز.
وتؤكد اتفاقية مناهضة التعذيب أن التعذيب لا يقتصر على الضرب أو الاعتداء الجسدي المباشر، بل يشمل كل فعل ينتج عنه ألم أو معاناة شديدة، جسدية أو نفسية، عندما يقع على يد موظف رسمي أو بموافقته أو بسكوته، ولغرض مثل العقاب أو التخويف أو الإكراه أو التمييز. وبناءً على ذلك، فإن سياسة غذائية تؤدي عمدًا أو بعلم السلطات إلى الهزال، والضعف، والانهيار الصحي، وتُستخدم في سياق أوسع من الانتقام الجماعي، تندرج ضمن مفهوم التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية عندما تتوافر عناصر القصد والمعاناة والسيطرة الرسمية.
كما أن اتفاقية جنيف الرابعة تلزم القوة القائمة بالاحتلال بمعاملة المحميين والمحتجزين معاملة إنسانية، وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم، وحمايتهم من العنف والإكراه والعقوبات الجماعية. ولا يمكن لأي ذريعة أمنية أن تبرر تجويع الأسرى أو تقليص غذائهم أو حرمانهم من احتياجاتهم الأساسية. فحظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية حظر مطلق، ولا يسقط في حالات الحرب أو الطوارئ أو التوتر الأمني.
وتشدد “تضامن” على أن التجويع داخل السجون يجب ألا يُفصل عن سياسة العقاب الجماعي الأوسع التي طالت الأسرى الفلسطينيين بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فحين يُستهدف الأسرى كجماعة، وتُفرض عليهم قيود غذائية عامة، وتُمنع أو تُقلص أدواتهم الأساسية، وتُستخدم حاجاتهم اليومية كوسائل للضغط، فإن ذلك يعزز شبهة وجود سياسة عقابية جماعية لا إجراءات فردية مؤقتة. وهذا يضع المسؤولية ليس فقط على من يطبقون هذه الإجراءات داخل السجون، بل على المستويات الإدارية والسياسية التي أقرتها أو سمحت باستمرارها أو امتنعت عن وقفها.
وترى “تضامن” أن أي تحقيق دولي جاد في أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يجب أن يشمل النظام الغذائي داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز بوصفه عنصرًا مركزيًا في تقييم التعذيب وسوء المعاملة. ويجب أن يفحص التحقيق كميات الطعام المقدمة للأسرى، نوعيته، عدد الوجبات، التغيرات التي طرأت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، مدى توفر البروتين والخضروات والفواكه، وضع الكانتينا، احتياجات المرضى والحوامل وكبار السن، ومدى وجود تعليمات أو قرارات إدارية أدت إلى تقليص الغذاء أو استخدامه كوسيلة عقاب.
كما يجب أن يشمل التحقيق توثيق عدد الأسرى الذين فقدوا وزنًا كبيرًا خلال الاحتجاز، والحالات التي احتاجت إلى علاج بعد الإفراج بسبب سوء التغذية أو فقر الدم أو الهزال أو ضعف المناعة، والحالات التي تعرضت للإغماء أو الانهيار الصحي، والعلاقة بين تقليص الطعام وارتفاع الإصابات أو الوفيات أو التدهور الصحي داخل السجون وبعد الإفراج. فهذه المعطيات ضرورية لإثبات أن التجويع لم يكن حالة فردية، بل نمطًا قابلًا للقياس والمساءلة.
وتؤكد تضامن أن مساندة ضحايا التعذيب تقتضي الاعتراف بالتجويع بوصفه شكلًا من أشكال العنف المؤسسي، لا مجرد تفصيل معيشي داخل السجن. فالأسير الذي يخرج من السجن فاقدًا جزءًا كبيرًا من وزنه، عاجزًا عن الوقوف، أو مصابًا بمضاعفات سوء التغذية، يحمل في جسده شهادة على سياسة حرمان ممنهجة. وإنصاف هؤلاء الضحايا يبدأ من توثيق آثار التجويع، وتأمين العلاج والتأهيل لهم، ومساءلة من جعلوا الطعام أداة للعقاب والإخضاع.
وعليه، فإن التجويع وسوء التغذية داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية يمثلان أحد أخطر وجوه التعذيب البطيء. فهو تعذيب لا يحتاج دائمًا إلى غرفة تحقيق أو أداة ضرب، بل يكفي أن تُترك أجساد الأسرى في حالة جوع مستمر، داخل بيئة باردة ومغلقة ومكتظة، محرومة من العلاج والرقابة والكرامة. وفي هذا المعنى، يصبح الجوع سياسة، ويصبح الجسد الفلسطيني المحتجز ساحة لعقاب يومي ممنهج.
الفصل الخامس: الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد
يشكل الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد أحد أخطر أوجه التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز، لأنه يحوّل المرض والإصابة والألم إلى أدوات عقاب وإخضاع. فالأسير المريض أو الجريح لا يحتاج فقط إلى وقف الألم أو تلقي دواء مؤقت، بل يحتاج إلى حماية خاصة بحكم كونه محرومًا من حريته وخاضعًا بالكامل لسيطرة سلطة الاحتجاز. وفي هذه الحالة، لا يستطيع الأسير اختيار طبيبه، أو شراء دوائه، أو مغادرة السجن إلى المستشفى، أو حماية نفسه من تفاقم المرض، بل تصبح حياته وصحته مرهونة بقرار إدارة السجن.
ومن هنا، فإن مسؤولية سلطة الاحتجاز لا تقتصر على عدم الاعتداء على الأسير، بل تشمل واجبًا إيجابيًا بتوفير الرعاية الصحية الملائمة، والفحص الطبي المنتظم، والعلاج المتخصص، والغذاء المناسب، والأدوات الطبية الضرورية، ونقل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات دون تأخير. وعندما تعلم إدارة السجن بمرض الأسير أو إصابته، ثم تمتنع عن علاجه، أو تؤخر نقله، أو تصادر أدواته الطبية، أو تتجاهل آلامه المتكررة، فإنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن تفاقم حالته وما يترتب عليها من مضاعفات أو إعاقات أو وفاة.
وتؤكد الشهادات المتكررة أن الحرمان الطبي داخل السجون الإسرائيلية لا يظهر بوصفه خللًا إداريًا معزولًا، بل كجزء من منظومة أوسع من الإيلام والسيطرة. فقد وثق أسرى ومحررون أنماطًا متعددة من الحرمان الطبي، من بينها منع الأدوية المزمنة، أو تقليصها، أو إعطاؤها بصورة غير منتظمة؛ تجاهل الجروح والكدمات والكسور الناتجة عن الضرب؛ تأخير النقل إلى العيادات أو المستشفيات؛ الامتناع عن إجراء الفحوصات اللازمة؛ مصادرة النظارات والأحذية الطبية والأجهزة المساعدة؛ ترك المصابين والمرضى دون متابعة؛ حرمان المرضى من الغذاء المناسب؛ وعدم مراقبة حالات الضغط والسكري والقلب والسرطان والأمراض التنفسية والهضمية والجلدية.
ولا يقتصر الإهمال الطبي على الامتناع المباشر عن العلاج، بل يشمل أيضًا تقديم رعاية شكلية لا تستجيب لحقيقة الحالة الصحية. فالاكتفاء بمسكنات عامة لمريض يحتاج إلى فحوصات، أو إعادة أسير مصاب إلى الزنزانة دون علاج، أو تجاهل أعراض خطيرة مثل النزيف، أو الإغماء، أو فقدان الوزن الحاد، أو آلام الصدر، أو صعوبة التنفس، يمثل نمطًا من الاستهانة بحياة المحتجز وسلامته. وفي بيئة مغلقة كالاحتجاز، يتحول هذا السلوك إلى خطر مضاعف، لأن كل تأخير في العلاج يقع داخل نطاق سيطرة السلطة نفسها.
إن الحرمان الطبي يتحول إلى تعذيب عندما يُستخدم الألم وسيلة للضغط أو العقاب أو الإذلال. فالأسير الذي يُترك ينزف، أو يتألم، أو يفقد وعيه، أو ينهار صحيًا دون تدخل فعلي، لا يتعرض فقط لإهمال طبي، بل لعقوبة بدنية ونفسية مستمرة. وكلما طال وقت الامتناع عن العلاج، وكلما كانت إدارة السجن على علم بالحالة، وكلما ظهرت مضاعفات واضحة، ازدادت المسؤولية القانونية عن النتائج اللاحقة.
وتزداد خطورة الحرمان من العلاج عندما يقترن بعناصر أخرى من بيئة التعذيب، مثل التجويع، والبرد، والعزل، والضرب، والتقييد المؤلم، والحرمان من النوم. فالأسير المصاب لا يستطيع التعافي دون غذاء كافٍ. والمريض المزمن يتدهور بسرعة إذا حُرم من الدواء أو النظام الغذائي المناسب. والجريح الذي يُترك في زنزانة باردة أو قذرة دون علاج يكون معرضًا للالتهاب والمضاعفات. وبذلك لا يكون الإهمال الطبي فعلًا منفصلًا، بل جزءًا من سلسلة مترابطة تؤدي إلى إنهاك الجسد وإضعافه تدريجيًا.
وتبرز أهمية هذا النمط بصورة خاصة في حالات الأسرى الذين ينهارون صحيًا بعد الإفراج مباشرة. فالإغماء، والنزيف، والهزال الحاد، وفقدان القدرة على الوقوف، والحاجة إلى عمليات جراحية أو علاج عاجل، كلها مؤشرات يجب التحقيق فيها بوصفها نتائج محتملة لما وقع داخل الاحتجاز. ولا يجوز التعامل مع الإفراج بوصفه نهاية للمسؤولية القانونية، لأن آثار الحرمان الطبي والتجويع والضرب تظهر في كثير من الحالات بعد أيام أو أسابيع، وقد تكون امتدادًا مباشرًا للانتهاكات التي تعرض لها الأسير خلال فترة احتجازه.
كما أن صور الأسرى المفرج عنهم، حين تظهر عليهم علامات الهزال، والضعف، والاصفرار، والإعياء، وآثار الضرب أو الإهمال، تمثل أدلة بصرية مهمة على فشل منظومة الاحتجاز في حماية الصحة والحياة. وهذه الصور لا تكفي وحدها لإثبات كل تفاصيل الانتهاك، لكنها تفرض واجب التحقيق الطبي والقانوني، لا سيما عندما تتكرر لدى أسرى متعددين ومن سجون ومراكز احتجاز مختلفة.
ويشمل الحرمان الطبي أيضًا تجاهل الاحتياجات الخاصة للفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن، والمرضى المزمنين، والجرحى، والأطفال، والأسيرات، والحوامل، وذوي الإعاقة، والمصابين بأمراض نفسية أو عصبية. فهذه الفئات تحتاج إلى رعاية مضاعفة لا إلى تشديد إضافي. وأي امتناع عن توفير احتياجاتها الصحية، أو تعريضها للعزل والضرب والجوع والبرد، يشكل انتهاكًا خطيرًا للكرامة الإنسانية، ويضاعف احتمالات التدهور الصحي والوفاة.
وتؤكد “تضامن” أن الحق في الصحة داخل السجن ليس امتيازًا أو منحة من إدارة السجن، بل حق أصيل والتزام قانوني. فسلطة الاحتلال، بصفتها سلطة قائمة بالاحتجاز، ملزمة بتوفير الرعاية الطبية للمعتقلين دون تمييز، وبضمان فحص طبي مستقل وفعال، ونقل الحالات الخطيرة إلى المستشفيات، وتوفير الأدوية اللازمة، ومتابعة الحالات المزمنة، وتمكين الأسرى من العلاج والتأهيل. كما أن القانون الدولي يحظر استخدام المرض أو الألم كوسيلة عقاب أو ضغط أو انتقام.
ومن الناحية القانونية، يدخل الحرمان المتعمد من العلاج في نطاق المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، ويرقى إلى التعذيب عندما يقترن بالقصد العقابي أو الإخضاعي، أو عندما تعلم السلطات بأن الامتناع عن العلاج يسبب ألمًا أو معاناة شديدة وتستمر رغم ذلك في منع الرعاية. وهذا ينطبق بصورة خاصة عندما يكون الحرمان الطبي جزءًا من سياسة أوسع تشمل التجويع، والعزل، والضرب، ومنع الزيارات، وغياب الرقابة المستقلة.
وتنص المعايير الدولية لمعاملة السجناء، بما فيها قواعد نيلسون مانديلا، على أن الرعاية الصحية للمحتجزين يجب أن تكون مكافئة للرعاية المتاحة في المجتمع، وأن تُقدَّم دون تمييز، وأن يتمتع العاملون الصحيون داخل السجون باستقلال مهني وأخلاقي. كما تحظر اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كل أشكال التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. أما اتفاقية جنيف الرابعة فتفرض على القوة القائمة بالاحتلال واجب حماية المحتجزين وتوفير الرعاية الطبية لهم ومعاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات.
وتشدد “تضامن” على مسؤولية الطواقم الطبية العاملة داخل منظومة الاحتجاز. فالطبيب أو الممرض داخل السجن ليس جزءًا من جهاز العقاب، ولا يجوز أن يتحول إلى أداة لتبرير التعذيب أو تغطيته. واجبه الأول هو حماية المريض، وتوثيق الإصابات، وتقديم العلاج، وطلب النقل الطبي عند الحاجة، ورفض المشاركة في أي ممارسة قسرية أو مهينة. والصمت الطبي أمام التعذيب، أو تجاهل شكاوى الأسرى، أو إعادة الأسير إلى التحقيق رغم إصابته، أو الامتناع عن توثيق آثار الضرب، يمثل مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في استمرار الجريمة.
ولا تقل خطورة التواطؤ الطبي عن الإهمال الإداري. فعندما تُستخدم العيادة داخل السجن كآلية لإعادة الأسير إلى الزنزانة أو التحقيق بدل حمايته، وعندما تُخفى الإصابات أو تُسجل بصورة مضللة، وعندما يُحرم الأسير من تقرير طبي مستقل، فإن المنظومة الطبية تفقد دورها الحامي وتتحول إلى جزء من بنية الإفلات من العقاب. وهذا يفرض ضرورة التحقيق ليس فقط مع عناصر السجن أو المحققين، بل أيضًا مع كل من ساهم في إخفاء الانتهاكات أو منع توثيقها طبيًا.
وترى “تضامن” أن أي تحقيق دولي في أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يجب أن يشمل ملف الرعاية الصحية داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز بوصفه عنصرًا مركزيًا في تقييم التعذيب وسوء المعاملة. وينبغي أن يفحص التحقيق مدى توفر الأدوية، وسجلات العيادات، وآليات نقل المرضى، وعدد الحالات التي تدهورت صحيًا داخل السجن، وعدد الأسرى الذين احتاجوا إلى علاج عاجل بعد الإفراج، وحالات الوفاة أو الإغماء أو النزيف أو العمليات الجراحية اللاحقة، ومدى ارتباطها بفترة الاحتجاز.
كما يجب تمكين أطباء مستقلين من فحص الأسرى المرضى والجرحى، وتوثيق آثار التعذيب والإهمال وفق المعايير الدولية، وضمان حصول المفرج عنهم على برامج علاج وتأهيل جسدي ونفسي. فالحق في الإنصاف لا يكتمل بمجرد الإفراج عن الأسير، بل يتطلب معالجة آثار الانتهاك، وتعويض الضحايا، ومحاسبة المسؤولين، وضمان عدم تكرار الممارسات التي أدت إلى التدهور الصحي.
