أولًا:
ملخص تنفيذي
يتزامن اليوم الدولي للأسر، الذي يصادف 15 أيار/مايو من كل عام، مع ذكرى النكبة الفلسطينية، بما يمنح هذه المناسبة دلالة قانونية وإنسانية خاصة في السياق الفلسطيني. فالأسرة الفلسطينية لم تكن خارج دائرة الاستهداف، بل شكّلت، منذ النكبة وحتى اليوم، إحدى البنى الاجتماعية الأكثر تضررًا من سياسات الاحتلال القائمة على التهجير، والقتل، والاعتقال، والإخفاء القسري، واحتجاز الجثامين، والحرمان من الزيارات والتواصل.
تؤكد الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لا تنتهك حقوق الأفراد المحتجزين فحسب، بل تمتد آثارها بصورة مباشرة ومنهجية إلى عائلاتهم، بما يحوّل الأسرة الفلسطينية إلى ضحية مستمرة لمنظومة احتجاز عقابية تتجاوز حدود سلب الحرية إلى تفكيك الروابط الأسرية والاجتماعية.
وتبرز هذه السياسة بوضوح بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، من خلال التوسع في الاعتقال الجماعي، والاعتقال الإداري، واحتجاز معتقلي غزة تحت تصنيفات استثنائية، ومنع عائلاتهم من الوصول إلى معلومات كافية حول أماكن احتجازهم وظروفهم، وحرمان الأسرى من الزيارات، واحتجاز جثامين الشهداء، بما يخلق حالة مستمرة من الفقد القسري والانتظار المفتوح داخل البيت الفلسطيني.
وتعكس المؤشرات الرقمية المتوفرة حتى نهاية أبريل/نيسان 2026 حجم الأثر المباشر لمنظومة الاحتجاز الإسرائيلية على الأسرة الفلسطينية؛ إذ تحتجز سلطات الاحتلال أكثر من 9,400 أسير ومعتقل فلسطيني داخل 23 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق، من بينهم 87 أسيرة، وأكثر من 360 طفلًا وقاصرًا، إضافة إلى أكثر من 3,376 معتقلًا إداريًا محتجزين دون تهمة أو محاكمة، و1,283 معتقلًا من قطاع غزة تحت تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”. كما بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة المعروفين بهوياتهم 326 شهيدًا، في ظل وجود مئات الأسرى المرضى، بينهم حالات مزمنة وخطيرة.
وخلال شهر أبريل/نيسان 2026 وحده، سُجلت 365 حالة اعتقال وإعادة اعتقال، و670 أمر اعتقال إداري وتجديد اعتقال، بما يؤكد أن الاعتقال لم يعد إجراءً فرديًا معزولًا، بل سياسة واسعة الأثر تطال آلاف العائلات الفلسطينية.
وترى “تضامن” أن هذه الممارسات تشكّل انتهاكات مركبة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما الحق في الحرية والأمان الشخصي، والحق في الحياة الأسرية، وحظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وحق العائلات في معرفة مصير المحتجزين، وواجب احترام كرامة الموتى وحقوق ذويهم في الدفن والحداد.
ثانيًا:
منهجية الورقة
تستند هذه الورقة إلى مقاربة قانونية تحليلية تربط بين الوقائع الموثقة في ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وبين أثرها المباشر على الأسرة الفلسطينية كوحدة اجتماعية محمية بموجب القانون الدولي. وتعتمد الورقة على الرصد والتوثيق اليومي الذي تجريه الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن، وعلى المعطيات الواردة في التقرير الحقوقي الإحصائي لشهر أبريل/نيسان 2026، إضافة إلى إفادات وشهادات موثقة لأسرى محررين وعائلات معتقلين، وبيانات المؤسسات الفلسطينية المختصة بمتابعة شؤون الأسرى.
