ملخص تنفيذي
تكشف المعطيات الموثقة عن تحول بنيوي عميق في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمثل في التوسع الواسع في الاعتقال التعسفي، والتقويض المنهجي لضمانات المحاكمة العادلة، واستخدام ظروف الاحتجاز كأداة للعقاب الجماعي.
وقد تجاوز عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب 9600 أسير/ة، بزيادة تُقدّر بنحو 83% مقارنة بالفترة السابقة، في حين يُحتجز ما يقارب نصفهم دون تهمة أو محاكمة، بما يعكس انزياحًا واضحًا في وظيفة نظام الاحتجاز من إطار قانوني لضبط الحرية إلى أداة للسيطرة والعقاب.
خلفية
في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت الضفة الغربية والقدس تصعيدًا غير مسبوق في حملات الاعتقال الجماعي، تزامن مع احتجاز واسع لمعتقلي قطاع غزة في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات القانونية، وفي سياقات تقترب في بعض حالاتها من الإخفاء القسري.
وقد رافق ذلك إدخال تعديلات جوهرية على السياسات والإجراءات داخل السجون، شملت توسيع نطاق استخدام القوانين الاستثنائية، وتشديد القيود على الحقوق الأساسية للمعتقلين، بما في ذلك الاتصال بالعالم الخارجي، والحصول على التمثيل القانوني، والحق في الطعن القضائي الفعّال.
التحليل
أولًا: الاعتقال التعسفي كسياسة ممنهجة
يعكس الارتفاع الحاد في عدد المعتقلين الإداريين—الذي تجاوز 3532 معتقلًا—إلى جانب 1251 معتقلًا مصنفين كـ"مقاتلين غير شرعيين"، توسعًا منهجيًا في الاحتجاز دون توجيه تهم أو محاكمة.
ويُشكّل هذا النمط انتهاكًا مباشرًا للمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر الاعتقال التعسفي، والمادة (14) التي تكفل الحق في محاكمة عادلة، كما يقوض مبدأ الشرعية والإجراءات القانونية الواجبة.
ثانيًا: استهداف الفئات المحمية
يقبع في السجون نحو 350 طفلًا و86 امرأة، من بينهن معتقلات إداريًا، في انتهاك واضح للضمانات الخاصة بحماية الأطفال والنساء.
وتُخالف هذه الممارسات التزامات دولة الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، فضلًا عن اتفاقية حقوق الطفل التي تحظر احتجاز الأطفال تعسفيًا وتُلزم باعتبار الاحتجاز إجراءً استثنائيًا ولأقصر مدة ممكنة.
ثالثًا: ظروف احتجاز تنطوي على معاملة قاسية أو لا إنسانية
تشير الشهادات والمعطيات المتقاطعة إلى انتشار أنماط متعددة من التعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب تدهور صحي واسع النطاق نتيجة الإهمال الطبي، والحرمان من الرعاية الصحية الأساسية.
وتُشكّل هذه الممارسات انتهاكًا للحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، المنصوص عليه في المادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وقواعد نيلسون مانديلا.
رابعًا: الوفيات داخل الاحتجاز واحتجاز الجثامين
سُجّلت 89 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز منذ أكتوبر 2023، في سياق يرتبط بممارسات تشمل التعذيب، والإهمال الطبي، وظروف الاحتجاز القاسية.
وفي الوقت ذاته، تحتجز السلطات جثامين 97 أسيرًا، في سياسة تنتهك الكرامة الإنسانية وتمتد آثارها إلى عائلات الضحايا، وتشكل إخلالًا بالالتزامات القانونية المتعلقة بمعاملة الموتى واحترام حقوق ذويهم.
خامسًا: إدخال عقوبة الإعدام في سياق يفتقر لضمانات المحاكمة العادلة
يشكّل إقرار تشريع يجيز فرض عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين تحولًا بالغ الخطورة في الإطار القانوني الناظم لمنظومة الاحتجاز، خاصة في ظل بيئة إجرائية تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي ضوء التوسع في الاعتقال التعسفي، والاعتماد على الأدلة السرية، وتقييد الوصول إلى المحامين، فإن إدخال عقوبة الإعدام في هذا السياق يخلق خطرًا فعليًا بوقوع حالات حرمان تعسفي من الحق في الحياة.
ويُعد ذلك انتهاكًا للمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تفرض قيودًا صارمة على تطبيق هذه العقوبة، كما يتعارض مع الاتجاه الدولي المتزايد نحو إلغائها.
كما أن تطبيق هذه العقوبة في سياق الاحتلال، وبموجب نظام قضائي مزدوج، يثير إشكالات قانونية جوهرية تتعلق بالتمييز، وانعدام تكافؤ الضمانات، وتقويض استقلال القضاء.
الاستنتاج
تُظهر هذه المعطيات أن سلطة الاحتلال الإسرائيلي تدير منظومة احتجاز تقوم على تقويض منهجي للقانون الدولي وضمانات الحريات الأساسية، وقد جرى توظيفها كأداة للعقاب الجماعي بحق السكان الواقعين تحت الاحتلال.
ولا يقتصر هذا التحول على الممارسات داخل أماكن الاحتجاز، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإطار القانوني ذاته، بما في ذلك إدخال عقوبة الإعدام ضمن منظومة تفتقر إلى الضمانات الأساسية، الأمر الذي يعزز خطر الحرمان التعسفي من الحياة.
وفي ضوء طابع هذه الممارسات واتساع نطاقها، فإنها ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة التي يمكن أن تُصنّف ضمن الجرائم الدولية، بما في ذلك جرائم الحرب.
التوصيات