وتؤكد تضامن أن الإهمال الطبي المتعمد داخل السجون الإسرائيلية يمثل أحد أشكال التعذيب البطيء. فهو لا يحتاج دائمًا إلى أداة ضرب أو غرفة تحقيق؛ يكفي أن يُترك المريض دون علاج، وأن يُمنع الدواء، وأن تُهمل الجروح، وأن يُستخدم الألم وسيلة لكسر الإرادة. وفي هذا المعنى، يصبح المرض داخل السجن ساحة للعقاب، ويصبح الامتناع عن العلاج فعلًا منظمًا يمس الحق في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية والنفسية.
الفصل السادس:
الصور قبل الاعتقال وبعد الإفراج كأدلة بصرية على التعذيب والتجويع
تمثل الصور المتداولة لعدد من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين قبل اعتقالهم وبعد الإفراج عنهم وثائق بصرية خطيرة تكشف الأثر الجسدي المباشر لسياسات التجويع، والتعذيب، وسوء المعاملة، والحرمان من العلاج داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية. فالصورة، في هذا السياق، لا تعمل بوصفها مادة إعلامية مؤثرة فقط، بل تتحول إلى قرينة حقوقية وقانونية قابلة للتحليل، خاصة عندما تُقرأ إلى جانب شهادة الأسير، ومدة الاعتقال، ومكان الاحتجاز، والسجلات الطبية، والفحوصات اللاحقة للإفراج.
وتكمن أهمية هذه الصور في أنها تجعل آثار الاحتجاز مرئية. فالتعذيب لا يترك دائمًا وثيقة مكتوبة، والإهمال الطبي لا يُسجل دائمًا في ملف رسمي، والتجويع قد يُنفذ داخل جدران مغلقة بعيدًا عن الرقابة. لكن الجسد الخارج من السجن يحمل آثار ما جرى داخله: هزال شديد، فقدان وزن واضح، تراجع في الكتلة العضلية، شحوب، ضعف عام، صعوبة في الوقوف أو الحركة، آثار كدمات أو إصابات، تدهور في الملامح، وانكسار بدني لا يمكن فصله عن ظروف الاحتجاز.
وعندما تُقارن صور ما بعد الإفراج بصور ما قبل الاعتقال، تصبح الفجوة الجسدية نفسها مؤشرًا بالغ الأهمية. فالتحول الحاد في شكل الأسير ووزنه وقدرته الجسدية لا يمكن التعامل معه كمسألة شكلية أو صحية عابرة، خصوصًا عندما يتكرر لدى عدد من الأسرى الخارجين من سجون ومراكز احتجاز مختلفة. وفي هذه الحالة، لا تعكس الصور حالة فردية فقط، بل تشير إلى نمط أوسع من الحرمان الغذائي، والإنهاك البدني، والإهمال الطبي، والتعذيب البطيء.
وتؤكد تضامن أن الصورة، وإن لم تكفِ وحدها لإثبات كل تفاصيل الانتهاك، تمثل قرينة قوية تفرض واجب التحقيق لإثبات كل تفاصيل الانتهاك أو تحديد المسؤول الفردي عنه، لكنها تؤكد أن الصور تمثل دليلًا مساعدًا بالغ الأهمية، يفرض واجب التحقيق لا التجاهل. فحين يظهر الأسير بعد الإفراج في حالة هزال أو انهيار صحي أو إصابة واضحة، تصبح السلطة القائمة بالاحتجاز مطالبة بتفسير ما حدث خلال فترة سيطرتها الكاملة عليه، لا سيما أنها كانت تملك وحدها القدرة على توفير الطعام والعلاج والرعاية والحماية.
إن القيمة القانونية للصور تزداد عندما يجري التعامل معها بصورة مهنية ومنهجية. ويشمل ذلك حفظ النسخ الأصلية، وتوثيق تاريخ التقاط الصورة ومصدرها، ومقارنتها بصور سابقة موثوقة، وتحديد تاريخ الاعتقال والإفراج، ومكان الاحتجاز، ومدة الاعتقال، وتوثيق الوزن قبل الاعتقال وبعد الإفراج، وإجراء فحص طبي مستقل، والاستماع إلى شهادة الأسير وعائلته، وربط النتائج الطبية بالظروف التي عاشها داخل السجن. وبهذه الطريقة، يمكن تحويل الصور من مادة متداولة إلى قرائن داعمة في ملفات المساءلة القانونية.
وتظهر أهمية هذه المنهجية بصورة خاصة في حالات الأسرى الذين يخرجون من السجن ثم ينهارون صحيًا بعد الإفراج بوقت قصير. فالإفراج لا يمحو مسؤولية سلطة الاحتجاز، ولا يقطع الصلة القانونية بين التدهور الصحي وما وقع داخل السجن. فقد تظهر آثار التجويع، والحرمان من العلاج، والضرب، والبرد، والإجهاد، بعد أيام أو أسابيع من الإفراج. لذلك، فإن أي نزيف، أو إغماء، أو فشل صحي مفاجئ، أو حاجة إلى تدخل جراحي أو علاج طويل، يجب أن يخضع لفحص طبي وقانوني جاد يربطه بسياق الاحتجاز.
وفي هذا السياق، تبرز حالة الصحفي المحرر مجاهد بني مفلح، الذي تعرض لتدهور صحي خطير بعد الإفراج عنه من الاعتقال الإداري. فبعد يومين فقط من تحرره، أُصيب بنزيف دماغي حاد نُقل على إثره إلى المستشفى في حالة حرجة، وخضع لسلسلة من العمليات الجراحية، وما يزال يواجه رحلة علاج طويلة ومعقدة. إن هذه الحالة تفرض أسئلة قانونية وطبية جدية حول ظروف احتجازه، ومدى حصوله على الرعاية الطبية، وما إذا كانت أعراض أو مؤشرات صحية سابقة قد ظهرت عليه داخل السجن وتم تجاهلها أو التعامل معها باستخفاف.
ولا يجوز النظر إلى حالة مجاهد بني مفلح بوصفها واقعة طبية منفصلة عن سياق الاعتقال. فالاعتقال الإداري، بطبيعته، يحرم الأسير من محاكمة عادلة ويضعه في حالة قلق وضغط مستمرين، وعندما يقترن ذلك بسوء التغذية، والعزل، والحرمان من العلاج، والإرهاق النفسي والجسدي، فإن آثاره قد تكون خطيرة وممتدة. لذلك، فإن أي تحقيق جاد في حالته يجب أن يشمل ملفه الطبي داخل السجن، والشكاوى الصحية التي قدمها، والأدوية التي حصل عليها أو حُرم منها، وظروف الطعام والنوم والفحوصات والتحويلات الطبية خلال فترة احتجازه.
كما تعكس صور الأسير المحرر عبد الله شتات، الذي أمضى نحو عامين ونصف في سجون الاحتلال، حجم التدهور الجسدي الذي أصاب العديد من الأسرى نتيجة التجويع، وسوء المعاملة، والإهمال الطبي. وقد تعرض للإغماء فور الإفراج عنه نتيجة الإنهاك الشديد الذي بدت آثاره واضحة على جسده. والإغماء فور الإفراج ليس تفصيلًا عابرًا، ولا يمكن فصله عن مؤشرات الضعف والهزال والاستنزاف البدني. فهو علامة تحذيرية على أن الأسير خرج من السجن في حالة إنهاك جسدي خطيرة تستوجب الفحص والعلاج والتحقيق.
إن حالة عبد الله شتات تقدم مثالًا على العلاقة المباشرة بين التجويع والإنهاك البدني. فالأسير الذي يخرج غير قادر على الوقوف أو المحافظة على توازنه، أو يحتاج إلى تدخل طبي عاجل فور الإفراج، لا يكون قد غادر السجن سالمًا، بل يكون قد حمل معه آثار الاحتجاز في جسده. وهذا يفرض على الجهات الحقوقية والطبية توثيق حالته بشكل دقيق، بما يشمل الوزن، والفحوصات المخبرية، ووضع العضلات، وعلامات سوء التغذية، وأي آثار لإصابات أو أمراض لم تعالج داخل السجن.
وتكشف الصور المتداولة لمعتقل مسن أُفرج عنه من قطاع غزة، وقد بدت على جسده آثار إصابات وهزال شديد وتدهور صحي واضح، جانبًا آخر من الانتهاكات التي يتعرض لها معتقلو غزة، ولا سيما كبار السن والمرضى. فهذه الفئات تستوجب حماية مضاعفة بحكم السن والحالة الصحية، لا معاملة أكثر قسوة أو إهمالًا. وعندما يظهر مسن مفرج عنه في حالة ضعف وإصابة وتدهور شديد، فإن ذلك يثير أسئلة خطيرة حول ظروف احتجازه، وطبيعة المعاملة التي تعرض لها، ومدى حصوله على الغذاء والدواء والرعاية الطبية الأساسية.
وتؤكد تضامن أن معتقلي غزة يشكلون فئة شديدة الهشاشة في هذا السياق، بسبب العزل شبه الكامل، وصعوبة معرفة أماكن الاحتجاز، وتقييد وصول المحامين والعائلات والرقابة المستقلة. ولذلك، فإن الصور التي تظهر آثار التعذيب أو سوء التغذية على أجسادهم تكتسب أهمية مضاعفة، لأنها قد تكون من الأدلة القليلة المتاحة لكشف ما جرى في أماكن احتجاز مغلقة ومعزولة.
ولا تقتصر دلالة الصور على البعد الجسدي فقط، بل تمتد إلى البعد النفسي والإنساني. فالجسد الهزيل أو المصاب أو المنهك لا يعكس فقط نقص الطعام أو غياب العلاج، بل يعكس تجربة كاملة من الخوف، والإذلال، والعجز، وفقدان السيطرة على أبسط تفاصيل الحياة. وعندما يرى الأسير نفسه بعد الإفراج وقد تغير جسده وملامحه بصورة حادة، فإن ذلك يضاعف شعوره بأن السجن لم يسلب حريته فقط، بل استهدف جسده وكرامته وصحته.
ومن الناحية القانونية، يجب قراءة الصور ضمن إطار الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. فالقانون الدولي لا يشترط وجود أداة تعذيب ظاهرة حتى يعترف بالانتهاك، بل ينظر إلى الألم والمعاناة الجسدية أو النفسية، وإلى سياق السيطرة، والقصد، والنتائج. فإذا أظهرت الصور هزالًا أو إصابات أو تدهورًا صحيًا، وكانت هذه النتائج مرتبطة بفترة احتجاز تسيطر فيها السلطات بالكامل على الطعام والعلاج والحركة والبيئة المعيشية، فإن ذلك يفرض مسؤولية قانونية على سلطة الاحتجاز لتقديم تفسير موثوق ومحاسبة المسؤولين.
كما أن الصور تساعد في كشف نمط التكرار. فحين تتشابه ملامح الهزال وفقدان الوزن والضعف بين أسرى محررين من مناطق وفئات مختلفة، فإن ذلك يعزز الاستنتاج بأن الأمر لا يتعلق بحالة صحية فردية، بل بسياسة أو ممارسة واسعة النطاق. وهنا تصبح الصورة جزءًا من بناء نمط حقوقي: تكرار الجسد المنهك، تكرار الشهادات عن تقليص الطعام، تكرار الشكاوى من منع العلاج، وتكرار الانهيار الصحي بعد الإفراج.
وتشدد تضامن على ضرورة حماية كرامة الأسرى عند استخدام صورهم. فالتوثيق البصري يجب ألا يتحول إلى استغلال لمعاناة الضحايا أو إعادة إنتاج الإذلال الذي تعرضوا له. ويجب الحصول، كلما أمكن، على موافقة الأسير أو عائلته، وتجنب نشر صور مهينة أو كاشفة بطريقة تمس الخصوصية، واستخدام الصور بما يخدم المساءلة والإنصاف، لا الإثارة الإعلامية. فالضحية لا تتحول إلى دليل مجرد، بل تبقى شخصًا له كرامة وحقوق وحق في الحماية.
وترى تضامن أن التعامل الجاد مع هذه الصور يتطلب إنشاء ملف توثيق لكل حالة، يتضمن: صورة قبل الاعتقال، صورة بعد الإفراج، إفادة الأسير أو العائلة، تقريرًا طبيًا مستقلًا، تاريخ الاعتقال والإفراج، مدة الاحتجاز، اسم السجن أو مركز الاحتجاز إن توفر، طبيعة الطعام والعلاج خلال الاحتجاز، أي شكاوى صحية سابقة، وأي آثار بدنية أو نفسية ظهرت بعد الإفراج. هذا النوع من التوثيق يحول المعاناة المرئية إلى مادة قابلة للاستخدام في التقارير الحقوقية والشكاوى الدولية وآليات المساءلة.
وتؤكد تضامن أن صور مجاهد بني مفلح، وعبد الله شتات، والمعتقل المسن من غزة، لا تمثل مجرد مشاهد إنسانية مؤلمة، بل تكشف النتائج المباشرة لسياسات التجويع والتعذيب والإهمال الطبي داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وهي تقدم دليلًا إضافيًا على أن الأذى داخل السجون ليس مؤقتًا أو منتهيًا بالإفراج، بل يستمر في جسد الأسير بعد تحرره، وقد يتحول إلى مرض طويل، أو إعاقة، أو خطر دائم على الحياة.
وعليه، فإن الصور قبل الاعتقال وبعد الإفراج يجب أن تُعامل كجزء أساسي من ملف التعذيب، لا كمواد مرافقة أو توضيحية. فهي تكشف ما يحاول السجن إخفاءه، وتربط بين السياسات والنتائج، وتمنح الضحايا وسيلة مرئية لإثبات ما تعرضوا له. وفي سياق تغيب فيه الرقابة المستقلة، وتُحجب فيه السجلات، وتُمنع فيه الزيارات، يصبح الجسد نفسه وثيقة، وتصبح الصورة شاهدًا على منظومة احتجاز جعلت من التجويع والمرض والإذلال أدوات لإنتاج الألم وكسر الإنسان.
الفصل السابع:
شهادات الضحايا والناجين: من الألم الفردي إلى النمط المنهجي
تكشف شهادات الأسرى والمعتقلين المحررين أن التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية لا يبدأان بالضرورة داخل غرفة التحقيق، ولا ينتهيان بانتهاء جلسة الاستجواب. فبحسب الشهادات المتكررة، يبدأ العنف غالبًا منذ لحظة الاعتقال أو الاحتجاز الأولي، ويمتد إلى النقل، والتفتيش، والعدّ، والنوم، والطعام، والعلاج، واستخدام الحمام، والعزل، والتهديد، والحرمان من الاتصال بالعالم الخارجي. وبهذا المعنى، لا يكون التعذيب حدثًا منفردًا، بل تجربة ممتدة تُعاد إنتاجها في كل مرحلة من مراحل الاحتجاز.