كما تستند الورقة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية جنيف الرابعة، والمادة المشتركة الثالثة من اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واتفاقية حقوق الطفل، وقواعد نيلسون مانديلا، وقواعد بانكوك، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ولا تتناول الورقة الأسرة الفلسطينية بوصفها طرفًا متأثرًا بصورة غير مباشرة فقط، بل بوصفها ضحية مستقلة ومباشرة لسياسات الاعتقال والإخفاء القسري واحتجاز الجثامين والحرمان من الزيارة والتواصل، وهي سياسات تعيد إنتاج الفقد داخل البيت الفلسطيني وتحوّل الحياة الأسرية إلى مساحة دائمة للانتظار والقلق والحرمان.
ثالثًا:
سياق المناسبة: حين تلتقي النكبة بحق الأسرة
اعتمدت الأمم المتحدة اليوم الدولي للأسر للتأكيد على أهمية الأسرة بوصفها الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع، وضرورة حمايتها من السياسات التي تهدد استقرارها وكرامتها ووحدتها. غير أن هذا المعنى يكتسب في الحالة الفلسطينية طابعًا خاصًا، لأن تاريخ الأسرة الفلسطينية هو تاريخ متصل من الفقد القسري: فقدان الأرض، والمنزل، والابن، والزوج، والأب، والأم، والأسير، والمختفي، والشهيد المحتجز جثمانه.
في 15 أيار/مايو، لا تستحضر العائلات الفلسطينية النكبة كذكرى تاريخية فقط، بل تعيش آثارها اليومية في صورة اعتقال ابن، أو حرمان أم من زيارة أسيرها، أو انتظار عائلة من غزة لمعرفة مكان احتجاز قريبها، أو منع عائلة شهيد من دفنه. وبهذا المعنى، لا تكون النكبة حدثًا ماضيًا، بل بنية مستمرة تتجدد عبر أدوات السيطرة والاحتجاز والعقاب الجماعي.
إن تحويل الاعتقال إلى أداة لإنتاج الفقد داخل الأسرة الفلسطينية يجعل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية جزءًا من النكبة المستمرة، لا بوصفها نظامًا عقابيًا فرديًا فقط، بل بوصفها سياسة تمس المجتمع الفلسطيني من خلال ضرب وحدته الأساسية: الأسرة.
رابعًا:
الأسرة كوحدة محمية في القانون الدولي
تتمتع الأسرة بحماية خاصة في القانون الدولي؛ إذ تنص المادة 23/1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن “الأسرة هي الوحدة الجماعية الطبيعية والأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة”، كما تحظر المادة 17/1 من العهد ذاته أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في الحياة الخاصة أو الأسرة أو المسكن أو المراسلات.
وفي سياق الاحتلال، تكتسب هذه الحماية وزنًا إضافيًا وفق المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال باحترام الأشخاص المحميين وكرامتهم وحقوقهم العائلية، كما تحظر المادة 33 من الاتفاقية ذاتها العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب.
وبناءً على ذلك، فإن سياسات الاعتقال التي تقطع الروابط الأسرية، وتحرم العائلات من الزيارة، وتمنعها من معرفة مصير أبنائها، وتستخدم الجثامين كورقة ضغط أو عقاب، تمس بصورة مباشرة الحقوق المحمية في المواد 17 و23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادتين 27 و33 من اتفاقية جنيف الرابعة، ولا يمكن النظر إليها كإجراءات أمنية أو إدارية معزولة، بل كمساس مباشر بوحدة الأسرة وحمايتها القانونية.
خامسًا:
أدوات تفكيك الأسرة الفلسطينية في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية
لا يقتصر أثر الاعتقال التعسفي على سلب حرية الشخص المعتقل، بل يمتد إلى أسرته بكاملها. فاعتقال الأب يحرم الأطفال من الرعاية والحضور والاستقرار، واعتقال الأم يضرب البنية اليومية للعائلة، واعتقال الأطفال يحوّل الأسرة إلى فضاء دائم من الخوف والقلق، بينما يؤدي الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة إلى إبقاء العائلة في حالة انتظار مفتوح لا تعرف نهايته.