وتكمن الأهمية الحقوقية لهذه الشهادات في أنها لا تروي الألم الفردي فقط، بل تكشف نمطًا متكررًا يتشابه في الأساليب والنتائج، رغم اختلاف الأشخاص، والأماكن، والظروف، والفئات المستهدفة. فعندما تتكرر الإفادات بشأن الضرب، والتقييد، والتعرية، والتهديد، والحرمان من النوم، ومنع العلاج، والتجويع، والإذلال، في سجون ومعسكرات متعددة، فإن ذلك ينقل الوقائع من مستوى الحالة الفردية إلى مستوى النمط القابل للتوثيق والتحليل والمساءلة.
وتتعامل تضامن مع شهادات الضحايا والناجين والناجيات بوصفها أحد أهم مصادر التوثيق في بيئات الاحتجاز المغلقة، خصوصًا عندما تُحجب الرقابة المستقلة، وتُقيّد زيارات المحامين والعائلات، وتُمنع المؤسسات الدولية من الوصول المنتظم والفعال إلى أماكن الاحتجاز. فالشهادة هنا لا تمثل رواية شخصية فحسب، بل تمثل في كثير من الحالات الطريق الأساسي لكشف ما يجري خلف الجدران، وتحديد الأساليب المستخدمة، والجهات المسؤولة، والآثار الجسدية والنفسية الممتدة.
وفي هذا السياق، أفاد الصحفي محمد عرب، من جباليا في قطاع غزة، أنه احتُجز في معسكر سدي تيمان ثم في سجن عوفر، وتعرض لحرمان قاسٍ من النظافة والكرامة الإنسانية. وتحدث عن تقييد استخدام الحمام، وتقليص الاستحمام إلى مرة واحدة أسبوعيًا ولمدة قصيرة جدًا، وإجبار الأسرى على الوقوف لساعات طويلة أمام السياج، إضافة إلى الضرب والإهانات المتكررة. وتكتسب شهادته أهمية خاصة لأنها صادرة عن صحفي معتقل عبر محامية الأستاذ خالد محاجنة، ولأنها تكشف جانبًا من واقع معسكرات احتجاز معتقلي غزة، حيث العزل، وندرة المعلومات، وضعف الرقابة الخارجية.
ولا تكمن خطورة ما أورده محمد عرب في كل ممارسة على حدة فقط، بل في اجتماعها داخل بيئة واحدة: منع النظافة، تقييد الحمام، الوقوف القسري، الإهانات، والضرب. فهذه الممارسات، حين تتراكم، تحوّل الاحتجاز إلى فضاء دائم للإذلال. كما أن حرمان الأسرى من النظافة واستخدام الحمام لا يمسّ الصحة الجسدية فقط، بل يمسّ الكرامة الإنسانية في جوهرها، ويستخدم الحاجات البيولوجية الأساسية كأداة للسيطرة والعقاب.
وأفادت فاطمة طمبورة، من حي الشيخ رضوان في غزة، بأنها تعرضت داخل سجن الدامون لتفتيش عارٍ، وتحرش جسدي، وتهديد بالاغتصاب، وحرمان من النوم. وقالت إن المجندات جردنها من حجابها وملابسها بالقوة وسخرن منها، وإنها بقيت أيامًا محرومة من النوم، وكان يقال لها إن ما تتعرض له هو “عقاب لأنها من غزة”. وتكشف هذه الشهادة بوضوح تداخل التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي والجندري، إلى جانب التمييز الجغرافي المرتبط بكون الضحية من قطاع غزة.
وتبرز خطورة هذه الشهادة في أنها تُظهر كيف يمكن أن يتحول الجسد، والحجاب، والخصوصية، والهوية الجغرافية، إلى أدوات استهداف داخل السجن. فالتفتيش العاري لا يكون في هذه الحالة إجراءً أمنيًا، بل فعل إذلال وسيطرة. والتهديد بالاغتصاب لا يقتصر على التهديد الجسدي، بل يترك أثرًا نفسيًا عميقًا، ويستخدم الخوف والعار كسلاح ضد الضحية. أما ربط المعاملة بكون الأسيرة من غزة، فيعزز مؤشرات العقاب الجماعي والتمييز في المعاملة.
أما شهادة معتقل من النصيرات، عُرف بالرمز “م.ع”، فتتعلق بالصعق، والتعليق، والتهديد بالإعدام. فقد أفاد بأنه قُيّد وعُلّق من السقف بسلاسل حديدية، ثم صُعق بالكهرباء في اليدين والساقين، وحُرم من الماء، وقيل له إن العالم لن يسمع صوته. وتمثل هذه الشهادة، وفق ما ورد في الإفادة، تمثل هذه الشهادة نموذجًا واضحًا للتعذيب بالمعنى القانوني ، لأنها تتضمن ألمًا شديدًا، وقصدًا ظاهرًا في إحداث المعاناة، وغرضًا عقابيًا وترهيبيًا، ووقوع الفعل في مكان احتجاز خاضع لسلطة رسمية أو تحت سيطرتها.
وتحمل عبارة "العالم لن يسمع صوتك" دلالة خطيرة تتجاوز التهديد اللفظي. فهي تعكس إدراك الجلاد لقوة العزل وانقطاع الضحية عن الحماية الخارجية، وتكشف كيف يصبح الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي بيئة تمكينية للتعذيب. فالضحية لا يُهدد بالألم فقط، بل يُهدد أيضًا بعدم القدرة على الشكوى أو النجاة أو إثبات ما تعرض له.
وتظهر شهادة الأسيرة هديل الدحدوح جانبًا آخر من التعذيب، حيث تتداخل الأمومة، والمرض، والجسد، والاحتجاز. فقد أفادت بأنها تعرضت للضرب، ونزع الحجاب، والتجريد، وإجراءات طبية قسرية، رغم أنها كانت قد خضعت لعملية قيصرية حديثة وتحتاج إلى رعاية طبية خاصة. إن حرمان الأم من طفلها، وترك آلامها دون علاج، واستخدام جسدها كمساحة للسيطرة والإذلال، يكشف طبيعة التعذيب القائم على النوع الاجتماعي، ويُظهر كيف يمكن أن تتحول الهشاشة الصحية والإنجابية إلى مجال إضافي للانتهاك.
وتؤكد هذه الشهادة أن النساء الأسيرات لا يواجهن فقط العنف العام الذي يتعرض له الأسرى، بل يواجهن أيضًا أنماطًا خاصة من الإذلال مرتبطة بالجسد، والحجاب، والأمومة، والخصوصية، والحاجات الصحية والإنجابية. وفي حالات الولادة الحديثة أو العمليات القيصرية أو الحمل أو الرضاعة، تصبح مسؤولية سلطة الاحتجاز مضاعفة، لأن أي إهمال أو عنف أو تجريد أو حرمان من الرعاية قد يؤدي إلى مضاعفات صحية ونفسية جسيمة.
كما أفادت نهال الغندور ونبيلة مقداد بتعرضهما للإذلال، والضرب، والتفتيش العاري، والتهديد، بعد اعتقالهما من سياقات نزوح في قطاع غزة. وتؤكد هذه الشهادات أن اعتقال النساء من أماكن النزوح لم يكن، في الحالات الموثقة، مجرد إجراء أمني محايد، بل جزءًا من سياق أوسع من الترهيب الجماعي الذي يطال المدنيين في لحظات ضعفهم القصوى، حين يكونون فاقدين للمأوى والحماية والاستقرار.
وتحمل شهادات النساء المعتقلات من سياقات النزوح دلالة خاصة، لأن الضحية تكون أصلًا خارجة من تجربة حرب ونزوح وفقدان، ثم تُنقل إلى تجربة احتجاز وإذلال وتجريد. وعندما يجتمع النزوح مع الاعتقال، والتفتيش العاري مع التهديد، والحرمان من النوم مع الإهانات، فإن الضرر لا يكون جسديًا فقط، بل نفسيًا واجتماعيًا عميقًا، ويمتد أثره إلى العائلة والمجتمع.
وفي شهادات الوضعيات القسرية، يتكرر مشهد الأسير المقيد، المعصوب العينين، المجبر على الركوع أو الوقوف أو الجلوس في وضعية مؤلمة لساعات طويلة. وأفاد أحد المعتقلين بأنه رُبط عاريًا على سرير ووُضع له حفاض بدل السماح له باستخدام الحمام، وأُجبر على البقاء على ركبتيه من الصباح حتى الليل. وقال جرّاح من مستشفى الشفاء إنه أُجبر على الوقوف ساعات طويلة ويداه مقيدتان خلف ظهره، وكان الضرب عقوبة أي محاولة لتغيير الوضعية.
وتكشف هذه الإفادات أن الوضعيات القسرية ليست مجرد وسيلة ضبط مؤقتة، بل وسيلة تعذيب قائمة بذاتها عندما تُستخدم لإحداث ألم شديد أو إذلال أو إنهاك. فإجبار شخص على البقاء عاريًا، أو منعه من استخدام الحمام، أو إجباره على الركوع لساعات، أو ضربه كلما حاول تغيير وضعه، يمثل اعتداءً مركبًا على الجسد والكرامة. كما أن استخدام الحفاض بدل السماح باستخدام الحمام يحمل دلالة إذلالية واضحة، ويستهدف تجريد الأسير من أبسط صور السيطرة على جسده.
وتزداد خطورة هذه الشهادات عندما يكون الضحايا من العاملين في القطاع الصحي، كما في حالة الجرّاح من مستشفى الشفاء. فاستهداف الأطباء والعاملين الصحيين لا يمس الضحية وحده، بل يوجه رسالة ترهيب إلى القطاع الصحي كله، ويقوض الحماية الخاصة التي يكفلها القانون الدولي للطواقم الطبية في سياق النزاعات المسلحة. كما أن احتجاز طبيب أو جراح وتعريضه لوضعيات قسرية وضرب يبرز انتقال الانتهاك من الفرد إلى الوظيفة الإنسانية التي يمثلها.
وفي شهادات التعذيب بالبرد، أفاد الأسير المحرر أحمد المصري بأنه تعرض لرش متواصل بالمياه الباردة في طقس شديد البرودة، بينما كانت يداه مثبتتين داخل قطع حديدية، وتزامن ذلك مع تشغيل مراوح وإجباره على السجود لفترات طويلة. كما أفاد أسرى محررون باحتجازهم في براكسات مكتظة، مع فرشات رقيقة وبطانية واحدة لا تكفي للدفء، في ظل تسلل الرياح الباردة ومنع الحركة.
ويكشف هذا النمط كيف يمكن استخدام البيئة نفسها كأداة تعذيب. فالبرد ليس مجرد ظرف طبيعي عندما تتعمد إدارة الاحتجاز تعريض الأسير للماء البارد، أو تمنعه من الحركة، أو تصادر الأغطية، أو تتركه في مكان غير محمي. وحين يقترن البرد بالتقييد، والوضعيات القسرية، والجوع، والحرمان من النوم، يصبح أداة فعالة لإضعاف الجسد وكسر الإرادة. وهذا النوع من التعذيب قد لا يترك دائمًا آثارًا ظاهرة كالكدمات، لكنه يسبب ألمًا شديدًا وإرهاقًا وانهيارًا بدنيًا ونفسيًا.
وتكشف هذه الشهادات، بتنوعها، وحدة النمط: الجسد الفلسطيني داخل السجن يُعامل كموضوع للعقاب والسيطرة. فمرة يُستهدف بالضرب، ومرة بالجوع، ومرة بالبرد، ومرة بالتعرية، ومرة بالتقييد، ومرة بمنع الحمام أو العلاج أو النوم. لكن الغاية تتكرر: تحويل الجسد إلى مساحة خاضعة، وتحويل الاحتجاز إلى تجربة إذلال مستمرة.
كما تكشف الشهادات أن التعذيب لا يستهدف فئة واحدة فقط. فالصحفي، والطبيب، والمرأة، والأم، والمسن، والعامل، والمريض، والمعتقل الإداري، ومعتقل غزة، جميعهم يظهرون في روايات مختلفة داخل النمط ذاته. وهذا الاتساع في الفئات المستهدفة يعزز الاستنتاج بأن الانتهاكات ليست ردًا على سلوك فردي، بل جزء من مناخ عقابي أوسع يتعامل مع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين كجماعة مستهدفة.
وتؤكد “تضامن” أن تكرار الأساليب ذاتها في أماكن مختلفة، وورودها على ألسنة ضحايا من خلفيات متعددة، يثبت أن المسألة لا تتعلق بسجان بعينه أو حادثة محددة، بل بمنظومة تسمح بالتعذيب وتعيد إنتاجه. فالمنهجية لا تُثبت فقط بوجود أمر مكتوب، بل قد تُستدل أيضًا من تكرار النمط، وتشابه الوسائل، وغياب المحاسبة، واستمرار الانتهاكات رغم معرفة السلطات بها.
ومن الناحية القانونية، تحمل هذه الشهادات قيمة خاصة لأنها تساعد في إثبات عناصر التعذيب وسوء المعاملة: وجود ألم أو معاناة شديدة، ووقوع الفعل في سياق احتجاز، وتدخل موظفين رسميين أو من يعملون بموافقتهم أو تحت سلطتهم، ووجود أغراض مثل العقاب، أو التخويف، أو الإكراه، أو التمييز، أو الإذلال. كما أنها تكشف مسؤولية المستويات الإدارية والسياسية عندما تكون الانتهاكات واسعة ومتكررة ومعلومة وغير محاسَب عليها.
وتشدد “تضامن” على أن توثيق هذه الشهادات يجب أن يتم بطريقة تراعي كرامة الضحايا وأمانهم النفسي والاجتماعي. فالشهادة ليست مجرد مادة حقوقية، بل تجربة ألم قد يعاد فتحها أثناء السرد. لذلك يجب الحصول على الموافقة الواعية، وحماية هوية الضحايا عند الحاجة، وتجنب نشر التفاصيل التي قد تعرضهم للوصم أو الانتقام، وتوفير الدعم النفسي والقانوني لهم، خصوصًا في حالات العنف الجنسي أو التهديد بالاغتصاب أو الإذلال المرتبط بالجسد.
كما يجب التعامل مع الشهادات وفق منهجية دقيقة تشمل مقارنة الروايات المتعددة، وتحديد المكان والزمان، وربط الشهادة بالفحص الطبي والصور والتقارير المتاحة، وتوثيق أسماء السجون أو الوحدات أو المسؤولين حيثما أمكن، وتحليل أوجه التشابه بين الشهادات. وهذه المنهجية هي ما يحول الألم الفردي إلى ملف مساءلة، ويمنع التعامل مع الضحايا كحالات معزولة أو قصص إنسانية عابرة.
إن شهادات محمد عرب، وفاطمة طمبورة، و”م.ع”، وهديل الدحدوح، ونهال الغندور، ونبيلة مقداد، وأحمد المصري، وغيرهم من الأسرى والمعتقلين المحررين، تكشف أن التعذيب داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية ليس فعلًا واحدًا ولا أسلوبًا واحدًا، بل شبكة متداخلة من العنف الجسدي والنفسي والجنسي والبيئي والمعيشي. وهي شهادات تفرض على المجتمع الدولي واجب الاستماع، والتحقيق، والحماية، والمساءلة، لا الاكتفاء بالتعبير عن القلق.
وعليه، فإن القيمة الأعمق لهذه الشهادات أنها تنقل ملف التعذيب من مساحة الإنكار إلى مساحة الإثبات. فالضحايا لا يروون ما حدث لهم فقط، بل يكشفون بنية كاملة من السيطرة والإيلام. ومن خلال تراكم الشهادات، يظهر النمط: احتجاز مغلق، عزل عن الرقابة، خطاب عقابي، ضرب وتجويع وتعرية وتهديد، حرمان من العلاج والنوم والحمام، ثم إفراج عن أجساد منهكة تحمل آثار ما جرى. وهذا النمط، في مجموعه، يستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومساءلة فعلية لكل من نفذ أو أمر أو سمح أو تستر.
الفصل الثامن:
الأثر الصحي والنفسي والاجتماعي للتعذيب بعد الإفراج
لا ينتهي التعذيب لحظة الإفراج عن الأسير أو المعتقل. فالإفراج قد يفتح باب السجن، لكنه لا يمحو آثار ما وقع داخله. كثير من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يغادرون السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية بأجساد منهكة، وأمراض متفاقمة، وآلام مزمنة، وفقدان وزن حاد، واضطرابات نفسية عميقة، وحاجة عاجلة إلى علاج وتأهيل طويل. وفي حالات كثيرة، يكشف الإفراج ما حاولت جدران السجن إخفاءه: جسد فقد قدرته على الاحتمال، ونفس محملة بالخوف والصدمة، وعائلة تجد نفسها أمام آثار صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية ممتدة.
إن التعذيب لا يقتصر على لحظة وقوعه، بل يستمر في نتائجه. فالضرب قد يترك آلامًا في العظام والمفاصل والأعصاب، والتقييد المؤلم قد يؤدي إلى تنميل وضعف في الحركة، والتجويع قد يسبب هزالًا وفقر دم وضعف مناعة، والحرمان من العلاج قد يحوّل المرض القابل للعلاج إلى مضاعفات خطيرة، والعزل والتهديد والإذلال قد تترك ندوبًا نفسية لا تُرى بالعين، لكنها تعيد تشكيل علاقة الناجي بجسده وبيته وعائلته ومحيطه.
وتشمل الآثار الصحية الشائعة بعد الإفراج فقدان الوزن الحاد، تراجع الكتلة العضلية، ضعف المناعة، فقر الدم، الدوخة، الإغماء، آلام المفاصل والعضلات، إصابات الأعصاب، آثار القيود على المعصمين والكاحلين، اضطرابات النوم، مضاعفات الأمراض المزمنة، أمراض الجلد والتنفس، مشكلات الجهاز الهضمي، وآثار سوء التغذية والبرد والحرمان من العلاج. وفي بعض الحالات، تظهر مضاعفات خطيرة بعد الإفراج مباشرة، مثل النزيف، أو الانهيار الصحي، أو الحاجة إلى عمليات جراحية، أو دخول المستشفى بصورة عاجلة.
وتكمن خطورة هذه المضاعفات في أنها قد تُقرأ خطأً بوصفها حالة طبية لاحقة، بينما تكون في حقيقتها امتدادًا مباشرًا لما جرى داخل الاحتجاز. فالأسير الذي حُرم من الدواء، أو لم تُفحص إصابته، أو عاش شهورًا في سوء تغذية وبرد وضرب وتقييد، قد لا تظهر كل نتائج ذلك أثناء وجوده داخل السجن، بل تظهر بعد الإفراج عندما يبدأ جسده بالانهيار أو عندما يخضع للفحص الطبي لأول مرة بصورة مستقلة. لذلك، فإن الإفراج لا يقطع المسؤولية القانونية عن الضرر الصحي، بل قد يكون اللحظة الأولى التي يصبح فيها الضرر قابلًا للرؤية والتوثيق.
ولا تقل الآثار النفسية خطورة عن الآثار الجسدية. فكثير من الناجين من التعذيب يواجهون اضطراب ما بعد الصدمة، الكوابيس، نوبات الهلع، الاكتئاب، فقدان الإحساس بالأمان، الخوف من الأصوات العالية أو الأبواب المغلقة أو الزي العسكري، صعوبة النوم، العزلة، سرعة الانفعال، فقدان الثقة بالآخرين، الشعور بالعار أو الذنب، والعجز عن العودة إلى نمط الحياة السابق. يعيش كثير من الأسرى المحررين داخل بيوتهم وهم نفسيًا عالقون في تجربة السجن
وتزداد هذه الآثار النفسية عندما يكون التعذيب ذا طبيعة جنسية أو جندرية، أو عندما يتضمن التعرية، التفتيش العاري، التهديد بالاغتصاب، السخرية من الجسد، نزع الحجاب، التصوير في أوضاع مهينة، أو الإذلال أمام آخرين. فهذه الأفعال لا تستهدف الجسد فقط، بل تستهدف الإحساس بالكرامة والخصوصية والهوية. وقد تمنع الضحية من الحديث عما تعرضت له بسبب الخوف من الوصم أو سوء الفهم أو إعادة إنتاج الإهانة، الأمر الذي يجعل الدعم النفسي والاجتماعي ضرورة لا تقل أهمية عن التوثيق القانوني.
كما أن التهديد بإيذاء العائلة أو اعتقال أفرادها أو هدم البيت أو الانتقام من الأطفال يترك أثرًا عميقًا بعد الإفراج. فالناجي لا يعود فقط وهو خائف على نفسه، بل يعود محملًا بخوف مستمر على من يحبهم. وهذا النوع من التعذيب النفسي يربط الألم الفردي بالعائلة كلها، ويجعل البيت ذاته مساحة قلق وترقب، لا مساحة أمان كاملة.
ويمتد أثر التعذيب إلى الأسرة بصورة مباشرة. فالأسير المحرر لا يعود وحده إلى البيت؛ يعود معه المرض، والخوف، والكوابيس، والحاجة إلى علاج طويل، وانقطاع العمل أو الدراسة، وتكاليف الرعاية، والقلق من إعادة الاعتقال، وصعوبة استعادة الدور داخل الأسرة. وقد تجد العائلة نفسها مضطرة إلى مرافقة الناجي في المستشفيات، أو تحمل أعباء مالية كبيرة، أو التعامل مع تغيّرات مزاجية ونفسية حادة، أو حماية الأطفال من آثار الصدمة التي انتقلت إلى داخل المنزل.
وفي هذا المعنى، لا يستهدف التعذيب الفرد وحده، بل يضرب النسيج العائلي والاجتماعي الفلسطيني. فالأسرة التي تنتظر ابنها أو زوجها أو والدها أو أمها من السجن لا تستعيده كما كان دائمًا؛ قد تستعيد شخصًا يحتاج إلى علاج، ودعم، وصبر، وحماية، ووقت طويل لاستعادة ثقته بجسده وبالعالم. وهذا الأثر الممتد هو جزء من الضرر الذي يجب الاعتراف به عند الحديث عن جبر الضرر والإنصاف.
وتظهر الآثار الاجتماعية أيضًا في صعوبة العودة إلى العمل أو الدراسة أو الحياة العامة. فالأسير المحرر الذي خرج منهكًا أو مريضًا أو مصابًا باضطرابات نفسية قد لا يستطيع استئناف عمله فورًا، وقد يخسر مصدر دخله، أو يتأخر في تعليمه، أو يعجز عن أداء دوره الأسري والاجتماعي كما كان قبل الاعتقال. وفي حالة الصحفيين، والأطباء، والطلبة، والعمال، والعاملين في المجتمع المدني، لا يقتصر الضرر على الشخص نفسه، بل يمتد إلى المجال المهني والاقتصادي والاجتماعي الذي كان جزءًا منه.
كما أن الخوف من إعادة الاعتقال يشكل أثرًا نفسيًا واجتماعيًا دائمًا. فالناجي لا يعيش حريته كاملة عندما يشعر أن الباب قد يُطرق في أي لحظة، أو أن العلاج قد ينقطع بسبب اعتقال جديد، أو أن شهادته عن التعذيب قد تعرضه أو عائلته للانتقام. وهذا الخوف يعيق التوثيق، ويحد من قدرة الضحايا على المطالبة بحقوقهم، ويكرس الإفلات من العقاب.
وتؤكد تضامن أن الحق في الإنصاف لا يكتمل بالإفراج. فالناجون من التعذيب يحتاجون إلى فحص طبي مستقل فور الإفراج، وتوثيق دقيق للإصابات، وتقييم نفسي متخصص، وعلاج جسدي، ودعم نفسي، وتأهيل اجتماعي، ومساعدة قانونية، وتعويض، واعتراف رسمي بما تعرضوا له. كما يحتاجون إلى بيئة تحمي كرامتهم وتمنع تحويل معاناتهم إلى مادة استهلاكية أو سياسية مجردة من إنسانيتهم.
ويجب أن يبدأ التوثيق منذ اللحظات الأولى للإفراج، لأن آثار التعذيب تكون غالبًا أكثر وضوحًا في الأيام الأولى. فالكدمات، وآثار القيود، والهزال، والجروح، وصعوبة الحركة، والانهيار النفسي، كلها أدلة قد تضعف أو تتغير مع مرور الوقت. لذلك، فإن الفحص الطبي المستقل، والتصوير المهني للإصابات بموافقة الضحية، وتسجيل الوزن، وإجراء التحاليل اللازمة، وتوثيق شهادة الأسير وعائلته، كلها خطوات أساسية لحفظ الأدلة وضمان إمكانية استخدامها في مسارات المساءلة.
كما يجب التعامل مع الناجين وفق منهجية تراعي الصدمة. فلا يجوز الضغط على الضحية لسرد التفاصيل فورًا، ولا نشر صور أو شهادات حساسة دون موافقة واعية، ولا التعامل مع الألم بوصفه مادة إعلامية فقط. إن حماية الضحية جزء من عملية التوثيق، وأي توثيق لا يحترم كرامة الناجين قد يعيد إنتاج الأذى بدل أن يساهم في إنصافهم.
ومن الناحية القانونية، يفرض الحق في الجبر والإنصاف التزامات واضحة، تشمل التحقيق الفعال، ومحاسبة المسؤولين، وتعويض الضحايا، وتوفير العلاج والتأهيل، وضمان عدم التكرار. ولا يجوز اختزال الإنصاف في إطلاق سراح الأسير، لأن الإفراج لا يعالج الضرر، ولا يعوض سنوات الألم، ولا يمحو آثار التجويع والضرب والعزل والحرمان الطبي. فالإنصاف الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالجريمة، ويمر عبر العلاج والتأهيل، وينتهي بمساءلة من ارتكبوا الانتهاكات أو أمروا بها أو سمحوا باستمرارها.
وترى تضامن أن أي برنامج جدي لمساندة ضحايا التعذيب من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يجب أن يشمل مسارًا صحيًا ونفسيًا واجتماعيًا متكاملًا. ويشمل ذلك إنشاء ملفات طبية مستقلة للمفرج عنهم، توفير رعاية عاجلة للحالات الخطيرة، متابعة الأمراض المزمنة، علاج آثار سوء التغذية، تقديم دعم نفسي متخصص للناجين وعائلاتهم، حماية الضحايا من الوصم أو الانتقام، وتوثيق الأضرار بطريقة تصلح للاستخدام القانوني والحقوقي.
كما يجب أن تشمل عملية التأهيل عائلات الناجين، لا الضحايا وحدهم. فالأسرة تحتاج إلى إرشاد ودعم لفهم آثار الصدمة، والتعامل مع التغيرات النفسية والجسدية التي قد تظهر على الأسير المحرر، ومساندته دون لوم أو ضغط. وفي حالات الأطفال أو النساء أو ضحايا العنف الجنسي أو كبار السن، تصبح الحاجة إلى تدخل متخصص أكثر إلحاحًا، لأن الضرر يكون متعدد المستويات ويتطلب حماية مضاعفة.
وتؤكد تضامن أن استمرار آثار التعذيب بعد الإفراج يثبت أن الجريمة لا تنتهي بخروج الأسير من السجن. فالجسد الهزيل، والمرض المتفاقم، والكوابيس، والخوف، والقلق العائلي، وفقدان العمل أو الدراسة، كلها امتدادات مباشرة لفعل التعذيب. ولذلك، فإن مساندة ضحايا التعذيب يجب ألا تكون موسمية أو رمزية، بل التزامًا مستمرًا بالعلاج، والتوثيق، والحماية، والجبر، والمساءلة.
وعليه، فإن الإفراج يجب أن يُنظر إليه كبداية لمسار إنصاف وتأهيل، لا كنهاية للملف. فالناجي الذي يغادر السجن يحتاج إلى أن يُسمع صوته، وأن يُفحص جسده، وأن تُعالج آلامه، وأن تُحمى كرامته، وأن تُحاسب الجهة التي حولت الاحتجاز إلى مساحة للتعذيب والإذلال. ومن دون هذا المسار، يبقى التعذيب مستمرًا في آثاره، ويبقى الإفراج ناقصًا، وتبقى العدالة مؤجلة.
الفصل التاسع:
سبل مساندة ضحايا التعذيب والناجين
إن اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب لا يكتمل بمجرد وصف الانتهاك أو إدانة الجناة أو التعبير عن التضامن الأخلاقي مع الضحايا. فمساندة الضحايا والناجين والناجيات واجب حقوقي قائم بذاته، يبدأ من الاعتراف بما تعرضوا له، ويمر عبر العلاج والحماية والتأهيل، ولا ينتهي إلا بضمان الإنصاف، وجبر الضرر، والمساءلة، ومنع تكرار الجريمة.
وترى تضامن أن مساندة ضحايا التعذيب من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يجب أن تقوم على مقاربة شاملة، تراعي أن التعذيب لا يضرب الجسد وحده، بل يطال النفس، والعائلة، والمكانة الاجتماعية، والقدرة على العمل أو الدراسة، والثقة بالعالم، والإحساس بالأمان. لذلك لا يكفي الإفراج عن الضحية إذا عاد إلى بيئة بلا علاج أو حماية، ولا يكفي نشر صورته إذا لم تُحفظ كرامته وخصوصيته، ولا يكفي توثيق شهادته إذا لم يتحول التوثيق إلى حماية ومحاسبة وجبر ضرر.
إن الناجي من التعذيب لا يحتاج إلى التعاطف فقط، بل يحتاج إلى منظومة دعم متكاملة تعترف بإنسانيته، وتعيد إليه قدرته على التعافي، وتحميه من إعادة الوصم أو الانتقام أو الاستغلال الإعلامي. فكل شهادة تعذيب يجب أن تُعامل بوصفها جزءًا من مسار إنصاف، لا مجرد مادة للنشر. وكل صورة لجسد منهك أو هزيل يجب أن تقود إلى فحص وعلاج وتوثيق ومساءلة، لا إلى استهلاك عابر للألم.
أولًا: الرعاية الطبية العاجلة والمستقلة
أول مسارات المساندة هو توفير الرعاية الطبية العاجلة والمستقلة لكل أسير أو معتقل محرر تظهر عليه آثار تعذيب، أو تجويع، أو حرمان طبي، أو تدهور صحي. ويجب إخضاع الناجين لفحص طبي شامل فور الإفراج، لا سيما في الأيام الأولى، لأن آثار الضرب، والقيود، وسوء التغذية، والجروح، والهزال، والانهيار الصحي تكون في هذه المرحلة أكثر وضوحًا وقابلية للتوثيق.