ويمثّل التوسع في الاعتقال الإداري، واحتجاز الفلسطينيين لفترات طويلة دون لائحة اتهام أو محاكمة عادلة، انتهاكًا للمادة 9/1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر حرمان أي شخص من حريته تعسفًا، وللمادة 9/2 التي توجب إبلاغ المقبوض عليه بأسباب القبض عليه، وللمادة 9/4 التي تكفل حقه في الطعن أمام محكمة في قانونية احتجازه. كما يشكّل الاحتجاز المطول دون ضمانات فعلية انتهاكًا للمادة 14 من العهد ذاته، التي تكفل الحق في المحاكمة العادلة وضمانات الدفاع.
وفي سياق الاحتلال، لا تجيز المادتان 42 و78 من اتفاقية جنيف الرابعة الاعتقال أو الإقامة الجبرية للأشخاص المحميين إلا لأسباب أمنية قهرية واستثنائية، وتحت مراجعة فعلية. وبذلك، فإن استخدام أوامر الاعتقال القابلة للتجديد يخلق عقوبة مزدوجة: عقوبة للفرد بسلب حريته، وعقوبة للعائلة بحرمانها من الاستقرار وإبقائها في حالة نفسية وقانونية معلقة. ويتضح هذا النمط بصورة خاصة في شهر أبريل/نيسان 2026، حيث سُجل 670 أمر اعتقال إداري وتجديد اعتقال، من بينها أوامر صدرت أو جُددت في يوم الإفراج ذاته، بما يعكس استخدام الاعتقال الإداري كوسيلة للاحتجاز المفتوح خارج الضمانات القضائية الفعلية.
وتتفاقم هذه الانتهاكات بفعل القيود المفروضة على التواصل مع المحامين، والاعتماد على مواد سرية، وتأجيل الجلسات، واستخدام جلسات المحاكمة عن بُعد، بما يضعف الرقابة القضائية الفعلية ويعمّق أثر الاعتقال على العائلة.
كما ترى “تضامن” أن توظيف أنظمة الطوارئ والأوامر الاستثنائية في إدارة ملف الاحتجاز الفلسطيني يحوّل الاستثناء إلى قاعدة دائمة، ويمنح غطاءً شكليًا للاعتقال المفتوح، ومنع الزيارات، وتقييد لقاء المحامين، وحجب المعلومات عن العائلات. ولا يجوز استخدام التدابير الطارئة لتبرير الاعتقال التعسفي أو تعطيل الضمانات الأساسية، ولا سيما الحق في معرفة أسباب الاحتجاز، والحق في الطعن الفعلي في قانونيته، والحق في التواصل مع محامٍ وعائلة.
يعد الإخفاء القسري من أخطر الانتهاكات التي تصيب الأسرة مباشرة. فعندما يُحرم الشخص من حريته، ثم تُحجب المعلومات عن مكان احتجازه أو مصيره أو حالته الصحية، لا يكون المعتقل وحده ضحية للانتهاك، بل تصبح عائلته ضحية مستقلة لحالة مستمرة من العذاب النفسي والحرمان من المعرفة.
وتبرز هذه المسألة بصورة خاصة في ملف معتقلي غزة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تواصل سلطات الاحتلال احتجاز 1,283 معتقلًا من قطاع غزة تحت تصنيف “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو إطار قانوني استثنائي يتيح الاحتجاز المطول دون ضمانات إجرائية فعلية، ويقوّض الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويتحقق الإخفاء القسري عندما تتوافر عناصره الأساسية: الحرمان من الحرية على يد جهة رسمية أو بموافقتها، ثم رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون.