ويشمل الفحص الطبي تقييم الوزن والحالة الغذائية، والفحوص المخبرية الأساسية، وفحص آثار القيود على المعصمين والكاحلين، وتوثيق الكدمات والجروح والكسور وآلام المفاصل والعضلات، وتقييم الأمراض المزمنة، مثل الضغط والسكري والقلب والسرطان وأمراض الكلى والجهاز التنفسي، وفحص الحاجة إلى تدخل طبي عاجل أو إحالة للمستشفى أو عمليات جراحية أو علاج تأهيلي.
ويجب أن تتم هذه الفحوص على يد أطباء مستقلين ومدربين على توثيق آثار التعذيب وسوء المعاملة، لا تحت سلطة الجهة التي ارتكبت الانتهاك أو شاركت في إخفائه. فالاستقلال الطبي شرط أساسي لحماية الضحية، وضمان مصداقية التوثيق، ومنع تحويل الفحص الطبي إلى إجراء شكلي أو أداة لتبرير الانتهاكات.
كما ينبغي إنشاء مسار إحالة طبي سريع للحالات الخطيرة، خصوصًا الأسرى الذين يخرجون في حالة إغماء، أو نزيف، أو فقدان شديد في الوزن، أو صعوبة في الحركة، أو علامات اضطراب عصبي، أو تدهور في الوعي، أو مضاعفات لأمراض مزمنة. فالتأخر في علاج ما بعد الإفراج قد يفاقم الضرر الذي بدأ داخل السجن، ويضيّع فرصة إنقاذ حياة الضحية أو منع الإعاقة الدائمة.
ثانيًا: الدعم النفسي المتخصص والمستمر
المسار الثاني هو توفير الدعم النفسي المتخصص للناجين من التعذيب، باعتباره جزءًا أساسيًا من الحق في إعادة التأهيل. فالتعذيب لا يترك أثرًا جسديًا فقط، بل يخلّف صدمات عميقة تظهر في صورة كوابيس، نوبات هلع، أرق، اكتئاب، فقدان ثقة، عزلة، خوف من الأصوات العالية أو الأماكن المغلقة، صعوبة في العودة إلى الحياة اليومية، أو شعور دائم بالخطر.
وينبغي أن تكون خدمات الدعم النفسي آمنة وسرية ومراعية للصدمة، وأن تقدم بطريقة تحترم كرامة الضحية وإيقاعها في الكلام والتعافي. فلا يجوز الضغط على الناجي لسرد تفاصيل التعذيب قبل استعداده، ولا التعامل مع الألم النفسي بوصفه ضعفًا شخصيًا أو أمرًا ثانويًا. فالصدمة النفسية أثر مباشر للتعذيب، وتحتاج إلى علاج وتأهيل ومتابعة مستمرة، تمامًا كما تحتاج الجروح الجسدية إلى علاج.
وتزداد أهمية الدعم النفسي في حالات العنف الجنسي، أو التعرية، أو التفتيش العاري، أو التهديد بالاغتصاب، أو نزع الحجاب، أو التصوير المهين، أو الإذلال أمام الآخرين. ففي هذه الحالات، تمتنع الضحية أحيانًا عن الحديث بسبب الخوف من الوصم أو العار أو إساءة الفهم. لذلك يجب توفير مسارات دعم حساسة للنوع الاجتماعي، تحمي الخصوصية، وتؤكد بوضوح أن الضحية لا تتحمل أي عار أو مسؤولية عما تعرضت له.
ثالثًا: التوثيق القانوني والطبي وفق بروتوكول إسطنبول
المسار الثالث هو التوثيق القانوني والطبي المهني وفق المعايير الدولية، وفي مقدمتها بروتوكول إسطنبول، باعتباره الدليل الدولي المعتمد للتحقيق والتوثيق الفعالين للتعذيب وسوء المعاملة. ولا يهدف هذا التوثيق إلى حفظ الذاكرة فقط، بل يشكل أساسًا للمساءلة أمام المحاكم والآليات الدولية، ويمنع ضياع الأدلة أو تشويهها.
ويشمل التوثيق أخذ إفادة مفصلة من الضحية بعد الحصول على موافقتها الواعية، وتسجيل ظروف الاعتقال والاحتجاز، وأماكن التعذيب، والأشخاص أو الوحدات المتورطة إن أمكن، وطبيعة الطعام والعلاج والنوم والقيود والتهديدات، وتوثيق الإصابات بالصور والفحوص الطبية، وربط النتائج الطبية بما ورد في شهادة الضحية.
كما يجب حفظ الأدلة بطريقة مهنية وآمنة، بما يشمل الصور، والتقارير الطبية، ونتائج التحاليل، وشهادات العائلة، وتواريخ الاعتقال والإفراج، وبيانات السجن أو مركز الاحتجاز، وأي وثائق أو قرارات قانونية متصلة بالاحتجاز. فالتوثيق الضعيف يحرم الضحية لاحقًا من حقها في المساءلة، بينما التوثيق المهني يحول الألم الفردي إلى ملف قانوني قابل للتحرك.
وتؤكد تضامن أن توثيق التعذيب يجب أن يتم بطريقة تحمي الضحية من إعادة الصدمة. فالمحقق أو الباحث أو الطبيب لا يجوز أن يتعامل مع الشهادة بوصفها مجرد معلومات، بل بوصفها تجربة ألم إنسانية. لذلك يجب احترام حق الضحية في التوقف، أو الامتناع عن الإجابة، أو إخفاء هويتها، أو تأجيل المقابلة، أو رفض نشر بعض التفاصيل.
رابعًا: المساعدة القانونية وتحريك آليات المساءلة
المسار الرابع هو توفير المساعدة القانونية للضحايا والناجين، بما يشمل تقديم الشكاوى، ومتابعة الملفات، وتوثيق الانتهاكات أمام الجهات المختصة، وتحريك آليات الأمم المتحدة، وتقديم البلاغات إلى المقررين الخاصين، واللجان التعاقدية، والمحاكم ذات الاختصاص، وتفعيل الولاية القضائية العالمية في الدول التي تسمح قوانينها بملاحقة جرائم التعذيب وجرائم الحرب.
ويجب أن تكون المساعدة القانونية متاحة للضحايا دون تمييز، وبطريقة تحميهم من الانتقام أو إعادة الوصم أو الاستغلال. فالضحية التي تقرر تقديم شكوى تحتاج إلى حماية قانونية وإعلامية واجتماعية، لا إلى تركها وحدها في مواجهة منظومة تمتلك القوة والسجلات والقدرة على الإنكار.
ولا تقتصر المسؤولية القانونية على المنفذين المباشرين للتعذيب، بل تمتد إلى كل من أمر، أو حرّض، أو سمح، أو تستر، أو امتنع عن التحقيق رغم علمه بوقوع الانتهاكات. كما تشمل المسؤولية المستويات الإدارية والطبية والسياسية عندما تكون الانتهاكات واسعة النطاق أو متكررة أو معلومة ولم تُتخذ إجراءات فعالة لوقفها.
خامسًا: حماية الكرامة والخصوصية ومنع استغلال الألم
المسار الخامس هو حماية كرامة الضحايا وخصوصيتهم، خصوصًا عند نشر الصور أو الشهادات أو المعلومات الطبية. فلا يجوز التعامل مع صور الأسرى أو أجسادهم أو شهاداتهم بطريقة تستنزف معاناتهم أو تعرضهم للوصم أو تعيد إنتاج الإذلال الذي تعرضوا له داخل السجن.
ويجب احترام حق الضحية في اختيار ما يُنشر عنها، ومتى يُنشر، وبأي صيغة، وخصوصًا في قضايا التعذيب الجنسي، والتعرية، والإذلال الجندري، والتهديد بالاغتصاب، أو الحالات التي تشمل النساء والأطفال وكبار السن والمرضى. كما يجب تجنب نشر تفاصيل حساسة قد تكشف هوية الضحية دون موافقتها، أو تعرّضها للانتقام، أو تسبب لها ضررًا اجتماعيًا أو نفسيًا إضافيًا.
وتؤكد تضامن أن الضحية لا يتحمل أي عار. العار يقع كاملًا على الجناة، وعلى المؤسسة التي منحتهم السلطة، وعلى القيادات التي سمحت باستمرار الانتهاكات، وعلى كل جهة دولية تملك أدوات المساءلة وتختار الصمت أو الاكتفاء بتسجيل القلق. إن حماية كرامة الضحية جزء من العدالة، وليست مسألة شكلية أو إعلامية.
سادسًا: دعم العائلات بوصفها جزءًا من دائرة الضرر
المسار السادس هو دعم عائلات الضحايا والناجين، لأن التعذيب لا يصيب الأسير وحده، بل يمتد إلى أسرته. فكثير من العائلات تستقبل أبناءها المحررين وهم بحاجة إلى علاج طويل، أو دعم نفسي، أو رعاية يومية، أو متابعة طبية متخصصة، أو تعويض عن فقدان العمل أو الدراسة أو الدخل.
وقد تجد العائلة نفسها أمام شخص تغير جسده ونفسيته بعد السجن: يعاني من الكوابيس، أو الغضب، أو العزلة، أو الخوف، أو الألم المزمن، أو الحاجة المستمرة إلى المستشفى. لذلك يجب أن تشمل برامج المساندة إرشادًا عائليًا واجتماعيًا يساعد الأسرة على فهم آثار التعذيب، وكيفية التعامل مع الصدمة، ودعم الناجي دون ضغط أو لوم أو إنكار لمعاناته.
كما يجب تخفيف الأعباء الاقتصادية على العائلات، خصوصًا في الحالات التي يحتاج فيها الناجي إلى عمليات جراحية، أو علاج دوائي طويل، أو جلسات علاج طبيعي، أو دعم نفسي متخصص، أو تغذية علاجية. فترك العائلة وحدها أمام هذه الأعباء يضاعف أثر التعذيب، ويحوّل الإفراج إلى بداية لمعاناة جديدة.
سابعًا: جبر الضرر ورد الاعتبار وضمان عدم التكرار
المسار السابع هو جبر الضرر بمعناه الشامل. ووفق المعايير الدولية، لا يقتصر الجبر على التعويض المالي، بل يشمل إعادة التأهيل، والتعويض، ورد الاعتبار، والاعتراف الرسمي بالانتهاك، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وضمانات عدم التكرار.
ولا يجوز اختزال جبر الضرر في مبلغ مالي أو مساعدة طارئة، رغم أهميتها. فالضحايا يحتاجون إلى الحقيقة، والاعتراف، والعلاج، والاعتذار، والمساءلة، وإصلاح السياسات التي سمحت بوقوع التعذيب. كما يحتاجون إلى ضمانات عملية تمنع تكرار الانتهاك، مثل فتح السجون للرقابة المستقلة، وتمكين المحامين والعائلات من الزيارة، وضمان الفحص الطبي المستقل، ومنع العزل والتجويع والتعذيب الجنسي والحرمان الطبي.
إن رد الاعتبار للضحايا يعني إعادة الاعتراف بإنسانيتهم وكرامتهم، بعد أن حاول التعذيب تجريدهم منهما. ويعني أيضًا رفض تحويلهم إلى مجرد أرقام أو صور أو قصص مؤثرة، والتعامل معهم كأصحاب حقوق لهم صوت ومكانة وحق في العدالة.
ثامنًا: إنشاء آلية وطنية وحقوقية موحدة للتوثيق والإحالة
تؤكد تضامن أن مساندة ضحايا التعذيب الفلسطينيين تتطلب إنشاء آلية وطنية وحقوقية موحدة لتوثيق حالات التعذيب وسوء المعاملة بعد الإفراج، وإحالتها إلى أطباء، ومحامين، واختصاصيين نفسيين واجتماعيين. وينبغي أن تعمل هذه الآلية وفق معايير مهنية، وبقاعدة بيانات آمنة، تراعي حماية الخصوصية، وتمنع الوصول غير المصرح به إلى معلومات الضحايا.
وتشمل مهام هذه الآلية استقبال الحالات فور الإفراج، إجراء تقييم أولي للمخاطر الصحية والنفسية، إحالة الحالات العاجلة للمستشفيات، توثيق الإصابات والشهادات، متابعة العلاج، توفير دعم قانوني، وربط الحالات المتشابهة لاستخلاص الأنماط العامة. وبهذه الطريقة، لا تبقى كل حالة معزولة، بل تصبح جزءًا من ملف وطني وحقوقي متكامل يربط بين العلاج والمساءلة.
كما يجب أن تمنح هذه الآلية أولوية خاصة للفئات الأكثر هشاشة، مثل الأسرى المرضى، والنساء، والأطفال، وكبار السن، ومعتقلي غزة، والناجين من التعذيب الجنسي أو الإذلال الجندري، وذوي الإعاقة، وأصحاب الأمراض المزمنة، والمفرج عنهم في حالات صحية حرجة.
تاسعًا: برامج خاصة لمعتقلي غزة والنساء والأطفال والفئات الهشة
تدعو تضامن إلى تخصيص برامج عاجلة لمعتقلي قطاع غزة، نظرًا لخصوصية أوضاعهم، وما واجهوه من عزل، وانقطاع عن العائلات، وغياب معلومات، واحتجاز في معسكرات مغلقة، وارتفاع مخاطر التعذيب وسوء المعاملة. ويجب أن تشمل هذه البرامج التوثيق السريع، والفحص الطبي والنفسي، وجمع المعلومات حول أماكن الاحتجاز، وربط الأسر بالمعلومات المتاحة، ومتابعة الحالات التي تظهر عليها آثار هزال أو إصابات أو انهيار صحي.
كما يجب تخصيص مسارات آمنة للنساء الناجيات من التعذيب أو الإذلال الجنسي أو الجندري، بما يحمي الخصوصية ويمنع الوصم. ويجب أن تشمل هذه المسارات دعمًا نفسيًا متخصصًا، ورعاية صحية تراعي الاحتياجات الجسدية والإنجابية، ومساعدة قانونية حساسة للنوع الاجتماعي.
أما الأطفال الأسرى أو المحررون، فيحتاجون إلى برامج حماية وتأهيل منفصلة تراعي أعمارهم، وحقهم في التعليم، وحاجتهم إلى دعم نفسي وأسري طويل الأمد. فالطفل الذي يتعرض للاعتقال أو التعذيب لا يعود إلى حياته الطبيعية بمجرد الإفراج، بل يحتاج إلى بيئة آمنة تساعده على استعادة الثقة والقدرة على التعلم والنمو.
عاشرًا: تحويل التضامن إلى مساءلة
إن مساندة ضحايا التعذيب لا تكتمل دون مساءلة. فالعلاج ضروري، والتأهيل ضروري، والدعم النفسي والاجتماعي ضروري، لكن بقاء الجناة بلا محاسبة يعني أن الضحايا قد يُعالجون اليوم بينما يستمر إنتاج ضحايا جدد غدًا. لذلك يجب أن يكون كل مسار دعم مرتبطًا بمسار مساءلة، وكل ملف طبي مرتبطًا بملف قانوني، وكل شهادة محفوظة بما يسمح باستخدامها عند الحاجة أمام الآليات الدولية والقضائية.
وتؤكد تضامن أن واجب المجتمع الدولي لا يقتصر على تمويل برامج العلاج أو إصدار بيانات القلق. فالدول والهيئات الدولية مطالبة باستخدام أدواتها القانونية والسياسية لوقف التعذيب، وضمان وصول الرقابة المستقلة إلى السجون، ودعم التحقيقات الدولية، وفرض تدابير مساءلة على المسؤولين عن التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك المسؤولون السياسيون والإداريون والأمنيون والطبيون الذين ثبت تورطهم أو تقاعسهم.
وعليه، فإن مساندة ضحايا التعذيب والناجين يجب أن تتحول من خطاب تضامني إلى خطة عمل متكاملة: علاج، توثيق، حماية، تأهيل، دعم عائلي، مساعدة قانونية، جبر ضرر، ومساءلة. فلا عدالة بلا إنصاف للضحايا، ولا إنصاف بلا اعتراف بالحقيقة، ولا حقيقة بلا توثيق، ولا ضمان لعدم التكرار دون محاسبة من جعلوا السجن أداة للتعذيب والإخضاع.
وتختم تضامن بالتأكيد أن الضحايا والناجين ليسوا مجرد شهود على الجريمة، بل أصحاب حق في العلاج والكرامة والعدالة. ومساندتهم ليست فعلًا إنسانيًا طوعيًا، بل التزام قانوني وأخلاقي يفرضه الحظر المطلق للتعذيب، وتفرضه كرامة الإنسان التي لا تسقط بالاعتقال ولا تنتهي خلف جدران السجون.
الفصل العاشر:
التكييف القانوني الدولي للانتهاكات
تُشكل الممارسات الموثقة في هذا التقرير انتهاكات صريحة وجسيمة لعدد من قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي. ويبدأ التكييف القانوني من القاعدة الأهم والأكثر رسوخًا: حظر التعذيب حظرًا مطلقًا. فالتعذيب ليس سلوكًا محظورًا في الظروف العادية فقط، بل جريمة لا يجوز تبريرها أو التساهل معها تحت أي ظرف، بما في ذلك الحرب، أو حالة الطوارئ، أو مكافحة الإرهاب، أو الأمن القومي، أو طبيعة التهمة، أو صفة المعتقل، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي للضحية.
إن الحظر المطلق للتعذيب يُعد من القواعد الآمرة في القانون الدولي، أي من القواعد التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ولا تعليقها أو تقييدها. وبناءً على ذلك، فإن أي سياسة أو ممارسة تسمح بالضرب، أو الصعق، أو الشبح، أو التجويع، أو الحرمان الطبي، أو التعرية القسرية، أو التهديد بالاغتصاب، أو العزل القاسي، أو الإذلال المتعمد، داخل أماكن الاحتجاز، لا تمثل مخالفة إدارية أو سوء إدارة، بل انتهاكًا جوهريًا لالتزامات دولية ملزمة.
أولًا: اتفاقية مناهضة التعذيب
وفق المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب، يقوم التعذيب على أربعة عناصر رئيسية: إحداث ألم أو معاناة شديدة، جسدية أو نفسية؛ أن يكون الفعل متعمدًا؛ أن يرتبط بغرض مثل الحصول على معلومات أو اعتراف، أو العقاب، أو التخويف، أو الإكراه، أو التمييز؛ وأن يصدر عن موظف رسمي أو شخص يتصرف بصفته الرسمية، أو بتحريض منه، أو بموافقته، أو بسكوته.
وبناءً على هذه العناصر، فإن الممارسات التي يوثقها التقرير، بما في ذلك الضرب، والصعق الكهربائي، والتعليق، والوضعيات القسرية، والتقييد المؤلم، والتعرية، والتفتيش العاري المهين، والتهديد بالاغتصاب، والتجويع، والحرمان من العلاج، والتعذيب بالبرد، والحرمان من النوم، والعزل، تدخل ضمن نطاق التعذيب عندما تُمارس داخل أماكن احتجاز رسمية أو خاضعة لسيطرة سلطات الاحتلال، وبقصد العقاب أو الإخضاع أو التخويف أو التمييز.
كما أن المادة الثانية من الاتفاقية تلزم كل دولة باتخاذ تدابير فعالة لمنع التعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها، وتنص صراحة على أنه لا يجوز التذرع بأي ظروف استثنائية، أيًا كانت، لتبرير التعذيب. وهذا يعني أن الحرب الجارية، أو التوتر الأمني، أو الادعاءات المتعلقة بخطورة المعتقلين، لا تصلح قانونًا لتبرير التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وتلزم المواد 12 و13 و14 من الاتفاقية السلطات بفتح تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع التعذيب، وبتمكين الضحايا من تقديم الشكاوى دون خوف من الانتقام، وبضمان حقهم في الإنصاف والتعويض وإعادة التأهيل. وبذلك لا تقتصر مسؤولية السلطات على الامتناع عن ممارسة التعذيب، بل تمتد إلى منعه، والتحقيق فيه، ومحاسبة المسؤولين عنه، وجبر الضرر اللاحق بالضحايا.
كما تحظر المادة 16 من الاتفاقية المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حتى عندما لا تبلغ مستوى التعذيب بالمعنى الضيق. وهذا أمر بالغ الأهمية في حالة السجون، لأن كثيرًا من الممارسات قد تُقدَّم على أنها إجراءات تأديبية أو أمنية، لكنها في حقيقتها تُحدث ألمًا ومعاناة وإذلالًا يمس الكرامة الإنسانية، مثل منع الاستحمام، وتقليص الطعام، ومصادرة الأغطية، والتفتيش المهين، والحرمان من النوم، والعزل المطوّل.
ثانيًا: اتفاقية جنيف الرابعة وقواعد القانون الدولي الإنساني
باعتبار إسرائيل قوة احتلال، فإنها ملزمة بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب. وتحظر الاتفاقية تعريض الأشخاص المحميين للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الإكراه أو العقوبات الجماعية، وتلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام الكرامة الإنسانية، وحماية الحياة والصحة، وتوفير الرعاية الطبية والغذاء والظروف الإنسانية للمحتجزين.
وتنص المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة على وجوب معاملة الأشخاص المحميين معاملة إنسانية في جميع الأوقات، واحترام شرفهم وحقوقهم العائلية ومعتقداتهم وعاداتهم. كما تحظر المادة 31 ممارسة أي إكراه بدني أو معنوي ضد الأشخاص المحميين، وتحظر المادة 32 التدابير التي تسبب معاناة جسدية أو إبادة، بما في ذلك التعذيب والمعاملة الوحشية. وتحظر المادة 33 العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب.
وبناءً على هذه النصوص، فإن التجويع الجماعي، وتقليص الطعام، والحرمان من الدواء، ومنع العلاج، ومصادرة الأغطية والملابس، والتفتيش العاري، والضرب الجماعي، ومنع الزيارات، والعزل عن العالم الخارجي، واحتجاز المرضى والجرحى في ظروف قاسية، كلها تمثل انتهاكات مباشرة لالتزامات القوة القائمة بالاحتلال. ولا يجوز تحويل السجن إلى مساحة انتقام أو إخضاع جماعي، لأن المحتجز، حتى لو كان محرومًا من حريته، يبقى محميًا بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما أن المادة 76 من اتفاقية جنيف الرابعة تلزم القوة القائمة بالاحتلال بتوفير الغذاء والنظافة والرعاية الطبية للمعتقلين من الأراضي المحتلة. وتفرض المواد المتعلقة بالمعتقلين واجبات واضحة بشأن توفير العيادات والرعاية الطبية والفحوص الصحية المنتظمة. وبذلك فإن حرمان الأسرى المرضى من العلاج، أو ترك الجرحى دون رعاية، أو تجاهل الأمراض المزمنة، أو منع الغذاء المناسب، لا يمثل تقصيرًا إداريًا فقط، بل انتهاكًا لاتفاقية جنيف الرابعة.
وتؤكد القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني كذلك حظر التعذيب والمعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية، بما في ذلك المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة. وهذه القواعد تنطبق في كل ظروف الاحتجاز، وتلزم السلطات بحماية الأشخاص الواقعين تحت سيطرتها الفعلية، خصوصًا عندما يكونون غير قادرين على حماية أنفسهم أو الوصول إلى العلاج أو الشكوى أو الرقابة المستقلة.
ثالثًا: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته السابعة التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ويُعد هذا الحظر مطلقًا وغير قابل للتقييد حتى في حالات الطوارئ العامة. كما تلزم المادة العاشرة من العهد بمعاملة جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة المتأصلة في الإنسان.
وهذا يعني أن السجن لا يسقط الكرامة، وأن فقدان الحرية لا يمنح السلطة الحق في إهدار الصحة، أو الجسد، أو الخصوصية، أو الحق في العلاج، أو الاتصال بالعالم الخارجي. فالمعتقل لا يتحول إلى شخص خارج حماية القانون بمجرد احتجازه، بل تصبح الدولة أو سلطة الاحتجاز مسؤولة بصورة أكبر عن حمايته لأنها تسيطر على كامل ظروف حياته.
كما تكفل المادة التاسعة من العهد الحق في الحرية والأمان الشخصي، وتحظر الاعتقال التعسفي، بينما تكفل المادة الرابعة عشرة ضمانات المحاكمة العادلة. ولهذا، فإن الاحتجاز الطويل دون تهمة واضحة، أو الاعتقال الإداري المتكرر، أو احتجاز معتقلي غزة بمعزل عن المحامين والعائلات، لا ينفصل عن بيئة التعذيب، لأن غياب الضمانات القانونية يزيد خطر سوء المعاملة ويمنع الضحايا من الوصول إلى آليات الحماية والمساءلة.
رابعًا: قواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء
تؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة بقواعد نيلسون مانديلا، أن جميع السجناء يجب أن يُعاملوا باحترام لكرامتهم المتأصلة وقيمتهم كبشر. وتنص هذه القواعد على أن الرعاية الصحية في السجون مسؤولية الدولة، وأن السجناء يجب أن يحصلوا على مستوى من الرعاية الصحية مماثل للرعاية المتاحة في المجتمع، دون تمييز بسبب وضعهم القانوني.
وتؤكد القواعد أن القرارات الطبية يجب أن تبقى مستقلة عن الضغوط الأمنية أو العقابية، وأن واجب الطواقم الطبية هو حماية صحة السجين لا خدمة أهداف العقاب أو التحقيق. وبذلك فإن صمت الطواقم الطبية أمام التعذيب، أو تجاهل الإصابات، أو إعادة الأسير إلى التحقيق رغم حالته الصحية، أو الامتناع عن توثيق آثار الضرب، يمثل إخلالًا خطيرًا بالواجب المهني والأخلاقي.
كما تضع قواعد نيلسون مانديلا قيودًا صارمة على استخدام وسائل التقييد، والتفتيش، والعقوبات التأديبية، والحبس الانفرادي. وتحظر الحبس الانفرادي المطول، وتؤكد أن التفتيش يجب أن يتم بطريقة تحترم الكرامة والخصوصية، وأن القيود لا يجوز استخدامها كعقوبة أو وسيلة لإحداث الألم أو الإذلال. وبناءً على ذلك، فإن التقييد المؤلم، والشبح، والتفتيش العاري المهين، والعزل المطول، ومصادرة الأغطية والطعام كعقاب، كلها ممارسات تخالف هذه المعايير الدولية.
ورغم أن قواعد نيلسون مانديلا ليست معاهدة بالمعنى التقليدي، فإنها تمثل المعيار الدولي الأبرز لتقييم معاملة السجناء. وعندما تُقارن الوقائع الموثقة في هذا التقرير بهذه القواعد، يتضح أن منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، في كثير من ممارساتها بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ابتعدت عن الحد الأدنى الواجب لمعاملة السجناء، وتحولت إلى بيئة عقابية تُنتج الألم والحرمان والإذلال.
خامسًا: القانون الدولي الخاص بحقوق النساء والأطفال والفئات الهشة
تكتسب الانتهاكات الموجهة ضد النساء، والأطفال، والمرضى، وكبار السن، والحوامل، وذوي الإعاقة، والعاملين في القطاع الصحي، خطورة إضافية بسبب الحماية الخاصة التي يتمتعون بها بموجب القانون الدولي. فالنساء الأسيرات يجب أن يتمتعن بحماية من العنف الجنسي والجندري، والتفتيش المهين، والإذلال المرتبط بالجسد أو الحجاب أو الخصوصية. والأطفال يجب أن يعاملوا بما يتوافق مع مصلحتهم الفضلى وحاجتهم للحماية والتعليم والرعاية النفسية والاجتماعية.
إن التهديد بالاغتصاب، أو التعرية، أو التفتيش العاري، أو نزع الحجاب، أو السخرية من الجسد، عندما يمارس ضد النساء أو الفتيات، يشكل انتهاكًا جسيمًا للحظر الدولي للعنف الجنسي والجندري، يرتقى إلى التعذيب إذا اقترن بالقصد والمعاناة الشديدة ووقوعه في سياق احتجاز رسمي. كما أن احتجاز الحوامل أو الأمهات أو النساء اللواتي خضعن لعمليات حديثة دون رعاية صحية مناسبة يمثل انتهاكًا مضاعفًا للحق في الصحة والكرامة والسلامة الجسدية والنفسية.
أما الأطفال الأسرى، فإن تعريضهم للضرب، أو التهديد، أو العزل، أو الحرمان من التعليم والزيارات، أو الاحتجاز في ظروف قاسية، يخالف اتفاقية حقوق الطفل، ولا سيما القواعد التي تحظر التعذيب والمعاملة القاسية، وتؤكد أن احتجاز الطفل يجب أن يكون إجراءً أخيرًا ولأقصر فترة ممكنة، وأن يُعامل كل طفل محروم من حريته بطريقة تراعي كرامته واحتياجاته العمرية والنفسية.
سادسًا: التكييف كجرائم حرب
بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تشكل بعض الأفعال المرتكبة ضد الأشخاص المحميين في سياق نزاع مسلح أو احتلال جرائم حرب. وتشمل هذه الأفعال التعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والتسبب عمدًا في معاناة شديدة أو أذى خطير للجسم أو الصحة، والاعتداء على الكرامة الشخصية، والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، والعنف الجنسي، والحرمان غير المشروع من الحرية أو من ضمانات المحاكمة العادلة.
وبناءً على ذلك، فإن الممارسات الموثقة في هذا التقرير، عندما تقع في سياق الاحتلال والنزاع المسلح، وداخل أماكن احتجاز خاضعة لسلطة الاحتلال، تُكيَّف كجرائم حرب عند توافر أركانها القانونية. ويشمل ذلك الضرب المنهجي، والصعق، والتعليق، والتجويع، والحرمان الطبي، والتعرية القسرية، والتهديد بالاغتصاب، والعزل القاسي، والإذلال، واحتجاز أشخاص دون ضمانات قانونية فعالة، وإلحاق معاناة شديدة بهم.
وتتأكد خطورة هذا التكييف عندما تكون الضحايا من المدنيين، أو العمال، أو النساء، أو الأطفال، أو كبار السن، أو الجرحى، أو العاملين في القطاع الصحي، أو معتقلي غزة الذين احتُجزوا بمعزل عن الرقابة والمحامين والعائلات. فهذه الفئات لا تفقد حمايتها القانونية بسبب الاعتقال، بل تستوجب حماية مضاعفة من العنف والإكراه والإذلال.