إن حق العائلة في معرفة مصير ابنها ليس منّة إنسانية، بل حق قانوني أصيل. فالمادة 1 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تحظر الإخفاء القسري حظرًا مطلقًا، بينما تعرّف المادة 2 الإخفاء القسري بأنه حرمان من الحرية على يد جهة رسمية أو بموافقتها، يتبعه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده. كما تحظر المادة 17 الاحتجاز السري، وتكفل المادة 18 حق ذوي المصلحة المشروعة، وفي مقدمتهم العائلة، في الحصول على معلومات عن مكان الاحتجاز والوضع الصحي والقانوني للمحتجز، فيما تؤكد المادة 24 حق الضحايا في معرفة الحقيقة. وبذلك، فإن حجب المعلومات عن المعتقلين، ولا سيما معتقلي غزة، يشكّل انتهاكًا مركبًا لحق العائلة في المعرفة، ويمثل معاملة قاسية ولاإنسانية تُبقي الأسرة في حالة مستمرة من العذاب النفسي والانتظار القسري.
تشكّل الزيارات الأسرية وسيلة أساسية للحفاظ على الروابط الإنسانية بين الأسير وعائلته، وهي ليست امتيازًا إداريًا يمكن سحبه جماعيًا، بل حق يرتبط بالكرامة الإنسانية وبحظر العزل الاجتماعي والنفسي للمحتجزين.
وتنص المادة 116 من اتفاقية جنيف الرابعة على حق المعتقلين في استقبال الزوار، ولا سيما الأقارب القريبين، على فترات منتظمة وبأكبر قدر ممكن من التواتر. كما تؤكد القاعدة 58 من قواعد نيلسون مانديلا حق السجناء في التواصل مع عائلاتهم وأصدقائهم على فترات منتظمة، من خلال المراسلات والزيارات.
ولا يجيز القانون الدولي تحويل الحرمان من الزيارات إلى سياسة عامة تُستخدم للإخضاع أو الانتقام أو العقاب الجماعي. فالمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، كما تحمي المادتان 17 و23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحياة الأسرية والأسرة كوحدة طبيعية وأساسية في المجتمع.
وبذلك، فإن المنع الجماعي أو المفتوح للزيارات يقطع الصلة بين المحتجز وعائلته، ويمس حقوقًا محمية نصًا لا مجرد اعتبارات إنسانية عامة.
يمثل اعتقال النساء والأطفال انتهاكًا ذا أثر مضاعف على الأسرة الفلسطينية، نظرًا للحماية الخاصة التي يتمتع بها هؤلاء نصًا في القانون الدولي. فاعتقال الأم أو الفتاة أو الطفل لا يمس الحرية الفردية وحدها، بل يخلخل الرعاية الأسرية، ويمس الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال، ويعيد تشكيل الحياة اليومية للعائلة تحت ضغط الخوف والوصم والحرمان.
وتظهر المعطيات المتوفرة حتى نهاية أبريل/نيسان 2026 أن سلطات الاحتلال تحتجز 87 أسيرة فلسطينية، وأكثر من 360 طفلًا وقاصرًا، ما يكشف اتساع أثر منظومة الاحتجاز لتطال فئات تتمتع بحماية خاصة. كما شملت الاعتقالات خلال شهر أبريل/نيسان وحده 16 طفلًا و11 سيدة، إلى جانب فئات عائلية ومهنية متعددة، بينها والدَا شهيد، ووالد أسير ووالدة أسير، ومحامية، وطالب ومحاضر جامعي ومدرس، ومريض مصاب بالسرطان.
ويحظى الأطفال بحماية خاصة بموجب اتفاقية حقوق الطفل؛ إذ تلزم المادة 3 منها السلطات بإيلاء الاعتبار الأول لمصلحة الطفل الفضلى، وتحظر المادة 37/ب حرمان الطفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية، وتوجب ألا يُستخدم اعتقال الطفل إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة. كما تكفل المادة 37/د حق الطفل المحروم من حريته في الوصول السريع إلى المساعدة القانونية والطعن في قانونية احتجازه أمام سلطة قضائية مختصة ومستقلة.