سابعًا: التكييف كجرائم ضد الإنسانية
بموجب المادة السابعة من نظام روما الأساسي، يشكل التعذيب، والسجن أو الحرمان الشديد من الحرية، والاضطهاد، والعنف الجنسي، والأفعال اللاإنسانية الأخرى، جرائم ضد الإنسانية عندما تُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بهذا الهجوم.
وترى “تضامن” أن اتساع نطاق الانتهاكات، وتكرارها، وتشابه أساليبها، ووقوعها داخل منظومة احتجاز رسمية، واستمرارها رغم الشكاوى والتقارير، وترافقها مع خطاب سياسي وتحريضي ينزع الإنسانية عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، كلها عناصر تدعم توصيف هذه الممارسات كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد الفلسطينيين بوصفهم جماعة محمية.
وفي هذا الإطار، لا يكون التعذيب مجرد جريمة منفصلة ضد ضحية بعينها، بل جزءًا من سياسة أو نمط أوسع يستهدف مجموعة من السكان. فالضرب، والتجويع، والحرمان من العلاج، والعزل، والتعرية، والتهديد، والإذلال، حين تتكرر على نطاق واسع وداخل مؤسسات رسمية، وتُمارس ضد فئات متعددة من الفلسطينيين، فإنها تقترب من تعريف الجرائم ضد الإنسانية، وتستوجب مساءلة جنائية فردية على مستوى المنفذين والآمرين والمسؤولين الذين علموا أو كان ينبغي لهم أن يعلموا ولم يمنعوا أو يعاقبوا.
ثامنًا: المسؤولية الجنائية الفردية ومسؤولية القيادة
لا تقتصر المسؤولية القانونية عن التعذيب وسوء المعاملة على من مارس الضرب أو نفذ التقييد أو منع العلاج مباشرة. فالقانون الجنائي الدولي يقر مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، بما يشمل المسؤولية عن الأمر، أو التحريض، أو المساعدة، أو التسهيل، أو التستر، أو الامتناع عن منع الجريمة أو معاقبة مرتكبيها عندما يكون الشخص في موقع سلطة.
وبموجب مبدأ مسؤولية القيادة، يتحمل القادة والمسؤولون العسكريون والأمنيون والإداريون والسياسيون المسؤولية إذا كانوا يعلمون، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، بوقوع التعذيب أو سوء المعاملة، ولم يتخذوا التدابير اللازمة والمعقولة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها. وهذا المبدأ يكتسب أهمية خاصة في حالة السجون، لأن تكرار الانتهاكات واتساعها داخل مؤسسات رسمية يجعل الادعاء بغياب العلم أو السيطرة أقل قبولًا.
كما تمتد المسؤولية إلى الطواقم الطبية عندما تشارك في إخفاء آثار التعذيب، أو تمتنع عن توثيق الإصابات، أو تعيد الأسير إلى التحقيق رغم علمها بحالته، أو تتجاهل الألم والمعاناة الشديدة. فالمهنة الطبية لا تمنح حصانة لمن يساهم في التعذيب أو يسهل استمراره، بل تفرض واجبًا مضاعفًا في الحماية والتوثيق والإبلاغ.
تاسعًا: واجب التحقيق والمساءلة وعدم الاكتفاء بالإدانة
تؤكد تضامن أن التكييف القانوني لهذه الانتهاكات لا يكتمل دون واجب التحقيق والمساءلة. فالقانون الدولي لا يكتفي بإدانة التعذيب من حيث المبدأ، بل يلزم بفتح تحقيقات مستقلة، وفعالة، ونزيهة، وسريعة، وتحديد المسؤولين، وضمان مشاركة الضحايا وحمايتهم، ونشر النتائج، وملاحقة المتورطين.
ولا تُعد التحقيقات الداخلية الشكلية أو غير المستقلة كافية عندما تكون الانتهاكات واسعة النطاق أو متكررة أو مرتبطة بمؤسسات رسمية. كما أن غياب التحقيق الفعال أو الاكتفاء بالعقوبات الإدارية المحدودة يعزز الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الجريمة. ولذلك، فإن الطبيعة الجسيمة لهذه الانتهاكات تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا، وآليات مساءلة قادرة على الوصول إلى الضحايا، والسجلات، وأماكن الاحتجاز، والمسؤولين.
كما تفرض قواعد القانون الدولي على الدول الأخرى واجبات تتصل بمنع التعذيب وملاحقة مرتكبيه، بما في ذلك عدم توفير الغطاء السياسي أو العسكري أو الأمني للانتهاكات، وعدم تسهيل الإفلات من العقاب، واستخدام أدوات الولاية القضائية العالمية حيثما تسمح القوانين الوطنية بذلك لملاحقة مرتكبي التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
عاشرًا: الخلاصة القانونية
تخلص تضامن إلى أن الممارسات الموثقة في هذا التقرير لا تمثل مجرد تجاوزات فردية أو سوء معاملة متفرقة، بل انتهاكات جسيمة ومترابطة لقواعد آمرة وملزمة في القانون الدولي. فالضرب، والصعق، والوضعيات القسرية، والتجويع، والحرمان الطبي، والتعرية، والتهديد بالاغتصاب، والتعذيب بالبرد، والعزل، ومنع الاتصال بالعالم الخارجي، كلها أفعال تقع في قلب الحظر الدولي للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.
كما أن اتساع نطاق الانتهاكات، وتكرارها، وتشابه أساليبها، واستهدافها فئات متعددة من الفلسطينيين، ووقوعها داخل منظومة احتجاز رسمية، واستمرارها رغم الشكاوى والتقارير، يدعم توصيفها كجرائم دولية تستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومساءلة جنائية فردية. ولا يجوز للمجتمع الدولي أن يتعامل مع هذه الوقائع بوصفها ملفًا إنسانيًا أو إداريًا فقط، بل بوصفها جرائم تمس قواعد أساسية في النظام القانوني الدولي.
وعليه، فإن الحظر المطلق للتعذيب يفرض التزامات فورية وواضحة: وقف الانتهاكات، فتح السجون ومراكز الاحتجاز للرقابة المستقلة، تمكين المحامين والعائلات من الوصول إلى المعتقلين، توفير العلاج والغذاء والحماية، توثيق الإصابات، إنصاف الضحايا، وملاحقة المسؤولين عن التعذيب وسوء المعاملة، من المنفذين المباشرين إلى أصحاب القرار الذين أمروا أو سمحوا أو صمتوا.
الفصل الحادي عشر:
المسؤولية القانونية والسياسية والمؤسسية
لا تقع المسؤولية عن التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز على المنفذ المباشر وحده. فالقانون الدولي لا ينظر إلى التعذيب بوصفه فعلًا معزولًا يرتكبه فرد منفلت من الرقابة فقط، بل يقرّ بمسؤولية كل من أمر، أو حرّض، أو ساعد، أو سهّل، أو تستر، أو علم بوقوع الانتهاكات ولم يمنعها، أو امتنع عن التحقيق فيها ومعاقبة مرتكبيها. وفي منظومة الاحتجاز، تتدرج المسؤولية من السجان والجندي والمحقق والطبيب المتواطئ، إلى إدارة السجن، والقيادات الأمنية والعسكرية، والهيئات القضائية أو الرقابية التي تتقاعس عن الحماية، وصولًا إلى المسؤولين السياسيين الذين يصدرون السياسات أو يوفرون الغطاء لها أو يحرضون عليها.
وتؤكد تضامن أن طبيعة الانتهاكات الموثقة في هذا التقرير، من ضرب وتجويع وحرمان طبي وتعرية وتهديد وعزل وتقييد مؤلم وإذلال، لا يجوز التعامل معها باعتبارها تصرفات فردية معزولة إذا تكررت في أكثر من سجن ومركز احتجاز، ووردت في شهادات متعددة، وظهرت آثارها على أجساد الأسرى بعد الإفراج، واستمرت رغم التقارير والشكاوى والتحذيرات. فالتكرار، والاتساع، وتشابه الأساليب، وغياب المحاسبة، كلها مؤشرات على مسؤولية أوسع من مسؤولية المنفذ المباشر.
أولًا: مسؤولية المنفذين المباشرين
تبدأ المسؤولية القانونية من الأشخاص الذين يباشرون أفعال التعذيب أو سوء المعاملة بصورة مباشرة، بمن فيهم الجنود، والسجانون، والمحققون، وعناصر وحدات الاقتحام، وكل شخص شارك في الضرب، أو الصعق، أو التقييد المؤلم، أو التعليق، أو التعرية، أو التهديد، أو الحرمان من الطعام أو العلاج، أو منع النوم أو استخدام الحمام، أو أي فعل تسبب في ألم أو معاناة شديدة جسدية أو نفسية.
ولا يعفي هؤلاء من المسؤولية الادعاء بأنهم كانوا ينفذون أوامر عليا، خصوصًا عندما تكون الأوامر مخالفة بوضوح للحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. فالقانون الدولي لا يقبل تحويل التعذيب إلى واجب وظيفي، ولا يمنح الحصانة لمن يشارك في جريمة واضحة ضد شخص أعزل واقع تحت السيطرة الكاملة لسلطة الاحتجاز.
ثانيًا: مسؤولية إدارة السجون ومراكز الاحتجاز
تتحقق مسؤولية إدارات السجون ومراكز الاحتجاز عندما تقع الانتهاكات داخل أماكن خاضعة لسيطرتها، أو عندما تكون على علم بها، أو عندما تتكرر بصورة تجعل العلم بها مفترضًا، دون اتخاذ إجراءات فعالة لوقفها. فإدارة السجن مسؤولة عن الطعام، والعلاج، والنظافة، والزيارات، والعزل، والتفتيش، والعقوبات، ووسائل التقييد، وحماية الأسرى من العنف. لذلك، فإن أي تقصير أو سياسة ممنهجة في هذه المجالات لا يجوز تبريرها بوصفها خللًا إداريًا بسيطًا.
فإذا تكررت شهادات التجويع، والضرب، والتفتيش العاري، والحرمان الطبي، ومصادرة الأغطية، وتقليص الفورة، ومنع الزيارات، وخرج أسرى بأجساد منهكة أو مصابة أو مريضة، فإن إدارة السجن تتحمل مسؤولية مباشرة عن بيئة الاحتجاز التي سمحت بوقوع هذه الانتهاكات. وكلما طال استمرار هذه الممارسات دون تحقيق أو وقف أو محاسبة، تعزز الاستنتاج بوجود قبول ضمني أو تواطؤ أو سياسة مؤسسية
ثالثًا: مسؤولية القيادات الأمنية والعسكرية
لا تقف المسؤولية عند حدود إدارة السجن، بل تمتد إلى القيادات الأمنية والعسكرية التي تضع التعليمات، وتشرف على مراكز الاحتجاز، وتمنح الصلاحيات، وتتحكم في أنظمة التفتيش والعزل والنقل والتحقيق، وتحدد القيود المفروضة على المحامين والعائلات والرقابة المستقلة. فهذه القيادات تتحمل مسؤولية منع التعذيب، وضمان وجود آليات رقابة فعالة، والتحقيق في الشكاوى، ومعاقبة المتورطين.
وبموجب مبدأ مسؤولية القيادة، يتحمل المسؤولون في مواقع السلطة المسؤولية إذا كانوا يعلمون، أو كان ينبغي لهم أن يعلموا، بوقوع التعذيب أو سوء المعاملة، ولم يتخذوا التدابير اللازمة والمعقولة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها. وفي سياق السجون ومعسكرات الاحتجاز، يصبح العلم مفترضًا عندما تتراكم الشهادات، وتنتشر الصور، وتصدر التقارير الحقوقية، وتتكرر حالات التدهور الصحي أو الوفاة أو الانهيار بعد الإفراج.
إن إغلاق أماكن الاحتجاز أمام الرقابة المستقلة، أو تقييد وصول المحامين، أو حجب المعلومات عن العائلات، أو منع الزيارات الدولية الفعالة، لا يخفف المسؤولية بل يعمقها. فالعزل عن الرقابة لا يحمي المنظومة من المساءلة، بل يكشف أنها خلقت بيئة تسمح بإخفاء التعذيب واستمراره.
رابعًا: مسؤولية الطواقم الطبية داخل منظومة الاحتجاز
تشمل المسؤولية أيضًا الطواقم الطبية العاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز عندما تمتنع عن توثيق الإصابات، أو تتجاهل شكاوى الألم، أو تعيد الأسير إلى التحقيق أو الزنزانة رغم حالته الصحية، أو تشارك في إجراءات قسرية أو مهينة، أو تسجل تقارير طبية مضللة تخفي آثار التعذيب. فالطب داخل السجن يجب أن يكون أداة حماية، لا جزءًا من منظومة الإخضاع.
والطبيب أو الممرض داخل السجن لا يفقد واجبه المهني والأخلاقي بسبب عمله داخل مؤسسة أمنية. واجبه الأول هو حماية صحة المحتجز، وتقديم العلاج، وتوثيق الإصابات، وطلب الإحالة الطبية عند الحاجة، ورفض أي ممارسة تؤدي إلى الألم أو الإهانة أو إخفاء آثار التعذيب. وعندما تتحول العيادة إلى محطة شكلية لإعادة الأسير إلى التحقيق، أو إلى أداة لتبرير استمرار احتجازه في ظروف خطيرة، فإن الطاقم الطبي يصبح جزءًا من سلسلة المسؤولية.
وتؤكد تضامن أن الصمت الطبي أمام التعذيب ليس حيادًا، بل قد يتحول إلى مساهمة في استمرار الجريمة، خاصة عندما يكون الطبيب على علم بالإصابات أو الهزال أو الانهيار الصحي ويمتنع عن التوثيق أو العلاج أو الإبلاغ.
خامسًا: المسؤولية السياسية والخطاب التحريضي
لا يمكن فصل التعذيب داخل السجون عن السياق السياسي الذي يغذيه أو يبرره. فالخطاب السياسي الذي ينزع الإنسانية عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، أو يصورهم كجماعة لا تستحق الحقوق، أو يبرر حرمانهم من الطعام والعلاج والزيارة والنوم، يشكل بيئة تحريضية خطيرة تسمح بتحويل الانتهاك إلى سياسة قابلة للتنفيذ داخل السجن.
فعندما يُقدَّم الطعام أو العلاج أو الزيارة أو الاتصال بالعائلة بوصفها “امتيازات” قابلة للسحب، لا حقوقًا أساسية لا يجوز المساس بها، تصبح الانتهاكات قابلة للتبرير إداريًا وأمنيًا. وعندما تصدر تصريحات سياسية تحرض على الانتقام أو العقاب الجماعي أو التشديد غير المحدود على الأسرى، فإنها لا تبقى في مستوى الخطاب، بل يمكن أن تتحول إلى تعليمات وسلوك داخل الأقسام والزنازين ومعسكرات الاحتجاز.
وتتحقق المسؤولية السياسية عندما يصدر المسؤولون سياسات أو تصريحات أو تعليمات تؤدي إلى انتهاك حقوق المحتجزين، أو عندما يعلمون بوقوع التعذيب ولا يتخذون خطوات جدية لوقفه، أو عندما يوفرون الغطاء السياسي والقانوني لمنظومة احتجاز تمارس التعذيب أو تتسامح معه. فالتعذيب لا يحتاج دائمًا إلى أمر مكتوب؛ يكفي أحيانًا أن تُخلق بيئة تُفهم فيها القسوة بوصفها سياسة مرغوبة، والإفلات من العقاب بوصفه ضمانة للمنفذين.