أما بالنسبة للنساء، فتؤكد قواعد بانكوك، ولا سيما القواعد 2 و5 و26، ضرورة مراعاة الاحتياجات الخاصة للنساء المحتجزات، بما يشمل الاحتياجات الصحية، والخصوصية، والحفاظ على الروابط الأسرية، خصوصًا في حالات الأمهات والنساء ذوات المسؤوليات العائلية. كما أن التفتيش المهين، أو انتهاك الخصوصية، أو الحرمان من الرعاية الصحية، يندرج ضمن حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المنصوص عليه في المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمادتين 2 و16 من اتفاقية مناهضة التعذيب.
وفي الحالة الفلسطينية، يتفاقم أثر اعتقال النساء والأطفال بسبب ظروف الاحتجاز القاسية، والقيود على الزيارات، ومنع التواصل المنتظم، وما يرافق ذلك من تفتيش مهين، وعزل، وحرمان من الخصوصية والرعاية الصحية. وبذلك، لا يصبح الاعتقال إجراءً مقيدًا بحق الفرد فقط، بل أداة تمس بنية الأسرة الفلسطينية وتضاعف آثار التفكك والحرمان داخلها.
يعد احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين أحد أقسى أشكال العقاب الممتد للعائلة؛ فهو لا يكتفي بحرمان الشخص من كرامته بعد الموت، بل يحرم عائلته من الوداع والدفن والحداد، ويُبقي الفقد مفتوحًا ومعلّقًا لسنوات طويلة.
ويفرض القانون الدولي الإنساني احترام الموتى وصون كرامتهم. إذ تؤكد القاعدة 112 من قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي وجوب البحث عن الموتى وجمع جثامينهم وإجلائها كلما سمحت الظروف، وتنص القاعدة 113 على وجوب اتخاذ التدابير اللازمة لمنع سلب الموتى أو التمثيل بجثثهم، فيما تؤكد القاعدة 114 وجوب تسهيل إعادة رفات الموتى وممتلكاتهم الشخصية إلى عائلاتهم بناءً على طلبها أو كلما أمكن ذلك.
وبناءً على هذه القواعد، فإن احتجاز جثامين الشهداء لأغراض الردع أو المساومة أو الضغط السياسي يحوّل الجسد إلى أداة عقابية، ويمثل انتهاكًا لكرامة الموتى وحقوق العائلات في المعرفة والوداع والدفن والحداد. كما يتقاطع هذا الاحتجاز، عندما يُستخدم كوسيلة ضغط جماعية أو انتقامية، مع الحظر الوارد في المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب أو الانتقام.
وترى “تضامن” أن احتجاز الجثامين يشكّل امتدادًا للعقاب من السجن إلى القبر، ومن الفرد إلى الأسرة، ومن لحظة الموت إلى سنوات من الانتظار، بما يجعله صورة مركبة من صور العقاب الجماعي والمساس المباشر بالكرامة الإنسانية وحقوق العائلة.
لا يقتصر تفكيك الأسرة الفلسطينية على الاعتقال أو الحرمان من الزيارة، بل يبلغ ذروته في حالات الوفاة داخل الاحتجاز، خاصة عندما ترتبط الوفاة بظروف احتجاز قاسية، أو إهمال طبي، أو تعذيب، أو حرمان من العلاج والغذاء والرعاية الصحية الأساسية.
وتشير المعطيات المتوفرة حتى نهاية أبريل/نيسان 2026 إلى أن عدد شهداء الحركة الأسيرة المعروفين بهوياتهم بلغ 326 شهيدًا، في ظل وجود مئات الأسرى المرضى، بينهم حالات مزمنة وخطيرة. وتكشف هذه الأرقام أن منظومة الاحتجاز لا تنتج الحرمان من الحرية فقط، بل تخلق مخاطر جدية على الحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية.
وتتحمل سلطة الاحتلال مسؤولية قانونية خاصة عن حياة وسلامة الأشخاص المحتجزين لديها؛ إذ تكفل المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في الحياة، وتحظر المادة 7 من العهد ذاته التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما تحظر المادة 32 من اتفاقية جنيف الرابعة أي تدابير من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة للأشخاص المحميين، بما في ذلك القتل، والتعذيب، والعقوبات البدنية، والتشويه، والمعاملة القاسية.
وتفرض القواعد 24 إلى 35 من قواعد نيلسون مانديلا التزامًا واضحًا بتوفير الرعاية الصحية للسجناء دون تمييز، وبمستوى مماثل لما هو متاح في المجتمع. كما توجب القاعدة 69 من القواعد ذاتها إبلاغ عائلة السجين فورًا في حالات الوفاة أو المرض الخطير أو الإصابة الخطيرة.
وبناءً على ذلك، فإن وفاة الأسير داخل الاحتجاز لا تمثل مأساة فردية معزولة، بل انتهاكًا يمتد أثره إلى العائلة التي حُرمت من الحماية، والمعرفة، والاطمئنان، والوداع. وعندما تقترن الوفاة بحجب المعلومات، أو غياب تحقيق مستقل، أو احتجاز الجثمان، يصبح الانتهاك مركبًا: انتهاكًا للحق في الحياة، ولقواعد حظر التعذيب والمعاملة القاسية، ولحق العائلة في المعرفة والحقيقة والدفن اللائق، فضلًا عن المساس بكرامة المتوفى.
سادسًا:
التكييف القانوني العام
إن السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وعائلاتهم، عند النظر إليها مجتمعة، تشكّل نمطًا من الانتهاكات المركبة التي تمس حقوقًا محمية نصًا في القانون الدولي، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والحرية والأمان الشخصي، والمحاكمة العادلة، والحياة الأسرية، والكرامة الإنسانية، والحماية من التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحق العائلات في معرفة مصير المحتجزين، وحق الموتى وذويهم في الاحترام والدفن اللائق.
وتنتهك هذه السياسات، بحسب طبيعتها وآثارها، المواد 6 و7 و9 و14 و17 و23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في الحياة، وتحظر التعذيب والاعتقال التعسفي، وتضمن الحق في المحاكمة العادلة، وتحمي الحياة الخاصة والأسرية، وتقرّ بحماية الأسرة بوصفها الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع.
كما تمس هذه السياسات التزامات إسرائيل كقوة احتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ولا سيما المادة 27 المتعلقة باحترام الأشخاص المحميين وكرامتهم وحقوقهم العائلية، والمادة 32 التي تحظر القتل والتعذيب والمعاملة القاسية، والمادة 33 التي تحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، والمادتين 42 و78 اللتين لا تجيزان الاعتقال أو الإقامة الجبرية إلا لأسباب أمنية قهرية واستثنائية، والمادة 76 المتعلقة باحتجاز الأشخاص المحميين داخل الأرض المحتلة وظروف احتجازهم، والمادة 116 التي تكفل حق المعتقلين في تلقي الزيارات، ولا سيما من الأقارب القريبين.
وفيما يتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة، تخالف هذه الممارسات المادتين 2 و16 من اتفاقية مناهضة التعذيب، اللتين تلزمان الدولة بمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، دون جواز التذرع بأي ظرف استثنائي لتبرير ذلك.
أما حجب مصير المعتقلين، ولا سيما في ملف معتقلي غزة، فيتعارض مع المواد 1 و2 و17 و18 و24 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، التي تحظر الإخفاء القسري حظرًا مطلقًا، وتمنع الاحتجاز السري، وتكفل حق العائلات في الحصول على المعلومات ومعرفة الحقيقة. كما أن اعتقال الأطفال يمس المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر حرمان الطفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية، وتوجب ألا يُستخدم الاعتقال إلا كملاذ أخير ولأقصر فترة زمنية مناسبة.