سادسًا: المسؤولية المؤسسية ومنطق الإفلات من العقاب
تتحقق المسؤولية المؤسسية عندما تصبح الانتهاكات متكررة ومعروفة، ولا تتخذ السلطات إجراءات فعالة ومستقلة لوقفها. فإذا تكررت شهادات الأسرى عن التجويع والضرب والحرمان الطبي، وخرج معتقلون بأجساد منهكة، وتوفي أسرى أو تدهورت صحتهم، ولم تُفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، فإن ذلك يشير إلى خلل بنيوي، أو قبول ضمني، أو تواطؤ، أو سياسة.
إن غياب المساءلة ليس مجرد نتيجة للانتهاكات، بل سبب مباشر لاستمرارها. فكل شكوى لا تُحقق، وكل صورة لا تُفحص، وكل وفاة لا يُكشف سببها، وكل أسير يخرج منهكًا دون مساءلة، يفتح الباب أمام تكرار الجريمة. وكل تحقيق داخلي شكلي أو غير مستقل، وكل عقوبة إدارية محدودة لا تتناسب مع خطورة الجريمة، يرسل رسالة إلى الجناة بأن التعذيب يمكن أن يستمر دون كلفة حقيقية.
ولا تتحقق المساءلة بمجرد الإعلان عن “فحص” داخلي أو إجراء إداري محدود. فالتعذيب جريمة دولية تستوجب تحقيقًا مستقلًا وفعالًا ونزيهًا، يملك صلاحية الوصول إلى الضحايا، والسجلات، والكاميرات، والملفات الطبية، وأماكن الاحتجاز، والعاملين فيها، وسلسلة القيادة المسؤولة عنها. وأي تحقيق لا يصل إلى مستوى المسؤولية القيادية والسياسية يبقى قاصرًا عن معالجة أصل الجريمة.
سابعًا: مسؤولية القضاء والجهات الرقابية
تمتد المسؤولية كذلك إلى الجهات القضائية والرقابية عندما تتقاعس عن حماية المحتجزين أو تكتفي بإضفاء الشرعية على سياسات تمس الحقوق الأساسية. فالقضاء، في سياق الاحتجاز، يجب أن يكون ضمانة ضد التعسف والتعذيب، لا غطاءً لاستمرار العزل أو الحرمان أو منع الزيارات أو الاحتجاز دون ضمانات فعالة.
وعندما تُعرض أمام الجهات القضائية أو الرقابية شكاوى تتعلق بالتعذيب، أو الحرمان من العلاج، أو الإخفاء، أو منع المحامين، أو تدهور الحالة الصحية، فإن واجبها لا يقتصر على المراجعة الشكلية، بل يشمل ضمان الحماية الفعلية، وطلب الفحص المستقل، ووقف الانتهاك، ومحاسبة المسؤولين. والتقاعس عن القيام بهذا الدور يعزز الإفلات من العقاب، ويحوّل الضمانات القانونية إلى إجراءات بلا أثر.
ثامنًا: المسؤولية الدولية للدول الثالثة
تؤكد تضامن أن المسؤولية الدولية لا تقتصر على إسرائيل وحدها. فالدول الأطراف في اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب ملزمة بعدم التسامح مع التعذيب، وباتخاذ خطوات فعالة لمنعه وملاحقة مرتكبيه، وبالامتناع عن تقديم أي دعم سياسي أو أمني أو عسكري يساهم في استمرار منظومة احتجاز تمارس التعذيب أو تغطيه.
وتتحمل الدول الثالثة واجب احترام وضمان احترام اتفاقيات جنيف، بما يعني عدم الاكتفاء بإدانة عامة، بل اتخاذ خطوات عملية للضغط من أجل وقف الانتهاكات، وفتح السجون للرقابة المستقلة، وتمكين المحامين والعائلات واللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المعتقلين، ودعم التحقيقات الدولية، وملاحقة المشتبه في ارتكابهم جرائم التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية عند توفر الاختصاص القضائي.
كما أن الدول التي تقدم دعمًا عسكريًا أو أمنيًا أو سياسيًا أو دبلوماسيًا دون اشتراطات واضحة لمنع التعذيب والمساءلة قد تساهم في ترسيخ الإفلات من العقاب. لذلك، فإن التزام الدول لا يقتصر على عدم ممارسة التعذيب مباشرة، بل يشمل عدم المساعدة أو التواطؤ أو توفير الحماية السياسية لمنظومة ترتكب انتهاكات جسيمة وممنهجة.
تاسعًا: مسؤولية المنظمات الدولية وآليات الأمم المتحدة
تتحمل المنظمات الدولية وآليات الأمم المتحدة مسؤولية خاصة في رصد الانتهاكات، وحماية الضحايا، والمطالبة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز، وتفعيل آليات التحقيق والمساءلة. فالتعذيب، عندما يكون واسع النطاق ومتكررًا ومصحوبًا بالعزل عن الرقابة، لا يكفي التعامل معه عبر بيانات قلق أو دعوات عامة، بل يتطلب تدخلًا مؤسسيًا واضحًا، يشمل التحقيق، والتوثيق، والإحالة، والضغط السياسي والقانوني.
وتدعو تضامن إلى أن تتعامل آليات الأمم المتحدة المختصة، بما فيها المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، واللجان التعاقدية، مع ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بوصفه ملفًا عاجلًا يتطلب إجراءات متابعة مستمرة، لا مجرد مداخلات ظرفية.
عاشرًا: الخلاصة
إن المسؤولية عن التعذيب داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية مسؤولية متعددة المستويات: تبدأ من اليد التي تضرب وتقيّد وتعرّي وتجوع، ولا تنتهي عند الجهة التي تضع السياسة وتوفر الغطاء وتحجب الرقابة وتمنع التحقيق. فالتعذيب في بيئة الاحتجاز لا يستمر إلا عندما تتكامل الأدوار: منفذ مباشر، إدارة تسمح، قيادة تعلم ولا تمنع، طبيب يصمت، قضاء لا يحمي، سياسة تحرض، ومجتمع دولي يتردد في المساءلة.
وتؤكد تضامن أن المساءلة ليست مطلبًا أخلاقيًا فقط، بل شرط قانوني وعملي لمنع التعذيب مستقبلًا. فلا يمكن حماية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من التعذيب دون تفكيك منظومة الإفلات من العقاب، ومحاسبة المنفذين والآمرين والمتسترين، وفتح أماكن الاحتجاز للرقابة المستقلة، وضمان حق الضحايا في الشكوى والإنصاف وجبر الضرر.
وعليه، فإن أي مقاربة جدية لوقف التعذيب يجب أن تتعامل مع المسؤولية بوصفها سلسلة كاملة، لا حلقة واحدة. فمن دون مساءلة سياسية ومؤسسية وجنائية، سيبقى التعذيب قابلًا للتكرار، وستبقى السجون فضاءات مغلقة لإنتاج الألم، وسيبقى الضحايا وحدهم يدفعون ثمن صمت المؤسسات وتواطؤ السياسات.
الخلاصة والتوصيات
تخلص الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن إلى أن ما يجري داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين يشكل نمطًا واسعًا ومترابطًا من التعذيب، وسوء المعاملة، والتجويع، والحرمان من العلاج، والإذلال الجسدي والنفسي، بما يتجاوز توصيف الانتهاكات الفردية أو سوء الإدارة داخل أماكن الاحتجاز.
وتؤكد تضامن أن هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياق ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شهدت منظومة الاحتجاز الإسرائيلية تحولًا خطيرًا في طبيعتها ووظيفتها، من منظومة قائمة أصلًا على القيود والسيطرة إلى أداة عقاب جماعي وإخضاع وإذلال منظم. فقد جرى تحويل الاحتياجات الأساسية، مثل الطعام، والدواء، والنوم، والدفء، والنظافة، والزيارة، والاتصال بالمحامي والعائلة، إلى أدوات ضغط وعقاب، بما يمسّ جوهر الكرامة الإنسانية والحق في السلامة الجسدية والنفسية.
إن الصور الموثقة أو المتداولة التي تستوجب التحقق الطبي والقانوني للأسرى قبل الاعتقال وبعد الإفراج، والشهادات المتكررة حول الضرب، والتجويع، والحرمان الطبي، والوضعيات القسرية، والتقييد المؤلم، والتعرية، والتهديد، والتعذيب بالبرد، تكشف حقيقة مركزية: التعذيب لم يعد مخفيًا بالكامل خلف الجدران، بل باتت آثاره تظهر على أجساد الأسرى المحررين، وفي الهزال الحاد، وفقدان الوزن، والانهيار الصحي، والإغماء بعد الإفراج، والحاجة إلى علاج أو عمليات جراحية أو تأهيل طويل.
وترى تضامن أن تكرار هذه الآثار لدى أسرى ومعتقلين من فئات ومناطق مختلفة، ولا سيما معتقلي قطاع غزة، والنساء، والمرضى، وكبار السن، والصحفيين، والعاملين في القطاع الصحي، يعزز الاستنتاج بأن الأمر لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل بنمط ممنهج يستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومساءلة جنائية ومؤسسية.
كما تؤكد تضامن أن اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب يجب ألا يبقى مناسبة رمزية أو خطابية، بل يجب أن يكون لحظة انتقال من الإدانة إلى الفعل، ومن التعاطف إلى المساءلة، ومن توثيق الألم إلى حماية الضحايا والناجين، وضمان علاجهم وتأهيلهم وجبر الضرر الواقع عليهم وعلى عائلاتهم.
إن مساندة ضحايا التعذيب لا تكتمل بإطلاق سراحهم فقط، ولا بنشر صورهم أو شهاداتهم فقط، بل تقتضي الاعتراف بما تعرضوا له، وتوثيق آثار التعذيب وفق معايير مهنية، وتوفير الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية، وحماية الكرامة والخصوصية، وملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.
وبناءً على ما ورد في هذا التقرير، تقدم تضامن التوصيات الآتية:
أولًا: على المستوى الدولي
ثانيًا: بشأن الوصول والرقابة والكشف عن المصير
ثالثًا: بشأن الأسرى والفئات الأكثر هشاشة
رابعًا: بشأن التوثيق الطبي والقانوني
خامسًا: بشأن العلاج والتأهيل وجبر الضرر
سادسًا: بشأن وقف السياسات المولدة للتعذيب
سابعًا: بشأن المساءلة ومنع الإفلات من العقاب
وتؤكد تضامن في ختام هذا التقرير أن حماية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين من التعذيب ليست مسألة إنسانية هامشية، بل التزام قانوني دولي عاجل. فكل يوم يستمر فيه حجب الرقابة، ومنع الزيارات، وتقليص الطعام، وتأخير العلاج، والعزل، والتقييد، والإذلال، هو يوم إضافي تتسع فيه دائرة الضحايا وتتعمق فيه مسؤولية الجناة ومن يوفرون لهم الحماية.
إن مساندة ضحايا التعذيب تبدأ بتصديق الضحايا، وحماية كرامتهم، وعلاج أجسادهم ونفوسهم، لكنها لا تكتمل إلا بمساءلة من عذّبوا، ومن أمروا، ومن صمتوا، ومن جعلوا السجن مساحة لإنتاج الألم. ولذلك تدعو تضامن المجتمع الدولي إلى الانتقال الفوري من بيانات القلق إلى إجراءات فعالة تضع حدًا للتعذيب، وتعيد للضحايا حقهم في الحقيقة والإنصاف والعدالة.
خاتمة
إن التعذيب لا يترك أثره على الجسد وحده، بل يمتد إلى الذاكرة، والعائلة، والمجتمع، والقدرة على استعادة الحياة بعد الإفراج. وما تكشفه شهادات الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وصورهم قبل الاعتقال وبعد الإفراج، هو أن السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية لم تعد أماكن لسلب الحرية فقط، بل تحولت، في كثير من ممارساتها، إلى فضاءات لإنتاج الألم والإذلال، حيث يُستخدم الطعام، والدواء، والبرد، والعزل، والتقييد، والضرب، والتعرية، والتهديد، أدوات لإخضاع الإنسان الفلسطيني وكسر كرامته.
لقد أظهر هذا التقرير أن التعذيب في السياق الفلسطيني لا يقتصر على غرفة التحقيق أو لحظة الضرب المباشر، بل يمتد إلى شروط الحياة اليومية داخل الاحتجاز. فالجوع يصبح أداة عقاب، والمرض يتحول إلى وسيلة ضغط، والحرمان من النوم والنظافة والحمام والزيارة والعلاج يصبح جزءًا من منظومة متكاملة تمس الجسد والنفس والكرامة. وحين يخرج الأسرى بأجساد منهكة، وأوزان مفقودة، وأمراض متفاقمة، وآثار نفسية عميقة، فإن ذلك يؤكد أن الأذى لا ينتهي عند بوابة السجن، بل يستمر في حياة الضحية وعائلته ومجتمعه.
وفي اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، تؤكد الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن أن الضحايا والناجين لا يحتاجون إلى بيانات تعاطف فقط، بل إلى حماية فعلية، وعدالة، وعلاج، وتأهيل، وإنصاف، وجبر ضرر. فكل جسد خرج من السجن منهكًا، وكل أسير أُفرج عنه فاقدًا لوزنه وصحته، وكل معتقل انهار صحيًا بعد الإفراج، وكل عائلة استقبلت ابنها مريضًا أو مصابًا أو محطمًا نفسيًا، جريمة يجب ألا تمر دون تحقيق ومساءلة وإنصاف.
إن استمرار الإفلات من العقاب ليس نتيجة جانبية لغياب العدالة، بل هو أحد أسباب استمرار التعذيب وتكراره. فكل شكوى لا تُحقق، وكل وفاة لا يُكشف سببها، وكل صورة لا تُفحص، وكل شهادة لا تُحمى، وكل أسير يُترك بعد الإفراج دون علاج أو توثيق أو إنصاف، يفتح الباب أمام إنتاج ضحايا جدد. لذلك وقف هذه الجريمة يبدأ بكشف الحقيقة، وفتح أماكن الاحتجاز للرقابة المستقلة، وحماية الأسرى، ومساندة الناجين، ومحاسبة المسؤولين، وحماية الأسرى، وفتح أماكن الاحتجاز للرقابة المستقلة، ومساندة الناجين، ومحاسبة المسؤولين، وضمان ألا يبقى أي أسير أو معتقل فلسطيني خارج الحماية والرقابة والقانون.
وتؤكد “تضامن” أن مساندة ضحايا التعذيب ليست فعلًا موسميًا مرتبطًا بيوم دولي، بل التزام دائم تجاه الضحايا والناجين وعائلاتهم. وهذا الالتزام لا يكتمل إلا بتحويل الشهادات إلى ملفات مساءلة، والصور إلى أدلة قابلة للتحليل، والألم إلى مطالب قانونية واضحة، والتضامن إلى فعل مؤسسي يضمن العلاج، والكرامة، والحقيقة، والعدالة.
مراجع قانونية وحقوقية مختارة
اعتمد هذا التقرير على إطار قانوني وحقوقي يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الجنائي الدولي، وإلى الشهادات والمواد التوثيقية المتاحة بشأن أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومعسكرات الاحتجاز الإسرائيلية.