وعندما تُمارس هذه السياسات في سياق احتلال عسكري وبصورة واسعة أو منهجية ضد الفلسطينيين، فإنها لا تمثل انتهاكات فردية معزولة، بل تندرج ضمن منظومة أوسع من العقاب الجماعي والسيطرة، وتعيد إنتاج النكبة داخل الأسرة الفلسطينية عبر جعل الفقد والانتظار والحرمان جزءًا من الحياة اليومية.
وتندرج بعض هذه الأفعال، في ضوء طبيعتها وسياقها واتساعها، ضمن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وتشكل أساسًا معقولًا للنظر فيها بوصفها جرائم حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا سيما المادة 8/2/أ/1 المتعلقة بالقتل العمد، والمادة 8/2/أ/2 المتعلقة بالتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، والمادة 8/2/أ/3 المتعلقة بإحداث معاناة شديدة أو أذى خطير، والمادة 8/2/أ/6 المتعلقة بالحرمان المتعمد من الحق في محاكمة عادلة، والمادة 8/2/أ/7 المتعلقة بالحبس غير المشروع للأشخاص المحميين.
وبناءً على ذلك، تؤكد “تضامن” أن تحويل الاعتقال، والإخفاء القسري، والحرمان من الزيارات، واحتجاز الجثامين، والوفاة داخل الاحتجاز، إلى أدوات لتفكيك الأسرة الفلسطينية، يشكّل انتهاكًا جسيمًا لالتزامات إسرائيل القانونية كقوة احتلال، ويستوجب فتح مسارات مساءلة وتحقيق دولية فعالة، تضمن الحقيقة، والإنصاف، والجبر، وعدم الإفلات من العقاب.
سابعًا:
توصيات إجرائية
تدعو “تضامن” سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى اتخاذ الإجراءات الفورية الآتية:
2. إلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والدول ذات الولاية القضائية
تدعو “تضامن” الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، والدول التي تملك آليات وطنية للمساءلة وفرض العقوبات، إلى اتخاذ إجراءات ملموسة، تشمل:
3. إلى الأمم المتحدة وآلياتها الخاصة
تدعو “تضامن” الأمم المتحدة وآلياتها الخاصة إلى:
4. إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر
تدعو “تضامن” اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى:
5. إلى المنظمات الحقوقية الدولية
تدعو “تضامن” المنظمات الحقوقية الدولية إلى:
خاتمة
في اليوم الدولي للأسر وذكرى النكبة، تؤكد الهيئة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين – تضامن أن حماية الأسرة الفلسطينية لا تنفصل عن إنهاء منظومة الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، واحتجاز الجثامين، والحرمان من الزيارات.
فالنكبة لا تستمر فقط عبر تهجير الأرض ومصادرة البيت، بل تستمر أيضًا حين يُنتزع الابن من عائلته، وتُحرم الأم من زيارته، وتُمنع الزوجة من معرفة مصيره، ويُحرم الطفل من أبيه، وتُمنع العائلة من دفن شهيدها.
إن تفكيك الأسرة الفلسطينية عبر أدوات الاحتجاز والسيطرة لا يمثل أثرًا جانبيًا للاحتلال، بل يشكّل جزءًا من بنيته العقابية المستمرة. ومن ثم، فإن مساءلة الاحتلال عن هذه السياسات ليست واجبًا إنسانيًا فحسب، بل التزام قانوني دولي لحماية الأسرة والكرامة والحق في الحياة والحرية والعدالة.
وتشدد “تضامن” على أن أي مقاربة دولية جادة لحماية الأسرة الفلسطينية يجب أن تبدأ من وقف السياسات التي تنتج الفقد داخلها: الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والحرمان من الزيارة، واحتجاز الجثامين، والقتل داخل الاحتجاز، بما يضمن حق العائلات في الحقيقة، والعدالة، والإنصاف، والعيش دون تهديد دائم بتفككها القسري.
المراجع ومصادر المعلومات
استندت هذه الورقة إلى: